شرح كتاب التوحيد 276

شرح كتاب التوحيد 276

الدرس في شرح كتاب التوحيد 276، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تهديد من لم يؤمن بالقدر والعقوبات المترتبة على ذلك

يذكر المؤلف أثرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوعد فيه من لم يؤمن بالقدر بالنار، ويشرح العلماء أن هذا الإحراق قد يكون أبديًا لمن أنكر قدر الله. يُبين أن هذا التهديد يشمل من أنكر قدر الله جملة وتفصيلا أو كان من أهل البدع.

تصنيف نفاة القدر وإنكار علم الله السابق

ناقش المقطع مفهوم نفاة القدر وتصنيفهم إلى قسمين، مع التركيز على القسم الأول الذي ينكر علم الله السابق. يُظهر أمثلة على هؤلاء الأشخاص مثل عمرو بن عبيد الذي أنكر علم الله السابق والكتابة في اللوح المحفوظ.

القدرية المتأخرون وإنكارهم خلق الله لأفعال العباد

يتحدث عن القدرية المتأخرين الذين أثبتوا علم الله للأشياء قبل وقوعها ولكنهم نفوا خلق الله لأفعال العباد. يرى العلماء أن هذا القول بدعة وضلالة يرده الكتاب والسنة وإجماع السلف، ويسمون هؤلاء بمجوس الأمة.

