الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 73، ألقاها
يُشدد على أهمية الحب في الله والبغض في الله كأصل من أصول أهل السنة والجماعة. جاءت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تُدلل على فضل التحاب في الله.
المحبة والبغض في الله هي علاقة متصلة في الدنيا والآخرة، وتتفاوت المحبة بحسب الإيمان والطاعة. يحب المؤمنون من يحبون الله ويبغضون من يبغضونه.
المحبة والبغض في الله تتفاوت بحسب قرب أو بعد الشخص من طاعة الله وامتثال أوامره. الحب في الله يكون على درجات متفاوتة وكذلك البغض في الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: قال الإمام الصابوني رحمه الله: قال «ويتحابون في الله ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله والخصومات فيهم، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات، ويقتدون بسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين». قوله رحمه الله: «ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه»، وهذا أصلٌ أصيل من أصول أهل السنة والجماعة، الحب في الله والبغض في الله جل وعلا، وهو أصلٌ عظيم دلَّت عليه أدلةٌ كثيرة، منها ما جاء عند البزار وغيره من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وجاء كذلك من حديث البراء بن عازب وغيرهما رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»، «أوثق أقوى وأشد عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وجاء في بعض الروايات كما في رواية حديث ابن عباس «والموالاة لله والمعاداة في الله»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله»، فهو أصلٌ عظيم يتميز به أهل السنة والجماعة ويتواصون به، أن الإنسان يحب الإنسان لله رب العالمين جل وعلا لما عليه من الخير، لما عليه من الصلاح، لما عليه من الدين، لا أنه يحبه لأجل دنيا فانية أو لأجل عرضٍ أو غرضٍ منقطع، ولكنه حبٌ في الله ولله رب العالمين جل وعلا. جاء عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح أن أبا إدريس الخولاني رضي الله عنه ورحمه الله، وهو من كبار التابعين من المخضرمين، دخل مسجد الشام، فوجد شابا حسن الثغر، ورأى الناس يأخذون عنه العلم ويصدرون عن أمره، فلما سأل عنه فإذا به معاذ بن جبل، قال: «فلما كان في اليوم الآخر غدوت مبكرا، فإذا به يصلي إلى سارية من سواري المسجد»، قال: «فلما قضى صلاته أتيته فسلمت عليه، ثم قلت له: إني أحبك في الله»، قال: «فأخذ بيدي معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال لي: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: المتحابون في الله في ظل عرش يوم لا ظل إلا ظله» الحديث. وذكر أنه ذهب إلى عبادة بن الصامت فأخبره بما قال معاذ، وأخبره بمثل ما أخبره معاذ، وزاد أن ذكر له فضائل أخرى ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأمر التحاب في الله جل وعلا أمر دل عليه كتاب الله جل وعلا أي على فضله، ودلت عليه كذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ إِلاَ الْمُتَقِينَ﴾، فأهل التقوى لا يكون بينهم عداوة في الدنيا، ولا يكون بينهم عداوة في الآخرة؛ لأنهم يجتمعون في الله جل وعلا ولأجل الله جل وعلا، فلا تنقطع تلك العلاقة؛ لأنها علاقة موصولة بالله رب العالمين جل وعلا، فهي متصلة متصلة في الدنيا، وكذلك متصلة في الآخرة. والعكس بالعكس، العكس بالعكس في حبهم لله جل وعلا، في حبهم من يحبون في الله ولأجل الله جل وعلا، يحبون أهل الطاعة، يحبون أهل الاستقامة، يحبون أهل العلم، يحبون أهل الصلاح أهل الخير؛ لما هم عليه من الخير والصلاح حبا لله جل وعلا؛ لأنهم رأوا أن هؤلاء قاموا بأمر الله جل وعلا، وامتثلوا أمر الله جل وعلا، فعلموا أن هؤلاء ممن يدخلون في أولياء الله جل وعلا، فكانوا يحبونهم حبا لله جل وعلا، وإجلالا لله جل وعلا، فكانت محبتهم متصلة، وكانت محبتهم عبادة من العبادات الجليلة التي ثمرتها أنها تستمر في الدنيا ولا تنقطع في الآخرة، وتكون سببا من أسباب الأمن من الفزع، وسببا من الأسباب أن يكون العبد تحت ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله. قال: «ويتباغضون فيه»، لما تقدم في حديث ابن عباس والبراء «الحب في الله والبغض في الله»، أي يبغضون من يبغضون لأجل الله جل وعلا؛ لما هو عليه من البعد عن الله جل وعلا، لفسوقه، لإجرامه، لفجوره، لكفره، لشرك بالله جل وعلا، هذا أوثق أوثق عرى الإيمان، ولو كان أخا له، ولو كان أبا له، ولو كان ابنا له، ولو كانت عشيرة له، الأمر والمقياس طاعة الله جل وعلا، فمن أطاع الله فهو المحبوب وهو المقرب، ومن عصى الله تبارك وتعالى فهو المبغوض وهو المبعد كائنا من كان. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، الآية، الشاهد منها: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي إيمانا كاملا، إيمانا صادقا، إيمانا نافعا، إيمانا يستحق المدح، إلا من كان هذا حاله لا يواد من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، ولو كانوا أبناءهم، ولو كانوا إخوانهم، ولو كانوا عشيرة لهم؛ لأنهم حادوا الله ورسوله، ومفهوم الآية العكس بالعكس، أن من أطاع الله وأحب الله وعظم الله وأجل الله، ولو كان بعيدا، فإنه المحبوب، وكذلك هو المحترم، هو المحبوب وهو المحترم. إذن الميزان الشرعي محبة الله تبارك وتعالى، فمن أحبه الله، ومن أحب الله يحب على قدر طاعته، ومن أعصى الله تبارك وتعالى فإنه يبغض على قدر معصيته وعلى قدر بعده عن الله جل وعلا، لذا أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الحب يتفاوت من شخص لآخر، أي الحب الديني يتفاضل ويفترق من شخص لآخر، فمن كان ذا إيمان عظيم ونفع واسع للأمة كان حبه أعظم، كان حبه أعظم. فنحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحبه فوق محبة النفس والمال والولد، لماذا؟ لأنه هو الذروة العليا في طاعة الله جل وعلا، وفي إقامة دين الله جل وعلا، بل كل خير في المسلمين وللمسلمين فهو السبب الذي جعله الله تبارك وتعالى سببا في إيصال ذلك الخير إلينا، لذا كانت محبته صلى الله عليه وسلم فوق محبة كل شيء، فوق محبة كل شيء، صلوات الله وسلامه عليه. ثم محبة الأفضل فالأفضل، فمحبة أبي بكر الصديق ليس كمحبة من دونه، وهكذا الصحابة الكرام يحبون على ما بذلوا من النصرة، ما بذلوا من الخير من إبلاغ هذا الدين، من نصرة هذا الدين، ما لا يحب من دونهم، وهكذا من دونهم لهم من المحبة والإجلال محبة عظيمة، لكن ليست كمحبة الصحابة، وهكذا هم أفضل ممن بعدهم، وهكذا باعتبار المجموع والكل، وباعتبار الأفراد، فالعلماء الأئمة الذين نفع الله جل وعلا بعلمهم وخيرهم نفعا عظيما يحبون على قدر النفع والمحبة والإيمان والسنة والاستقامة والخير، ومن كان دونهم فدونهم، ومن كان دونهم فدونهم، هذا هو المعيار، وهذا هو الميزان في المحبة التي تكون لأجل الله جل وعلا. وكذلك البغض، البغض الذي يكون لله جل وعلا وفي الله جل وعلا يتفاوت، فبغض الكافر، بغض المشرك بالله جل وعلا ليس كبغض الفاسق المتلين، الفاسق المتلين لا يبغض كبغض الكافر؛ لأنه عنده أصل الإيمان، وأصل المودة، أصل المودة موجودة، ولكن يبغض بسبب ما هو عليه من المعاصي، من الفسق، من الفجور، ولكن ذلك البغض لا يكون كبغض الكافر، الكافر يبغض مطلقا جملة وتفصيلا، الكافر المشرك يبغض جملة وتفصيلا؛ لأنه كافر محاد لله جل وعلا، محاد لدين الله جل وعلا، هذا يبغض جملة وتفصيلا، والكفار كذلك في بغضهم بعضهم أشد بغضا من بعض الذين يكونون رؤوسا في الكفر والشر والضلال دون غيرهم، مع أن الكل يبغض. فمثلا أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مات على الشرك، فهو يبغض؛ لأنه مات على الشرك ومات مشركا، لكن البغض لأبي جهل ومن كان على شاكلته من صناديد الكفر والشرك بالله جل وعلا يكون أشد أشد من كفر من دونهم، وهكذا كذلك الفساق، البغض لهم متفاوت، كما أنه ليس كبغض الكافر كذلك يتفاوت ومن شخص إلى آخر، فمن كان عنده شيء من المعاصي يبغض بحسب ما عنده من المعاصي، ومن كانت عنده كبائر يبغض أشد، وهكذا. قل في مثل هؤلاء من أهل المعاصي، وأشد من ذلك أي أشد من الفساقة الذين فسقهم بسبب الشهوات، الفساقة الذين فسقهم بسبب الشبهات، أي أهل الأهواء والبدع، فأهل الأهواء والبدع يبغضون لما هم عليه من البدع، لما هم عليه من مخالفات لدين الله جل وعلا، لإدخالهم في دين الله جل وعلا ما ليس منه، فهؤلاء يدخلون ولهم نصيب من قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، لهم نصيب من هذا؛ باعتبار ما وقعوا فيه من مخالفة، من محادة لدين الله جل وعلا، ولكتاب الله جل وعلا، من كان متأولا فهو متأول، ومن كان متعمدا فهو متعمد، ولكل واحد منهم مقام يستحقه، ولكل واحد منهم مقام يستحقه. فإذا من عقيدة أهل السنة والجماعة الحب في الله جل وعلا والبغض في الله جل وعلا، والحب في الله جل وعلا يتفاوت، وكذا البغض في الله جل وعلا يتفاوت، والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.