الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 25، ألقاها
يشرح المقطع حديث أم سلمة في نزول الله تعالى يوم عرفة، ويبين صحة إسناده ودلالته. يُظهر إقرار السلف الصالح وأمهات المؤمنين بهذه الصفة.
يناقش المقطع سند حديث نزول الله تعالى في ليلة النصف من شعبان، ويبين ضعف السند لعلل ثلاث: ضعف حجاج بن أرطأة، والانقطاع بينه وبين يحيى بن أبي كثير، والانقطاع بين يحيى وعروة بن الزبير.
يشرح المقطع حديث النبي حول نزول الله تعالى في الثلث الأخير من الليل، ويبين دلالة هذا الحديث على إثبات صفة النزول. يوضح طريقة السلف بإثباتها من غير تمثيل وتنزيه الله عن النقص.
يدل سكوت وإقرار الصحابة على صفات الله على إجماعهم على الإيمان بها، ويظهر اتفاقهم على الإقرار بصفات الله المختلفة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله: قال أخبرنا الحاكم وأبو عبد الله الحافظ، قال حدثنا أبو محمد الصيدلاني، قال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال حدثنا أحمد بن صالح المصري، قال حدثنا ابن وهب، أنبأنا مخرم بن بكير عن أبيه. حاء وحاء بمعنى إما تغيير السند وإما بمعنى الحديث، أي اختصار من قولهم الحديث. وأخبرنا الحاكم، قال حدثنا محمد بن يعقوب الأصم واللفظ له، قال حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال حدثنا ابن وهب، عن مخرم بن بكير عن أبيه، قال سمعت محمد بن المنكدر يزعم أنه سمع أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: وأي يوم؟ قالت: يوم عرفة. أولًا من حيث الإسناد، إسناده حسن بل يرتقي إلى أصح الأسناد؛ لأنه مسلسل بالثقات، ورواية مخرمة عن أبيه بكير صحيفة، أي كتاب أخذه من كتاب وهو صحيح، فلا يضره أن كان ما سمع من أبيه منصوصًا على ذلك من بعض أهل العلم؛ لأنه أخذ أحاديث أبيه من كتابه، فأقل أحوالها أنها وجادة، والوجادة معتبرة على الصحيح من أقوال المحدثين رحمهم الله. فالحاصل من هذا أن هذا إسناد مسلسل بالثقات إلى أم سلمة رضي الله عنها، والشاهد منه قوله: «نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا»، ففيه إثبات نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا يوم عرفة. قالت: «أو جاء في الحديث قالوا: وأي يوم؟ قالت: يوم عرفة»، في النسخة الأخرى عندكم قالوا: «ولا»، قالت: في النسخة الأخرى غير النسخة التي عندنا. على كلا المعنيين الصحيح، يعني على القول أنها قالت: يكون من قول أم سلمة تفسيرًا لهذا اليوم، وعلى القول قال: يكون من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث ها هنا أثر، هذا كما ترون أثر، إذن لا إشكال، يعني أنه سمع أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول، فهو موقوف عليها، وعلى هذا يكون من قول أم سلمة فلا إشكال. الشاهد منه أن فيه أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم وأمهات المؤمنين ومنهم أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها زوج النبي صلى الله عليه وسلم يخبرون ويقرون بهذه الصفة، بأن الرب جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا، وهذا كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى من باب الموقوف سندًا الذي له حكم المرفوع، فهو في حكم المرفوع؛ لأن هذه الأشياء أو هذه الأخبار لا تقال من قبيل الرأي والاجتهاد وإنما تقال توقيفًا، فهذا الأثر يكون من حيث السند موقوفًا على أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، ومن حيث الحكم هو في حكم المرفوع. الشاهد منه كما سمعتم إثبات صفة النزول لله رب العالمين جل وعلا يوم عرفة. قال: وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلًا إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر غنم كلب»، «ويكتب الحاج»، «وينزل أرزاق السنة»، «ولا يترك أحدًا إلا غفر له إلا مشركًا أو قاطع رحم أو عاقًا أو مشاحنًا». وهذا الحديث رواه أحمد وغيره، ومعظم أهل العلم يصححه، ومعظمهم يضعفه، وهو الأظهر؛ لأنه من طريق حجاج بن أرطأة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، وحجاج بن أرطأة فيه ضعف، وهو كذلك لم يسمع من يحيى بن أبي كثير، ولا سمع يحيى بن أبي كثير من عروة بن الزبير رضي الله عنهما ورحمهم الله، كما نص على ذلك الإمام البخاري رحمه الله. فالإسناد كما سمعتم فيه علل ثلاث: الإسناد فيه علل ثلاث. العلل الأولى: ضعف حجاج بن أرطأة. الثانية: الانقطاع بين حجاج بن أرطأة ويحيى بن أبي كثير. وانقطاع آخر بين يحيى بن أبي كثير وبين عروة بن زبير، فإسناده ضعيف كما سمعتم. