شرح كتاب التوحيد 273

شرح كتاب التوحيد 273

الدرس في شرح كتاب التوحيد 273، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم القضاء والقدر وتوضيح الفرق بينهما

القضاء والقدر مفهومان متصلان يشيران إلى تقدير الله للأمور ووقوع ما قدره. القدر هو التقدير الإلهي في الأزل بينما القضاء هو تحقيق هذا التقدير.

مراتب الإيمان بالقضاء والقدر وأدلتها

الإيمان بالقضاء والقدر يتطلب الإيمان بأربع مراتب أساسية: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق. هذه المراتب تشكل أساس فهم القدر.

تأثير الإيمان بالقضاء والقدر على حياة الإنسان

الإيمان بالقضاء والقدر له تأثير كبير على حياة الإنسان، يمكن أن يكون مصدر قوة أو ضعف حسب كيفية التعامل معه. فهم هذه المراتب يساعد على التعامل الصحيح مع القدر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله فيما كنا فيه من شرح كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، قال -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في منكر القدر. هذا تبويب جديد من أبواب كتاب التوحيد، وهي من الأبواب المهمة التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يرعى لها بالًا واهتمامًا وأهمية، وكيف لا؟ فهي من صميم ديننا ومن أصول عقيدتنا. فقوله -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في منكر القدر، أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب في كتاب التوحيد للمناسبة الظاهرة، إذ أن توحيد العباد لا يقوم إلا على الإيمان بالقضاء والقدر، فالإيمان بالقضاء والقدر من أركان الدين والإيمان الذي يقوم به إيمان الأنام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أن تؤمن بالقدر خيره وشره». والمؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب سيذكر لنا الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا الباب: باب ما جاء في منكري القدر. ومن باب التمهيد لما سيأتي معنا في مسائل الباب، نتطرق إلى أهم المباحث التي نعدها توطئة لهذا الباب المهم من أبواب العقيدة والتوحيد، ألا وهو: أولًا، ما معنى القضاء والقدر؟ يتكرر هذا دائمًا وكثيرًا في مسامعنا، بل وقد حفظها وينبغي أن تحفظ عند أهل الإسلام الصغار والكبار والذكور والإناث: أن تؤمن بالقضاء والقدر، فياترى ما معنى القضاء؟ وما معنى القدر؟ من أهل العلم من جعل أن القضاء والقدر بمعنى واحد، كلاهما وجهان لعملة واحدة، ومن أهل العلم من فرق بينهما. ومن العبارات الشهيرة عند أهل العلم في معنى القضاء والقدر: بأنهما كلمتان إذا اجتمعتا تفرقتا، وإذا تفرقتا اجتمعتا، بمعنى أن القضاء والقدر إذا اجتمعا في اللفظ اختلفا في المعنى، مثل كلمتي الفقير والمسكين، مثل كلمة البر والتقوى، وهكذا جرّ من هذه الكلمات التي إذا اجتمعت في موطن تفرقت في المعاني، وإذا تفرقا في الألفاظ اجتمعتا في المعاني. فنأتي بما يريده العلماء من التعاريف المبسطة والميسرة حتى تفهم. قال العلماء: أن القدر مأخوذ من التقدير، يقال: قدرت شيئًا تقديرًا. ومعنى التقدير في لغة العرب هو: وضع الشيء على نحو ما يريده واضعه، هذا هو التقدير، فلان يقدر الأمور تقديرًا حسيا أو تقديرًا معنويا. فالله -عز وجل- يقدر الأمور، يقدرها متى؟ يقدرها في الأزل، يقدرها في الأزل قبل أن تقع، فالله -عز وجل- قد قدر الأمور كيف ستكون -سبحانه وتعالى-، هذا هو التقدير، وهذا هو معنى القدر. ولهذا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فسر القدر بأنه: قدرة الله، فسر القدر بأنه قدرة الله. وقد استحسن العلماء هذه العبارة من الإمام أحمد، استحسنوها كثيرًا لأنها صحيحة، لأنه بهذا المعنى إذا علمت أن التقدير، وأن القدر بأن الله -عز وجل- قد قدر الأمور في الأزل قبل أن تقع، هذا قدرة -سبحانه وتعالى-، لله -جل وعلا- يظهر فيها قدرة الله وقهر الله على العباد. ولهذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: قال: وقد قال الإمام أحمد: القدر هو قدرة الله، هو قدرة الله، يعني: أن من أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله، يعني: من أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله. وهذا معنى كلام الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، إذن معنى القدر هو: ما قدره الله في الأزل، هذا المعنى المبسط والميسر لكلمة القدر. ثم ننتقل إلى مسألة القضاء، إلى مسألة القضاء، ما معنى القضاء؟ القضاء في لغة العرب يأتي بمعنى الحكم، ويأتي بمعنى الفصل، ويأتي بمعنى قطع الشيء، ويأتي بمعنى القضاء والفراغ من الشيء، هذه كلها تدخل في معنى القضاء. أما في باب الشرع، ما معنى القضاء والقدر؟ القضاء -قال العلماء- هو: أن يقع الذي قدره الله، وقوع الذي قدره الله يسمى قضاء، وقوع الشيء الذي قدره الله -عز وجل- يسمى قضاء. بهذا سنعلم أن معنى القضاء والقدر هي في الحقيقة عبارة عن مقدمة ونتيجة، فالله -عز وجل- يقدر الأشياء في الأزل، هذا قدره، فإذا وقع هذا المقدر في أرض الواقع يقال: هذا قضاء. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «ماض في حكمك، عدل في قضاءك»، أي: ما وقع في مهما كان هو عدل منك -يا رب- لأنه وقع عدل في قضاءك، فدل على أن وقوع المقدر عليك هو يسمى قضاء. وبهذا نعلم أن القدر قبل القضاء. وقد جاء من بعض أهل العلم أنه شبه مسألة القضاء والقدر بمثال ميسر، وهذا في دنيا الناس، مثلها بالخياط، قالوا: الخياط إذا جاء له بقماش فإنه أولًا يقلب هذا القماش، يقدره كيف سيكون؟ هنا سيكون محل الأكمام، هنا سيكون محل الرقبة وهو الجيب، هنا محل الطول، هنا محل العرض، يقدره تقديرًا عامًا، ثم يضعه ثم يبدأ بالقص واللصق والخياطة، هذا صنعه، فأولًا قدر ثم صنع، ولله المثل الأعلى، قدر ثم قضى -سبحانه-، فالله يقدر الأشياء في الأزل، ثم يقوم -سبحانه وتعالى- بإيقاع هذا المقدر في أرض الواقع، في أرض الناس، يسمى حينها قضاء. هذا هو القضاء والقدر، مثاله: مثال آخر، الله -عز وجل- قدر علينا الأشياء قبل وقوعها، الإنسان في بطن أمه يؤمر بكتب ماذا؟ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، هل هذا حصل إلى الآن؟ ما حصل، هذا قدره الله وأنت في بطن أمك، وأنت في بطن أمك ما خرجت إلى الدنيا، هذا قد قدر عليك وأنت في بطن أمك، فإذا خرجت وأصبحت آدمي تمشي بين الناس، فما تجده مما قدر عليك يقال: هذا هو قضاء الله. لهذا تجد حتى في تعبير الناس عندما يقع عند الإنسان شيء يقول: هذا الله قضاه، خلاص الله قدر علي، هذا قدر علي، هذا أي في الأزل، وهذا قضاؤه أي الآن، قضاه الله عليه. فالشاهد إخواني في الله، فمعنى القضاء والقدر هو: أن الإنسان يعلم بأن الله قدر عليه الأشياء في الأزل، فإذا وقعت هذه الأشياء هذا يسمى قضاؤه، إذن خلاصة هذا الباب: باب الإيمان بالقضاء والقدر، فحوى ومؤداه بأن الإنسان عليه أن يعتقد وأن يعلم علم اليقين بأن ما من أمر يقع في كون الله، في الأرض ولا في السماوات ولا في المخلوقات إلا هو بتقدير الله، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، كل شيء ما هناك شيء خرج عن تقدير الله. تأتي مسألة وهي طويلة، لكن اختصرها إجمالًا، وهي من الأمور العظيمة التي ينبغي أن يراعيها ويفهمها كل مسلم في باب القضاء والقدر: أن الإيمان بالقضاء والقدر يكون بالإيمان بأربعة مراتب، أربعة مراتب، الإيمان بها هو الإيمان بالقضاء والقدر، الإنكار لها أو إنكار لبعضها هو جحود وإنكار لباب القضاء والقدر. يا ترى ما هذه المراتب الأربع؟ المرتبة الأولى: مرتبة العلم، تعلم بأن الله عنده العلم الكامل، العلم الشامل، علم الله الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، هذا هو علم الله -عز وجل-، والأدلة قد دلت على هذا، بل قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وقد اتفقت عليه الرسل، أي: علم الله السابق، وقد اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمتهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومن تبعهم ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة. وأدلة العلم كثيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَإِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وفي باب القضاء والقدر عليك أن تعلم أن المقصود بالعلم في باب القضاء والقدر: بأن الله قد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، هذا كله قد حواه علم الله، علم الله ما كان، ما كان قد علمه الله، فمن زعم أن الله ما علم بالأشياء قبل وقوعها فقد جحد بالقدر وجحد بعلم الله. تعلم أن الله قد علم ما كان وعلم الله ما سيكون، فمن زعم أن الله لم يعلم بما سيكون أو كقول بعض الفلاسفة: بأن الله علم بما سيكون من الكليات ولم يعلم بالجزئيات، كل هذا إنكار لعلم