التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام  1

التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 1

الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة الدرس وتعريف بالكتاب

يبدأ الدرس بتعريف بكتاب حقيقة الصيام لابن تيمية وأهميته، مع توضيح منهج الدراسة. يُقرأ مقدمة الكتاب ويُعلق عليها.

المفطرات وأدلتها من القرآن والسنة

يناقش المفطرات الثلاثة الرئيسية وهي الأكل والشرب والجماع، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع العلماء.

معنى الصيام وحقيقته الشرعية

يشرح معنى الصيام وأحكامه، ويفرق بين صيام المسلمين وصيام أهل الجاهلية من حيث التقوى والنية.

ختام الدرس والدعاء وتهيئة للدرس القادم

يُنهي الدرس بالدعاء ويعلن عن الدرس القادم، ويطلب من الحضور إرسال أسئلتهم مسبقًا.

التفريغ النصي الكامل

يصرح إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. التعليق لفضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو المجلس الأول والدرس الأول من مجالسنا في قراءة كتب أهل العلم. وفي هذا الكتاب "حقيقة الصيام" لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، مع تعليق شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، على هذه الرسالة العظيمة. أولًا، طريقة هذا الدرس هي عبارة عن القراءة في أصل الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، "حقيقة الصيام"، وهي رسالة عظيمة نافعة، خصوصًا لمن عرف طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في جمعه للأقوال وتحقيقه لها، وترجيحه في معرفة وتوضيح الراجح منها، وغير ذلك من طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، البديعة الدقيقة المعروفة، التي عرفه بها أهل العلم قديمًا وحديثًا. فهذه الرسالة على صغر حجمها، رسالة عظيمة نافعة، مليئة بالفوائد والفرائد الفقهية والحديثية وغيرها، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهذه طريقة شيخ الإسلام، وليست بغريبة عنه، رحمه الله، رحمة واسعة. وزاد تعليق شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، هذا الإمام الفقيه الأصولي المعروف، هذا الحسن حسنًا، وهذه الفوائد زيادة تتم في الخير والفائدة. والطريقة هي أننا نقرأ في الأصل، ونمر على ما يظن أنه مهم يحتاج الوقوف عليه والتنبيه عليه والاستفادة منه، مما ذكره شيخنا، رحمه الله تعالى، في التعليق. ولأجل ألا نطيل في الكتاب، والمقصود هو حصول الفائدة، فنبقى على الأصل، ونمر على التعليق بما تيسر، إن شاء الله تعالى. أصل الكتاب هو لشيخ الإسلام ابن تيمية، الإمام المعروف تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام ابن تيمية النميري الحراني الدمشقي، رحمه الله، رحمة واسعة، أحد الأئمة الأعلام المعروفين المشهورين، صاحب المؤلفات التي نفع الله عز وجل بها الإسلام والمسلمين نفعًا عظيمًا، ليس فقط بالحجة والبرهان، بل وكذلك بما بذله من نفسه ووقته بالسيف والسنان. وتاريخه مع التتار وغيرهم في ذلك شيء مبسوط معروف، ذكره العلماء في كتب التاريخ والتراجم وغيرها. وهكذا دفاعه عن أهل الحق، أهل الحديث، أهل السنة، ومدافعته لأهل الباطل على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وطرقهم. ولا أدل على ذلك موته، رحمه الله، محبوسًا في السجن في سجن القلعة المشهور في دمشق. وقد توفي رحمه الله سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة، في شهر ذي القعدة، في ليلة الاثنين من ذلك الشهر، كما ذكر العلماء في ترجمته، رحمه الله، رحمة واسعة. ومن عجيب أمر هذا الإمام الجهد، رحمه الله، رحمة واسعة، أن أكثر مؤلفاته كانت إما في سجن أو في سفر، وكانت أكثرها من حفظه. ويدل كذلك على سعة علمه، ولهذا شهد له الأعداء، فضلًا عن أحبته والأصدقاء، بأنه من نوادر هذا العالم علمًا وعملًا، وغير ذلك مما جمع الله له من الفضائل. بل حتى الكفار، وهم على كفرهم، شهدوا بجلالة هذا الإمام، رحمه الله، رحمة واسعة. وأما هذا الكتاب "حقيقة الصيام"، فهو كعنوانه، يدلك بما فيه من مسائل عديدة وتحقيقات دقيقة على إفصاح حقيقة الصيام الذي تعبد الله عز وجل به أهل الإسلام، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وقوله في أول هذا الكتاب، عنوانه "حقيقة الصيام"، هذا مضاف مضاف إليه، والمراد بالحقيقة الكنه الصحيح المقصود والمعنى. وفي هذه