شرح عقيدة السلف للصابوني 57

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 57، ألقاها

مذهب أهل السنة في الإرادة والقضاء

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في الإرادة الإلهية وعلاقتها بالأعمال العباد، مع التركيز على الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية. يُبين أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد بمشيئته وقدرته.

التمييز بين الإرادتين الكونية والشرعية

يتناول آراء الفرق المختلفة في مسألة الإرادة الإلهية، ويشرح كيف ميز أهل السنة والجماعة بين الإرادة الكونية والشرعية، موضحًا أن كفر الكافر مراد لله إرادة كونية وليس شرعية.

مشيئة الله وإرادته في الكفر والإيمان

يشرح أن الله يشاء كل شيء كونًا وقدرًا، لكنه يرضى الإيمان والطاعة ولا يرضى الكفر والمعصية، مع توضيح أن الكفر والمعصية تقع بمشيئته لكنه لا يحبها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: قال: ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله عز وجل: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. هذه كذلك مسألة من مسائل القضاء والقدر ذكرها الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى تنبيهًا وتنويهًا وتبيينًا لمذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وهي كما ذكر أن جميع أعمال العباد خيرها وشرها إنما يكون بمشيئة الله جل وعلا، لا يخرج شيء عن أن يكون بمشيئة الله جل وعلا، فمن كفر كفر بمشيئة الله جل وعلا، ومن آمن آمن بمشيئة الله جل وعلا، من أطاع بمشيئة الله، ومن عصى بمشيئة الله جل وعلا. وقوله رحمه الله تعالى: أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد، مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، الإرادة ها هنا إرادة كونية؛ لأن الإرادة عند أهل السنة والجماعة تنقسم إلى قسمين كما دلت على ذلك النصوص الشرعية من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إرادة كونية وإرادة شرعية. وضابط الإرادة الشرعية، وضابط الإرادة الكونية: أن الإرادة الكونية واقعة ولا محالة، وهي بمعنى المشيئة، الإرادة الكونية بمعنى المشيئة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإرادة شرعية وهي بمعنى المحبة، إرادة بمعنى أحب، هذه إرادة شرعية، والإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع. والإمام الصابوني رحمه الله تعالى ذكر هذه المسألة تفريعًا عن المسألة السابقة، وتفريعًا كذلك عن مسائل سابقة في أفعال العباد عمومًا من خير أو من شر، هل هي مرادة لله جل وعلاً أم غير مرادة لله جل وعلاً؟ الناس فيها طرفان ووسط، أفعال العباد، أعمال العباد من خير ومن شر، هل هي مرادة لله جل وعلا أم غير مرادة لله جل وعلا؟ الناس فيها كما سمعتم طرفان ووسط. فالقدرية نفاة القدر يقولون: بأنها غير مرادة لله جل وعلا، إذ يقولون: كيف يقال بأن الله جل وعلا مريد للشر ثم يعذب عبده إذا فعل الشر؟ هذا لا يتأتى مع كون الله جل وعلا لا يظلم أحدًا؛ لأن حقيقة الأمر أن هذا هو الظلم، أن يريد منه الشر ثم يعذبه عليه، فنفت القدرية الإرادة مطلقًا، قالوا: العباد يفعلون ما يفعلون بإراداتهم، وليس لله جل وعلا إرادة عليهم. في المقابل الجبرية، الجبرية قالوا: كل ما فعله الله جل وعلا أو كل ما فعله العبد من خير أو من شر فإنه مراد لله جل وعلا محبوب له، الكفر محبوب إلى الله جل وعلا، قالوا: محبوب إلى الله إبليس محبوب إلى الله جل وعلا، قالوا: محبوب إلى الله ما دام أنه موجود فقد أراده الله وأحبه. وهذا القول يناقض قول الله جل وعلا: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ والآيات في ذلك كثيرة في إخبار الله جل وعلا أنه لعن إبليس أصل الشر والعياذ بالله. كيف يقال بأن الله يرضى ويحب الكفر؟ فالجبرية غلت في باب الإثبات القضاء والقدر حتى قالت: بأن الله يريد كل ما وقع، فكل ما وقع فهو مراد لله جل وعلا محبوب له، والقدرية قالت: لا يجوز هذا في حق الله جل وعلا. القدرية في باب الشرع عظموا الشرع، ولكنهم فتحوا على أنفسهم بابًا آخر في باب الربوبية، أثبتوا خالقًا مع الله جل وعلا، والجبرية بالعكس، في باب الربوبية غلوا في الإثبات، وفي باب الشرع ضيعوا باب الشرع تمامًا، والكل زلت قدمه، وسبب ذلك أنهم ما فهموا وما علموا من الإرادة إلا الإرادة الشرعية. القدرية والجبرية الإرادة عندهم نوع واحد، وهي الذي يسميها أهل السنة والجماعة الإرادة الشرعية، يعني القدرية نظروا قالوا: هل يحب الله الكفر؟ لا يحبه، إذن لا يريده، إذن إذا وقع الكفر وقع بغير إرادة الله جل وعلا مطلقًا. الجبرية قالت أيضًا: الإرادة بمعنى المحبة، إذن الكفر إذا وقع قالوا: يريده الله ويحبه، فزلت قدمهم لأنهم لم يميزوا بين الإرادتين، أهل السنة والجماعة لما كانوا أسعد الناس بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبآثار الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان، كانوا أسعد الناس في هذا الباب، إذ قالوا: بأن إرادة الله جل وعلا على قسمين، إرادة شرعية بمعنى المشيئة، وإرادة كونية بمعنى المحبة. فكفر الكافر وفسق الفاسق ومعصية العاصي، هل هي مرادة لله جل وعلا أم غير مرادة؟ أهل السنة والجماعة يجيبون: مرادة لله جل وعلا إرادة كونية، أي أنها وقعت بمشيئة الله، وإرادة الكونية خلافًا لمن خلافًا للقدرية، وليست مرادة لله جل وعلا إرادة شرعية؛ لأن الله جل وعلا لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، خلافًا لمن خلافًا للجبرية. واضح هذا، جماعًا لا يعني إذا توجه إلينا سؤال: هل كفر الكافر معصية العاصي فسق الفاسق مراد لله جل وعلا أو غير مراد لله جل وعلا؟ فالجواب ما هو؟ أن يقال: بأنه مراد لله جل وعلا إرادة كونية، أي أنه وقع ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان بمشيئة الله جل وعلا، إذ لا يقع في الكون إلا ما شاء الله. لذا القاعدة عند أهل سنة الجماعة في هذا الباب: ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، ما شاء كان من خير أو من شر، وما لم يشاء لم يكن من خير أو من شر، فالشر مراد لله جل وعلا إرادة كونية؛ لأنه وقع بمشيئة الله جل وعلا وإرادته الكونية، وليس مرادًا لله جل وعلا إرادة شرعية؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا لا يحب ولا يرضى بالكفر ولا بالفسق ولا بالعصيان، بل حرمها وحذر منها ورتب العقوبات عليها. إذا علم هذا فليعلم كذلك أن الإرادتين الشرعية والكونية قد تجتمعان في الشخص الواحد وقد تفترقان، فتجتمعان في إيمان المؤمن، الإرادة الشرعية والكونية تجتمعان في إيمان المؤمن، مثاله إيمان أبي بكر، وقع بمشيئة الله جل وعلا وإرادة الكونية أم لا؟ نعم، هل يحبه الله جل وعلا أم لا؟ نعم، إذن اجتمعت في إيمان المؤمن مثل أبي بكر رضي الله عنه الإرادتان الكونية والشرعية. كفر الكافر تنفرد فيه الإرادة الكونية دون الإرادة الشرعية، يعني مثل كفر أبي جهل، هل شاءه الله جل وعلا أم لا؟ شاءه الله؛ لأن ما يكون إلا ما شاء الله، هل أحبه الله جل وعلا؟ لا يحبه الله جل وعلا؛ لأن الله لا يحب الكفر. إيمان الكافر، هل يحبه الله جل وعلا أم لا؟ إيمان الكافر هل يحبه الله جل وعلا؟ أراده الله جل وعلا شرعًا أم لا؟ نعم، لذا بعث الله جل وعلا الرسل مبشرين ومنذرين، وما بعثهم إلا لأن الله جل وعلا يحب منهم أن يدعوا أقوامهم إلى الله جل وعلا، فهذا يجيب داعي الله، فها هنا انفردت الإرادة الشرعية عن الكونية. كفر المؤمن، هل يريده الله جل وعلا كونًا؟ الجواب: لا؛ لأنه لم يقع، وهل يحبه الله جل وعلا؟ لا، لماذا؟ لأن الكفر لا يحبه الله ولا يرضاه. فنرجع إلى كلام الشيخ رحمه الله تعالى فنطبق عليه ما تقدم ذكره، قال رحمه الله تعالى: «ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته»، ها هنا اجتمعت إرادة شرعية وكونية، «ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة»، لكن لم يشأ، فلما لم يشأ كانوا فريقين، فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة. قال: «ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس»، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه أي كونًا، وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية؛ لأن الله لا يحبها ولا يرضاها، الكفر المعصية فإن وقعت وقعت بمشيئة الله، وإلا فإن الله جل وعلا لا يحبها ولا يرضاها، قال الله عز وجل: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. نكتفي بهذا القدر، إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على