الله، فنعتقد بأن الله قد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، قد علمه الله، الشيء الذي ما وقع لو أنه وقع سيعلم الله -عز وجل- كيف سيكون، ولو نهوا لعادوا لما نهوا عنه، سيعلم الله -عز وجل- بما تقول عليه الأعمال، فهذا هو علم الله السابق. ثانيًا: المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، أن الله -عز وجل- قد كتب كل شيء، وهذا في باب القضاء والقدر تؤمن بأن ما من شيء إلا وقد كتبه الله في اللوح المحفوظ، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾، كتابًا، كل شيء قد أحصاه الله وجعله الله -عز وجل- معدى، وهكذا في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، إلا في كتاب، قد كتب الله -عز وجل- علينا كل شيء. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وما نحن فيه الآن وما نحن نعيش عليه وما نحن نسير فيه قد كتبه الله -سبحانه وتعالى-، هذا هو مقام الكتابة. عندي العلم السابق وعندي الكتابة في اللوح المحفوظ، تأتي المرحلة الثالثة وهي: المشيئة، المشيئة، وأن الله -عز وجل- بعدما علم وكتب شاء، شاء أن تقع هذه الأشياء، فلا يقع شيء في كونه إلا بإذنه، ما من شيء ما هناك شيء خرج عن إذنه -سبحانه وتعالى-، من الأفراح من الأحزان من المصائب من الخلق من الأحياء من الأموات من أي شيء، كل شيء يقع بإذنه، ما هناك شيء خرج عن إذنه -سبحانه وتعالى-، فلا رب لنا سواه، فلا رب لنا سواه، فهو الرب لكل شيء كما قال -سبحانه-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، حتى مشيئة العباد مشيئة العباد هي تبع لمشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهذه مرتبة المشيئة. المرتبة الرابعة والأخيرة هي: مرتبة الخلق، بمعنى الإيجاد، فكل ما هو موجود كل ما هو موجود من الأعيان سواء كان في خلق الأرض أو السماوات أو القفار أو البحار، ما كان من أمر الأمطار، ما كان من أمر إيجاد الناس من الأشرار والأبرار والفجار والكفار والفساق وأهل الإيمان، كل ما هو موجود في الكون إنما الله -جل وعلا- هو الذي أوجده، الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق كل شيء، ما هناك أحد ينازع الله في الخلق، ألا له الخلق والأمر، الخلق خلقه والكون كونه، هو الذي أوجد هذه الأشياء. ولهذا يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- مبينًا هذه المرتبة: بأن هذه مما أجمع عليها أهل الإيمان، وحتى قال العلماء: ويدخل في ذلك الصفات، ليس فقط الأعيان هي التي أوجدها الله، بل حتى صفات الأعيان، ويدخل في ذلك أعمال العباد، هي مخلوقة من عند الله، والله خلقكم وما تعملون، أي والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا أن ما مصدرية، فالله خلق العباد وخلق أعمال العباد، فليس الإنسان يخلق شيء كما تدعي مجوس هذه الأمة، ما هناك خالق مع الله لا في كونه ولا في أعمال العباد. هذه المراتب الأربع، أعيدها: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، قسمها العلماء إلى قسمين اثنين، المرتبة الأولى والثانية قبل وقوع المقدر، فالعلم والكتابة قبل أن يقع المقدر، وأما المشيئة والخلق فهي توجد مع أثناء وقوع المقدر، فهي على مرتبتين اثنتين. الشاهد المراتب الأربع قال عنها ابن القيم -رحمه الله-: ومن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر، فمن أنكر علم الله السابق فقد أنكر القدر، من أنكر الكتابة وأن الله ما كتب مقادير العباد فقد أنكر القدر، ومن جحد المشيئة وأن هناك أشياء حصلت ليست بمشيئة الله فقد أنكر القدر، ومن ظن أن هناك خالق مع الله خلق الشر أو خلق أعمال العباد أو خلق شيئًا من الأشياء فقد أنكر القدر. فالعلم لله والكتاب لله والمشيئة لله والخلق لله، كن -يا عبد الله- على دراية بهذه المقامات الأربع لأن الإيمان بالقضاء والقدر يقوم عليها. وهذا -أخواني- في التمهيد لما سيأتي معنا في كتاب التوحيد من هذا الباب الذي بوب عليه المؤلف محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- بقوله: باب ما جاء في منكري القدر. ومن خلال هذا الباب سنعلم كيف التعامل في حياة الإنسان، وكيف أن باب القضاء والقدر نافع جدًا لمن آمن به، وكيف أنه يضرك إذا أنكرته، ونعلم حينها كذلك صور لبعض الناس في إنكارهم لهذا الباب العظيم. أسأل مولانا -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.