الرسالة توضيح كنه الصيام والمقصود منه، كما سيأتي معنا إن شاء الله. والصيام، كما سيأتي إن شاء الله، تفسيره وتوضيحه لغة هو الإمساك، وفي اصطلاح أهل العلم، وبما دلت عليه الأدلة الشرعية، هو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من الطعام والشراب والجماع وما يلحق به، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في أول هذه الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا. ابتدأ المؤلف، رحمه الله تعالى، كما نرى هذه الرسالة بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله، إذ افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم. وهكذا أيضًا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كتاباته ببسم الله الرحمن الرحيم، بل هي سنة الأنبياء والمرسلين، كما أخبر الله عز وجل عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ولهذا جرى عمل أهل العلم من التأدب بأدب العلم، والسير بسير القرآن والسنة، وما كان عليه الأنبياء، وما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وسلف الأمة، أن تفتتح الكتابات والكتب ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم ثنى، رحمه الله، بالاستفتاح بهذه الحمد لله، مع الشهادة، وهي تسمى في اصطلاح أهل العلم "خطبة الحاجة"، أي خطبة يتقدم بها الخطيب بين يدي خطبته، يسأل بها حاجته من الله سبحانه وتعالى في حصول المقصود من هذه الخطبة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبته بهذه الخطبة التي سميت في اصطلاح أهل العلم بخطبة الحاجة. وقد رواها عدد من أهل العلم في كتب الحديث، فقد جاءت من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، رواية. وهكذا له رواية أوسع عند النسائي بإسناد صحيح، وله طرق كثيرة. وقد جمعت في رسالة جمعها شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وحققها وعلق عليها العلامة الألباني، رحمه الله، رحمة واسعة، سماها "خطبة الحاجة"، وهي رسالة عظيمة نافعة مفيدة، فيها فوائد وفرائد كثيرة، كعادة شيخ الإسلام، رحمه الله، في كتبه. وأتمها الشيخ الألباني، رحمه الله، بتحقيقات وتدقيقات مفيدة نافعة. وينبغي لطالب العلم أن يقف عليها، وأن يقرأها، وأن يمر على ما فيها من فوائد ودقائق نافعة مفيدة. ومعنى خطبة الحاجة الالتجاء إلى الله عز وجل بالثناء عليه بما هو أهله، والاستعانة به سبحانه وتعالى بعد استغفاره، والتعوذ من شرور النفس وسيئات العمل، والالتجاء إليه وحده جل وعلا، فإنه هو وحده الذي يهدي ويضل، فلذلك نحن نلتجئ إليه جل وعلا. والشهادة له بالوحدانية وأنه لا شريك له، والشهادة لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية والرسالة، وتقديم مقام العبودية على الرسالة لا يخفى علينا ما فيه من الحفاظ على جناب التوحيد، مع ما فيه كذلك من التنبيه إلى أهمية الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم التي ختم بها ربنا سبحانه وتعالى الرسالات والأديان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد وردت، كما مر معنا، روايات كثيرة في بيان خطبة الحاجة والفاضلها. وفي الرسالة السابقة الذكر لمن قرأها وتأمل فيها ما يفيد الطالب وما يحتاجه في هذا الباب، فينبغي مراجعتها والرجوع إليها. ثم قال، رحمه الله تعالى: فصل. أي الفصل في طريقة واصطلاح أهل العلم، فاصل يوضع بين شيء وشيء. وفي الغالب يوضع بين ثنايا المسائل والمباحث العلمية، فقد يؤتى بالباب في الكتاب، ثم الباب، ثم الفصل داخل الباب. وها هنا كأنه أراد، رحمه الله، أن يبين هذا المبحث ها هنا منفصلًا، كما سيأتي فيما يتعلق بتوضيح مسائل ما يفطر فيه الصائم، والله أعلم. فقوله، رحمه الله تعالى: فصل، كما تقدم، يريد أن يبين، رحمه الله، ما سبق من ذكر مسائل معينة أو مسألة معينة في هذا الموضع. والمسألة المشار إليها هنا هو ما ذكره بقوله فيما يفطر الصائم وما لا يفطره، أي ما هي الأشياء التي تفطر الصائم، وما هي الأشياء التي لا تفطر الصائم. ثم قال، رحمه الله تعالى: وهذا نوعان، منه ما يفطر بالنص والإجماع، وهو الأكل والشرب والجماع. قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. قال: فأذن في المباشرة، فعقل من ذلك أن المراد الصيام من المباشرة، والأذا لما قال أولًا: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، كان معقولًا عندهم أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع. يشير