أهمية مسائل القضاء والقدر وخاتمة

يؤكد على أهمية مسائل القضاء والقدر في ديننا ووقوع الغلط فيها عند كثير من الناس. يطلب من الله النفع بما قاله ويختم بالصلاة على النبي والسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، وفي رواية لابن وهب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يؤمن بالقدر أحرقه الله بالنار». لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يستطرد معنا في ذكر الأدلة الدالة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، إذ أنها من صميم ديننا ومن أصول عقيدتنا. وأورد رحمه الله تعالى هاهنا هذا الأثر، والذي جاء من طريق ابن وهب، وهو الإمام الحافظ عبد الله بن وهب. وهذه رواية رواها ابن أبي عاصم رحمه الله تعالى، وذكرها الإمام الآجري في «الشريعة». وهذه الرواية هي حسن بشواهدها، كما ذكر ذلك صاحب النهج، وهكذا صحح الألامة الألباني رحمه الله تعالى. وفي هذا الأثر، والحديث المرفوع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيه التهديد الشديد في حق من لم يؤمن بالقدر، أنه متوعد بالنار، وفيه كذلك التأكيد والتوكيد على ضرورة الإيمان بالقضاء والقدر وجوبا. وهذا مما يجعل كل مسلم ومسلمة يلجأ إلى هذا الباب، إلى العلم به وإلى الدراية بأحكامه، وهكذا أن يكون واقعا ملموسا في حياته. وهنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحرقه الله بالنار»، قال العلماء: أن الإحراق بالنار في حق من لم يؤمن بالقدر يكون على أحد وجهين. الوجه الأول: أن يكون هذا الإحراق أبدي سرمدي، وهذا في حق من أنكر قدر الله جملة وتفصيلا، ويدخل في هذا الباب من الكفار من كان من أبناء ملتنا، ومن كان من أهل ديننا، من أنكر علم الله السابق، ومن أنكر الكتابة. وقد مضت معنى أن أقوال العلماء على تكفير هؤلاء، لأن من أنكر علم الله السابق بالحوادث معناه أنه رمى الله بالجهل، وهذا كفر. ولهذا قال من قال من السلف: «ناقشوا أو جادلوا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا به كفروا». وهؤلاء هم القدرية. وهذا الصنف الأول الذين من أنكر قدر الله أو أنكر علم الله السابق، فهذا ممن يتوعده الله بالعذاب السرمدي الأبدي. وأما النوع الثاني من التوعد بالنار، وهو في حق من كان من أهل البدع، وهذا في حق من أنكر مرتبة الخلق والمشيئة، بأن الله لم يشأ أن تقع هذه الحوادث، أو أن الله ما أوجد هذه الأمور. وهؤلاء من المبتدع الضلال، والمبتدع الضال متوعد بالنار لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». إذن يفهم هذا الحديث على هذا الفهم: «من لم يؤمن بالقدر أحرقه الله بالنار»، إما إحراقا كليا أبديا سرمديا إن كان من عداد الكفار، كمن أنكر علم الله، أو يكون هذا بالنار توعدا قد توعد الله به صاحبه، وهو إذا كان مبتدع، إذا كان مبتدع ضال، وذلك إذا أنكر شيئا من مراتب القضاء والقدر، كإنكاره لمسألة الخلق والمشيئة. هنا إخواني في الله، من باب الفائدة، ونحن نتحدث عن أنواع هؤلاء النفاة للقدر، وكيف أنهم يتخبطون بين دائرتين، إما الكفر وإما البدع والضلالة. هنا نلجأ إلى مسألة وهي أن نتعرف على نفاة القدر. نفاة القدر هي فرقة موجودة، بل قل هو مبدأ، وهو فهم فكر موجود عند بعض الناس، يتمثل في بعض الفرق الضالة. قسم العلماء نفاة القدر إلى قسمين اثنين. القسم الأول: وهو الذي يعبر عنهم العلماء بالغلاة، غلاة النفاة، غلوا في نفي القدر، وكان هؤلاء تدور مقالاتهم إلى مسألة أن الله ما علم بالأمور قبل حدوثها، يلغون وينفون علم الله السابق. ولهذا سموهم العلماء بالغلاة. والذي ينفي وينكر علم الله السابق، ما الذي يتحتم ويلزمه؟ يلزمه كذلك إنكار مرتبة الكتابة، إذا كان الله ما علم بالأشياء قبل وقوعها، إذن الله ما كتب الأشياء قبل وقوعها. وهؤلاء الذين وصفهم العلماء بالكفر والمروق والزندقة. وهؤلاء الذين ظهروا حين ظهروا في زمن بن عمر، حيث قالوا: «أن الأمر أنف»، بمعنى مستأنف، بمعنى الأمر جديد الآن طرأ في واقعنا، والآن طرأ في علم الله، قبل هذا ما طرأ. الذي قال عنه ابن عمر: «أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء». وهؤلاء الذين طالب العلماء يناقشونهم بالعلم، أثبتوا لا زالوا على الإسلام، أنكروا علم الله، فهم زنادق. من أمثال هؤلاء إخواني في الله: عمرو بن عبيد، عمرو بن عبيد رفع راية الإنكار لعلم الله السابق، وأنكر الكتابة، حتى كان من أقواله الشاذة الفاذة: أنه كان يقول: «لو أن تبت يد أبي لهب وتب موجود في اللوح المحفوظ، ما كان لله حج على بني آدم». فهم معنى العبارة: أي لو أن الله كتب في اللوح المحفوظ ما يكون من مصير أبي لهب، وأنه من أهل النار، وقد كتب عليه هذا في اللوح المحفوظ، إذن يقول هذا الضال الزنديق: إذن فعلى ما الله يحتاج على بني آدم وقد كتب عليهم الأهلاك من قبل. ومن أقواله الضال الذي خرجت به قريحته الملوث بالزندقة، وهو الذي قد تبنى هذا المبدأ، مبدأ إنكار قدر الله، لما ذكر بهذا الحديث الصحيح الذي رواه أو جاء من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوم نطفة، ثم مضغة، ثم علقة، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». هذا الحديث حج على القدرية، كيف تلغون علم الله السابق؟ وهذا الحديث يؤكد على أن الإنسان وهو في بطن أمه قد كتب الله عز وجل له المقادير. هذا الحديث عرض على هذا الزنديق عمرو بن عبيد، ماذا قال؟ فلما ذكر بهذا الحديث، قال: هذا الحديث، هذا الحديث الآن بدأ يبدأ بسلسلة الإسناد، قال: «لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لرددته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لما صدقته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، ولو سمعته من الله لقلت: يا رب ما على هذا أخذت ميثاقنا». زندقة هكذا الهوى إذا بلغ بصاحبه، والفكر البدعي إذا استولى على الإنسان يجعله يرد كل شيء، حتى لو أنه سمع الكلام من الله مباشرة لرد كلام الله، قالها صراحة: «ولو سمعته من الله أن الله يقرر لي بأن مقادير العباد قد تمت، لقلت: يا رب ما على هذا أخذت ميثاقنا». فهذا الصنف من الزنادق، وهو قسم يسميه العلماء بالغلاة، بغلاة القدرية. وقد أشار العلماء إلى أن هذا الصنف كاد أن ينقرض، بل قد انقرض، لأنه ما أحد يستطيع أن ينكر علم الله أصلا، انقرض وأراح الله المسلمين من شر هؤلاء. تأتي الفرق الثانية، وهم دون هؤلاء، وهم ما يعبر عنهم بمتأخري القدرية، القدرية متأخرو النفاة. هؤلاء قالوا: لا حاشا ما ننكر علم الله، الله بكل شيء عليم، أثبتوا علم الله للأشياء قبل وقوعها، أثبتوا الكتابة، وأن الله كتب مقادير العباد، هذا كله معكم يا أهل السنة. لكن في مسألة المشيئة والخلق، قالوا: لا، ما نرى أن الله عز وجل هو الذي خلق أفعال العباد، أو أن الله أوجد أعمال الناس، لا، وإنما أوجد أعمال الناس، والذي خلق أفعال العباد هم العباد أنفسهم، بأنفسهم خلقوا أعمالهم بأيديهم. طبعا هم أرادوا بهذا التنزيه، أرادوا بهذا التنزيه لقلة علمهم، أرادوا لما رأوا الإنسان يقع في معاصي، يقع في ذنوب، قالوا: كيف أن الله يقدر على العبد أن يفعل معصية؟ لا نبعد الرب عن هذا المجال، وندخل الإنسان هو الذي يتحمل هذه الأعمال، فالعبد هو الذي يخلق أعماله بنفسه. هم أرادوا التنزيه، ولهذا كان حكم العلماء: البدعة والضلالة. لقد شهد أن هؤلاء خرجوا لنا بهذا المنهج الشاذ، وهو خارج عن الصراط المستقيم، زعموا أن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد، وإنما العباد هم الذين أوجدوا أعمالهم بأنفسهم. وهذا القول قول يرده الكتاب، يرده السنة، يرده إجماع السلف، لأن الله عز وجل خالق كل شيء، بل حتى أعمال العباد أوجدها الله، خلقها الله، والله خلقكم وما تعملون، إذا كانت «ما» مصدرية، أي والله خلقكم وعملكم، الله خلق العباد وخلق أعمال العباد، فيه عند الله عز وجل. ولهذا يسمي العلماء هذا الصنف من القدرية ممن يزعم أن العبد يخلق أعماله بنفسه، يسميه العلماء بمجوس هذه الأمة. مجوس، وقد جاءت بعض الآثار يحسنها جماعة من أهل العلم. لماذا سموا هؤلاء النفاة للقدر بأنهم مجوس؟ من باب الفائدة، المجوس يعتقدون أن للكون خالقين، أن للكون خالقين، خالق الخير وخالق الشر، هذا يعتقده المجوس، يجعل للكون إلهين اثنين. فهم مجوس، والقدرية في الحقيقة وقعوا في نفس هذا الأمر، ما الذي جعلوا؟ جعلوا للكون خالقين، الذي يخلق الكون ويخلق العباد ويخلق الذوات والأعيان هو الله، والذي يخلق أعمال العباد هم الناس، فأثبت خالق، وهو الله للأذوات والأعيان، وأثبت خالق لماذا للصفات والأعمال، وهم الناس، فأصبحوا بهذا الصورة شبيها بالمجوس. ولهذا يسميهم علماؤنا بمجوس هذه الأمة. وهؤلاء كذلكم من أهل البدع، وهم متوعدون بالنار. هذا إخوان في الله خلاصة هذا الباب في معرفة حديث رسول الله الذي يصحح جماعة من أهل العلم: «ومن لم يؤمن بالقدر أحرقه الله»، إما حرقا كليا سرمديا خالدا مخلدا فيها إذا كان كافرا زنديقا، كمن أنكر علم الله السابق، أو يكون إن كأحرابه بالنار متوعد به، وهم من كان من أهل البدع والضلال، كمتأخري القدرية ممن أنكر المشيئة وأنكر الخلق، وأثبت أن أفعال العباد يجدها العبد بيده، وهذا من الضلال المبين، والتي ما أنزل الله بها من السلطان، ولا من آيات وأحكام. هذا ما أذكره في هذا المقام، وسيأتي كذلك من كلام المؤلف ما فيه الاستدلال على مسائل القضاء والقدر، وهي كما قلنا مسائل مهمة، ينبغي أن يرعى لها كل مسلم ومسلمة العناية والتنبيه والأهمية، لأنها من صميم ديننا، وقد وقع الغلط والخطأ فيها عند كثير من الناس. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.