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة، قال حدثنا جدي الإمام ابن خزيمة رحمه الله، قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال حدثنا إسماعيل بن علية، وهو إمام معروف، قال: وحدثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال حدثنا هشام الدستوائي، وحدثنا الزعفراني، قال حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الدستوائي، جميعًا عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي أمية، عن عطاء بن يسار، قال حدثني رفاعة بن رافع الجُهَني، قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية، قال حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني هلال بن أبي أمية، عن عطاء بن يسار، قال حدثني رفاعة بن رافع الجُهَني، قال: «صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فجعلوا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يأذن لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام لا يستأذنون؟ فقال أبو بكر الصديق: إن الذي يستأذنك بعد هذا في نفسك لفيه شيء. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده، أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة. ولقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، وإني لأرجو أن تدخلوها حتى تتبوأوا ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكنكم في الجنة. ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». هذا لفظ حديث الوليد، وهذا الحديث كذلك صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «الصحيحة» و«شيخ العلامة الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». والشاهد منه كما هو ظاهر قوله: «إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى»، وقوله: «أو قال ثلثاه» هذا شك من الراوي، والذي تدل عليه الأحاديث الأخرى الثابتة أنه «إذا مضى ثلثاه»، وهو الموافق لرواية الصحيحين. ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، هذا هو الشاهد إثبات صفة النزول لله رب العالمين جل وعلا على الوجه اللائق بالله جل وعلا. وكما ترون الأحاديث تنوعت واختلفت، والمقامات التي بين فيها نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر مختلفة متنوعة، ولا نجد في حديث من أحاديث أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل: كيف؟ أو سأل: لماذا؟ أو سأل بمعنى ماذا؟ وهذا يدلنا على أن الأحاديث التي كان يحدثهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الرب جل وعلا أنها واضحة جلية، لا استشكال فيها ولا اختلاف ولا اضطراب، فكانوا يفهمونها بعربيتهم وفصاحتهم، ويمرونها كما جاءت من غير تعرض لها بالرد أو بالتأويل أو بالتحريف أو بالتكييف أو بالتمثيل أو بشيء من ذلك، يثبتونها كما أثبتها له رسول الله صلى الله عليه وسلم إثباتًا من غير تمثيل، وينزهون الله جل وعلا عن كل نقص وعيب تنزيهًا من غير تعطيل. هذه طريقة السلف، وهذا يدلنا على أن هذا محل إجماع من السلف. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلامًا كالقاعدة ووضحها وجلاها، كذلك من المتأخرين المعاصرين الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله، فقد سمعناه في مجلس له رحمه الله تعالى في بعض المجالس في الحرم، تكلم على بعض الصفات، ثم قال: وها هنا قاعدة، ذكر كلامًا معناه: ثم قال وها هنا قاعدة، وهي أن كل أحاديث الصفات التي يرويها الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرى فيها شيئًا من الاستشكال من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأنهم يبلغونها كما سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذا دليل على إجماعهم على ما تضمنته تلك الأحاديث، إذ لو كان فيها شيء من الإشكال أو شيء من الخفاء لسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألوه في غيرها من الأحاديث. فدل ذلك على أن سكوتهم وإقرارهم بتلك الصفات أنه محل إيمان وإقرار وإجماع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصفات كغيرها من الصفات، والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.