بهذا، رحمه الله، أولًا إلى أن المفطرات تنقسم باعتبارات كثيرة إلى أقسام. وبأحد هذه الاعتبارات ما أشار إليه المؤلف، رحمه الله، هنا، باعتبار ما ثبت على وجه اليقين وما فيه خلاف. فما ثبت على وجه اليقين هو ما ثبت بالنص والإجماع. أي بالنص الواضح المتفق على مدلوله. وذكر في هذا النوع أنه ثلاثة أشياء: الأكل والشرب والجماع. واستدل بالآية، ووضح وبيّن، رحمه الله، ما وجه الدلالة في الآية. وذلك أنه ذكر الأكل والشرب والمباشرة في هذه الآية، فدل على أن الأكل والشرب والمباشرة - والمراد بالمباشرة ها هنا هو الجماع، كما بيّن أهل التفسير واللغة، وتفسره السنة، وآيات أخرى في كتاب الله عز وجل - وهذا من أدب القرآن، لا يذكر الجماع بلفظه الصريح، بل يذكره بلفظ المباشرة أو المس، ونحو ذلك من الألفاظ اللطيفة التي تدل على رفعة ألفاظ القرآن والأدب فيه. فأشار، رحمه الله، هنا إلى أن ذكر المباشرة في هذه الآية لم يكن عبثًا، بل لمعنى. وهذا المعنى أنه مفطر من المفطرات. وذلك لأنه قال: كما قال، رحمه الله: فعقل من ذلك أن المراد الصيام من المباشرة، يعني لما ذكر المباشرة: فالآن باشر، يعني أنه أحد المفطرات الثلاث، أحد المفطرات الثلاث. وأكد ذلك حين قال في أول الآية: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، في أول آيات الصيام في سورة البقرة، آية ثلاث وثمانين ومائة. وفي هذه الآية سبع وثمانين ومائة، قال: فالآن باشروه وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا حتى يتبين ... معناه إذا دخل وقت الفطر أو الإفطار. وهذا يدل على أن المباشرة في وقت الصيام من الممنوع، مثله مثل الأكل والشرب. ويدل عليه حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فدل على أن هذه هي الثلاث المفطرات بالنص، نص الكتاب، ونص السنة، كما في حديث أبي هريرة المشار إليه في الصحيحين، والإجماع على ذلك. ثم قال، رحمه الله: ولفظ الصيام كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية. يشير بهذا أن معنى الصيام بمدلوله الاصطلاحي، مدلوله اللغوي، هو الإمساك. وفي الاصطلاح هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، أو الشهوة، أو الشهوة، سواء أكان ذلك الإنزال بجماع أو كان بغير جماع، لحديث أبي هريرة: فإن السنة تفسر القرآن: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فلا يجوز للصائم أن يخرج شهوته، أي ماء، لا بجماع ولا بغيره. وسيأتي معنا إن شاء الله تفاصيل بعض المسائل في هذه المعاني الثلاثة: الأكل والشرب والجماع، التي هي المفطرات المتفق عليها بالنص والإجماع. وأشار هنا إلى أن هذا المعنى، كما دل عليه الشرع، هو كذلك عند العرب في الجاهلية، لأنهم كانوا يعرفون الصيام ويستعملونه. والقرآن نزل بلغتهم. واستدل بحديث عائشة في الصحيحين: أن يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية. وهذا الصيام الذي فعله الصحابة في أول الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من يصومه، وصاموه قبل الهجرة وبعد الهجرة، فلما فرض الله عز وجل صيام رمضان، ترك صيامه، أي على وجه الوجوب، وصار نفلًا، وصار نفلًا. وفي هذا الباب أحاديث كثيرة، أي أحاديث صيام يوم عاشوراء. قال، رحمه الله: وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان، أمر بصوم يوم عاشوراء، وأرسل مناديًا ينادي بصومه. فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفًا عندهم، أي مسمى ماذا؟ مسمى الصيام. وأشار إلى حديث عائشة، وجاء في صيام يوم عاشوراء أحاديث كثيرة. والمقصود من هذا أنه يشير، رحمه الله، إلى أن معنى الصيام يدخل فيه الأكل والشراب والجماع. وقد مر معنا أن الصيام لغة هو الإمساك، وفي الاصطلاح - على الصحيح - بما تدل عليه عمومات النصوص الشرعية: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الأكل والشراب والجماع، أو قل: والشهوة، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. هذا هو معنى الصيام. وفي هذا المقطع أشار شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، إلى عدة مسائل. المسألة الأولى: أشار، رحمه الله، إلى أن معنى الصيام ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب فقط، بل ينبغي أن يضاف التعبد لله، لماذا؟ لأن الصيام عبادة، فلكونه عبادة يحتاج أن يضاف لفظ التعبد لله، وإلا لم يصر من الصيام معنى التعبد الذي قصد به. وأشار، رحمه الله تعالى، كذلك في هذا المقطع وهذه الفقرة إلى أن الصيام كان معروفًا في الجاهلية، ولكن الفرق بين صيام أهل الإسلام وأهل الجاهلية: أن من حكم صيام أهل الإسلام تقوى الله عز وجل، وغير ذلك من الحكم الأخرى التي دلت عليها النصوص الشرعية، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة. بل بعضها دل عليه نص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فمن أعظم حكم الصيام تقوى الله عز وجل، كما أشار إليه الشيخ، رحمه الله، في هذا الموضع، ودلت عليه النصوص الكثيرة، منها الآية المشار إليها. وهكذا أيضًا من حكم الصيام أنه سبب لحصول الأجر العظيم، فأجزل الله عز وجل واختص أجر الصيام لعظيم ذلك الفضل، ولم يذكره. فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ضعاف كثيرة، إلا الصيام، فإنه كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «لي وأنا أجزي به». فإنه لي وأنا أجزي به. ومن فضائله ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهو سبب لمغفرة الذنوب. وهكذا من فضائله أنه سبب لطهرة القلوب وتزكيتها. ولهذا جاء في الحديث الآخر، كما جاء في حديث أبي هريرة كذلك: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». والمعنى أنه لا فائدة من الصيام إذا لم ينه الصيام عن السوء وعن الفحش، لأن هذا هو من أعظم مقاصد الصيام، وغير ذلك من المقاصد الأخرى. وقد أشار الشيخ، رحمه الله، في الشرح إلى بعض هذه المقاصد، كالصبر والتحمل والتقوى وكثرة الطاعات، وكل هذا من معنى تهذيب النفس وتزكيتها. فالنفس تتهذب وتتزكى وتربى بهذه الشعيرة العظيمة، وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام. ثم قال، رحمه الله تعالى: وكذلك ثبت بالسنة أن دم الحيض ينافي الصوم، فلا تصوم الحائض، لكن تقضي الصيام. ومعناه أن من المفطرات دم الحيض، بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرها من الأحاديث الأخرى، وباتفاق المسلمين، أي لم يخالف في ذلك إلا من شذ كالخوارج. وأشار الشيخ، رحمه الله، إلى فائدة في الشرح، في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] إلى آخر الآية. وهذه فائدة كما يقال: جانبية، مع ما دلت من مسائل الصيام التي أشار إليها شيخ الإسلام، وسبقت الإشارة والكلام عليها. أنها كذلك فيها في هذه الفائدة الجانبية، وهي أن المقصود من المباشرة ليس هو قضاء الوطر فقط، ولكن ينبغي أن يكون معه ابتغاء ما كتب الله لأهل الإسلام، وهو من مقاصد قضاء الوطر والمباشرة فينبغي احتساب هذا المعنى. هذا هو الذي أراد أن يشير إليه الشيخ، رحمه الله. وكثير من الناس يغفل عن هذا المعنى، وينبغي أن يحتسب أن يحتسب المسلم مباشرته أنه طاعة وقربة، وسبب العفة بالحلال عن الحرام، مع كذلك ابتغاء ما كتب الله لك من هذا المباح، وهذا الحلال الذي أحله الله سبحانه وتعالى لك. قال شيخ الإسلام: وثبت بالسنة أيضًا، من حديث لقيط بن صبرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». فدل على أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم، وهو قول جماهير العلماء. هذه مسألة أخرى، نقف إن شاء الله هنا، ونتركها مع ما سيأتي من مسائل، لأنه سيذكرها هنا مسألة دخول المفطر من غير مدخله. فإذا دخل الماء من الأنف لا من الفم، هل يفطر؟ أشار بهذا الحديث، وهو حديث حسن، بمجموع طرقه. وقد ذكره الشيخ الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه، وحسنه. وهكذا الشيخ مقبل، رحمه الله، في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». والمقصود أن فيه كراهة الاستنشاق، وفيه كذلك الإشارة إلى أن المبالغة بالاستنشاق، وتعمد ذلك قد يفطر. وفي هذا إشارة إلى أن دخول المفطر من غير مدخله، إذا دخل على الوجه الذي يكون به الإفطار، يكون مفطرًا، كالماء من الأنف. والأكل والشرب وما كان بمعناه، إذا دخل من جهة الأنف، فهو مفطر من المفطرات، كما يفعل مع المريض إذا حصل له شيء، فإنه قد يدخل له الشراب أو ما هو بمعنى الطعام من الأنف، فيكون مفطرًا. وهذا مفطر من المفطرات. وسيأتي إن شاء الله الكلام على ما يلحق ويتبع في الدرس اللاحق. نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وإن شاء الله نلتقي في الدرس اللاحق في يوم غد. على أن تكون الأسئلة تأتي من قبل حتى يجاب عنها بعد الدرس، إن شاء الله. طيب، إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.