الدرس في شرح كتاب التوحيد 275، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهمية الإيمان بالقضاء والقدر ودور الآباء في توجيه أبنائهم، مع التركيز على التسليم بقضاء الله وقدره. يُبرز المقطع أهمية الرضا بقضاء الله.
يجب على المسلم التسليم بقضاء الله وقدره، والرضا بما يحدث له، مع العلم أن كل شيء بقدر الله لحكمة أرادها. يُشدد على أهمية عدم الاعتراض على قضاء الله.
يشرح المقطع المرتبة الثانية من مراتب القدر وهي الكتابة، ويتناول الخلاف حول أول المخلوقات، ويشرح مراتب الإيمان بالقضاء والقدر الأربع: العلم والكتابة والمشيئة والخلق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عبادة ابن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب، فقال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". قال: وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهو الذي بوّب عليه بقوله: "باب ما جاء في منكري القدر"، وأورد لنا الأثر عن عباد بن الصامت رضي الله تعالى عنه، ثم ما كان من حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الأثر هو من الآثار الصحيحة، والتي رواها الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وأبو داود، وابن أبي عاصم، والإمام أحمد. وقد أورده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح أبي داود. وفي هذا الحديث الذي يقول فيه عبادة: "يا بني"، وابنه هو الوليد ابن عبادة، فهذا الحديث فيه فائدة على أن ولي الأمر من الآباء عليه أن يعتني بمن هم تحت يده، ليس فقط من العناية المادية المالية من توفير المطعم والمشرب والمسكن والملبس، وإن كان هذا لابد منه، لكن كذلك يحطهم بنصحه، ينصحهم في دين الله. فكان من أمر عبادة رضي الله تعالى عنه أنه نصح لابنه، وأعظم النصيحة ما تكون في الدين وفي العقيدة. ولهذا ينبغي للآباء أنهم ينظروا إلى الدواهي الموجودة في أزمانهم، فيجعل لها حظًا من النصح والتوجيه. فلما كانت مسألة القضاء والقدر قد ظهرت في أوقاتهم وفي أزمانهم، أرعوا لها اهتمامًا لم يخصوها لأنفسهم، وإنما كذلك بذلوها لأبنائهم. فقال عبادة: "يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". ذكر عبادة رضي الله تعالى عنه ضابطًا من ضوابط الإيمان بالقضاء والقدر، مر معنا بالأمس أن من ضوابط الإيمان بالقضاء والقدر أن تؤمن بالقدر خيره وشره، خيره ما يلائم طبيعة الإنسان، وشره ما لا يلائم طبيعة الإنسان. وهذا من الإيمان بالقضاء والقدر. ومن الإيمان بالقضاء والقدر ما جاء في كلام عبادة رضي الله تعالى عنه، مفاده أن ما أصابك ما كان ليخطئك والعكس بالعكس. وما أحطأك أي ما نالك وما أصابك لم يكن ليصيبك. وهذا في الحقيقة، وإن كان من كلام عبادة رضي الله تعالى عنه، إلا أنه كذلك مأخوذ من كلامه عليه الصلاة والسلام. فقد ثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في حديث جابر بن عبد الله-: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه". فهذا الذي رواه الترمذي، حسنه الألباني. إذا نعلم أن هذا الضابط في الحقيقة، وإن كان من كلام عبادة، إلا أنه مأخوذ من مشكاة النبوة. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل لنا هذا الضابط في معرفة مدى إيمانك بالقضاء والقدر: "ما أصابك يا عبد الله من خير أو من شر"، وهذا الأكثر، "أصابتك فاقة، أصابتك مصيبة، أصابتك بلية"، لا تظن أن هذه الإصابة قد تم فيها الخطأ، حاش وكلا، ما تم فيها خطأ. يعني تجد بعض الناس لربما -مثلًا- من الطبقة الكادحة، فيه ما فيه من البلايا من الفقر، ثم بعد ذلك يبتليه الله ببلية أخرى مع فقره، يبتليه الله بمرض، يقول: إيش هذا؟ كل علي فقر، والآن مرض، كان ينبغي أن يكون هذا المرض لفلان وفلان، ويرى أن هذا ما ينبغي أن يصاب وأن يبتلى به، يكفيه يقول: يكفيني الذي أنا فيه، فعلى مما يبتلى فلان وفلان، فيجعل أن ما أصابه خطأ، وأن ينبغي الإصابة لغيره، هذا لا يجوز، هذا اعتراض على قضاء الله وقدره. الله يعلم بما فيك، ومع ذلك ابتلاك الله بهذا الابتلاء الجديد، كل ذلك لحكمة أرادها الله، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وهكذا قس عبد الله، فكل مصاب أصابك الله به، اعلم أن الله عز وجل أراده أن يكون فيك، أو كذلك العكس. وما أخطأك لم يكن ليصيبك، الذي ما جاء فيك. مثل رجل كما يقع في مجلس، ما في مجلس ما، ففي أثناء هذا المجلس الذي بجنبه توفاه الله، مات، جاءته سكته، جاءته جلطة، فمات على إثره، ومات على توه، فتقول: سبحان الله، هذا كأنه جاء لي، لا، ما هو جاء لك أصلا، يعني يقول: أنا الكتف بالكتف بجنبي، سواء كان مصليًا أو كان جالسًا، ثم توفاه الله، ما يفرق بينك وبينه شيء، فالمنية خطفت روح هذا، ولم تخطف روحك، هل هناك خطأ في الحسابات؟ هو الكان المقدر أنك أنت المصاب، ثم غيرت، لا، ما هناك تغير، ما جاء الموت إلا لفلان، الله ما أرادك، الله ما أرادك. ولهذا إخواني في الله، هذه قاعدة عظيمة أنك تقيس بها الأمور: "ما أصابك من أي شيء، خيرًا كان أو شرًا"، خيرًا كان أو شرًا، لربما تبتلى بأولادك، تبتلى بفقد بعض الأبناء، بينما تنظر في جوارك، تنظر من إخوانك ومن قرابتك، من رزقه الله بالأولاد الكثر، بينما المنية والأمراض تعتريك وتعتري أولادك، تقول: إيش هذا؟ أنا ما عندي إلا اثنان نفر، والأمراض تتوالى علي وعلى أهلي، وهذا ما شاء الله، عنده سبعة، وهو صاطح باطح، مرتاح في هذه الدنيا، ما يشتكي من شيء. لا تتصخط يا عبد الله، هل ترى أن أو تظن أن في تقدير له أخطأ؟ أن الله عز وجل كان ينبغي أن يجعل هذا هنا، بدأ أن يكون هذا هنا، الجواب: لا، هناك خطأ، هذا قدر، هذا قدر الله، إن كل شيء خلقناه بقدر. فحرص يا عبد الله على هذه القاعدة الربانية: "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، ما هكذا، بهذا يا عبد الله ستسلم من كثير من الإشكالات، ستزاع عنك الهموم والغموم والكربات والإشكالات والاعتراضات، وما يكون من سوء الظن بالله جل وعلا. سلم أمرك لله، فربك أعلم بما ينفعك، ولو أنه سبحانه وتعالى علاك بالمصائب، فذلك لحكمة، فذلك لحكمة. وإن صرف الله عز وجل عنك الخير، فذلك أيضًا لحكمة. "ما أصابك لم يكن ليخطئك، ما أخطأك ما كان ليصيبك". ثم قال عباد رضي الله تعالى عنه في أثره: قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"، وفي هذا إشارة إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من استدلالهم بالقرآن والسنة. مرة معنا في أثر بن عمر بالأمس، حينما ناقش منكري القدرية، عندما أنكر عليهم، أتى لهم بحديث سميعه عن رسول الله. وهذا عباد بن الصامت يوصي ابنه ويستدل له بحديث عن رسول الله. وهكذا يكون أهل السنة، يعلقون الناس بالوحي، لا بالأشخاص ولا بالأعيان، لا بتنظيم ولا بشيء، معناه القرآن والسنة، يتربى عليها الصغير، يتربى عليها الكبير. ولهذا الإنسان إذا أفتى يفتي على علم، وإذا نصح نصح بعلم، وبهذا تزداد مرتبة العبد عند الله وعند خلقه. فقال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب، فقال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". وهذا فيه مسألة، وهي قد ذكرناها في دروس خلت، وهي مراتب القدر، وهي المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة. المرتبة الأولى: العلم بأن الله سبحانه وتعالى قد علم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، الكل علمه الله جل في علاه. المرتبة الثانية: الكتابة، بأن الله عز وجل سطر كل شيء، كل شيء، كما في هذا الحديث: "أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب، ماذا كتب؟ مقادير كل شيء". فكل ما يسير عليه العباد إنما هو أمر قدره الله، وكتبه الله على العباد أن يسيروا عليه. فهذا فيه الإيمان بمسألة الكتابة. وقد ذكرنا ذلك في أوائل الدروس بأدلة الكتاب والسنة. وفي هذه مسألة وهي: "أول ما خلق الله القلم"، مسألة اختلف فيها العلماء: ما هي أول المخلوقات؟ ما هو أول شيء خلقه الله سبحانه وتعالى في الكون؟ على قولين اثنين: أهو القلم أم هو العرش؟ وقع الخلاف في هذه المسألة من أهل العلم، من ذهب إلى أن القلم هو أول شيء أوجده الله سبحانه وتعالى وخلقه، وهذا الذي ذهب إليه الإمام الطبري رحمه الله تعالى، وهكذا ابن الجوزي، وبعض العلماء المعاصرين إلى أن القلم. والقول الثاني، وهو قول الأكثر والجمهور الأعظم: على أن أول ما خلق الله العرش، العرش عرش الرحمن، هو الذي خلقه الله سبحانه وتعالى قبل المخلوقات، وخلقه الله قبل القلم، خلقه الله قبل القلم، بدلالة ما جاء في صحيح السنة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكان عرشه على الماء". وكان عرشه على الماء، فدل على أن العرش كان سابقًا للقدر، سابقًا للقدر. وهكذا أدل أخرى استدل بها العلماء، ولعل هذا هو الصحيح. ويدل على ذلك ما جاء من حديث عمران: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله، كان الله، ولم يكن شيء، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء". فدل على أن الكتابة تمت بعد إيجاد العرش. ولهذا أكثر العلماء، وجمهور العلماء على أن العرش قبل القلم. هنا يقع الإشكال، الإشكال قائم: إذا كان العرش على القول الصحيح، هناك طبعًا قول آخر من أن العرش أول المخلوقات العلوية، وأن القلم من أول مخلوقات الأرضية، هذا قول، نعم، وجيه وسديد، وقال به جماعة من المحققين. لكن الإشكال في معنى هذا الحديث: "أول ما خلق الله القلم"، قد يقول قائل: أليس هو واضح الدلالة على الأولية للقلم؟ فلماذا جمهور العلماء ما أخذوا بهذا؟ قال العلماء: لأن العلماء فهموا هذا الحديث على غير الفهم المتبادر، وهو أنهم قالوا: أن معنى "أول" بمعنى "حين"، بتقدير "حين"، ومعنى الحديث: "أول ما خلق الله القلم"، أي: حين أن خلق الله القلم، قال له: أكتب، حين أن خلق الله القلم، قال له: أكتب. هذا معنى "حين"، وهذا موجود عندنا في لغتنا، أنك تستخدم "أول" بمعنى "حين". فيقول قائل: وأنا أول ما قمت ضربته، أول ما قمت ضربته، أي: حين أن قمت ضربته، فتأتي كلمة "أول" بمعنى "حين" حين قال: وهذا المخصب للحديث: "أول ما خلق الله القلم"، أي: حين أن خلق الله القلم، قال له: أكتب. فهذا العلماء استفادوا على هذا يفهم الحديث، إذن لا إشكال بين فهمه وبين أن العرش ماذا كان قبل ذلك؟ ثم قال عبادة رضي الله تعالى عنه: "يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني". وهذا فيه بيان على وجوب أن تعتقد وأن تعتنق عقيدة الولاء، عقيدة القضاء والقدر، وجوبًا، من خرج عن الجادة فقد تبرأ منه نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذا التبرأ يختلف على حسب المراتب. فمن أنكر مرتبة العلم فهذا كافر خارج عن الدين والملة، ومن أنكر غيرها فهو ضال مضل، خرج عن سبيل المؤمنين وعن جادة الموحدين، فهو ضال من المضلين. لأن الإيمان بالقضاء والقدر يكون -كما يقول- كما قلنا يكون بأربعة مراتب: بالعلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وسيأتي كذلك معنى من كلام المؤلف، كذلك أحاديث متعلقة بهذا الباب. نسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.