أخلاق حملة القران للإمام الآجري 2

أخلاق حملة القران للإمام الآجري 2

المحاضرة بعنوان أخلاق حملة القران للإمام الآجري 2، مجلس علمي والذي كان بجامع التوحيد بمدينة تريم بحضرموت يوم الاثنين من بعد صلاة العصر إلى بعد صلاة العشاء 12 محرم 1447هـ الموافق 7 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أخلاق حملة القرآن في الصلة والمصاحبة والعبادة والجهاد

يستعرض المقطع أخلاق حامل القرآن في بر الوالدين وصلة الرحم وحسن مصاحبة المؤمنين بالرفق والعلم، مع التأكيد على أداء العبادات على بصيرة والجهاد بالعلم لا بالجهل محذراً من عواقب الجهل كفعل الخوارج. كما يبين أن الالتزام بآداب القرآن والسنة في السراء والضراء هو علامة الصدق في حمل كتاب الله.

محاسبة النفس وحمل القرآن طريقاً لإصلاح الدنيا والآخرة

يؤكد المقطع على وجوب جعل العلم والفقه دليلاً في كل تصرف، ومحاسبة النفس على التقصير مستحضراً أهوال النار وندم المعذبين. ويوضح أن الغاية من القراءة ليست الختم بل إصلاح النفس والاستعداد للقاء الله، محذراً من نسيان الله المفضي إلى نسيان النفس والوقوع في الفسوق.

فضل تلاوة القرآن والعمل به وأثره في الفوز بالجنة

يبيّن المقطع أن الفوز الحقيقي هو النجاة من النار ودخول الجنة، وعلى المؤمن عرض نفسه على القرآن كمرآة يصلح بها عمله. ويبرز فضيلة من قرأ القرآن وعمل به حيث ينال أجراً عظيماً ويكون شفيعاً له وينفع والديه، محذراً من القراءة لغير وجه الله كطلب الدنيا أو الجدل.

آفات قراءة القرآن للدنيا والجدل وعلامات الإعراض عن التدبر

يصف النص صفات من يحفظ القرآن طلباً للدنيا أو جدلاً كإتقان الحروف مع إضاعة الحدود والتكبر على الفقراء وغياب الخشوع، دالاً على فساد النية. كما يسرد علامات المعرض عن التدبر: عدم الخشوع عند السماع، والانغماس في الدنيا، وإضاعة حقوق الله، والغفلة عن الوعد والوعيد مع الاقتصار على الشكل الظاهري للتلاوة.

التفريغ النصي الكامل

صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فتتمة لما بدأنا به من قراءة هذه الرسالة المباركة النافعة "أخلاق حملة القرآن" للإمام الآجري رحمه الله. قال رحمه الله في ذكر أخلاق حملة القرآن: يصل الرحم ويكره القطيعة. أي أن حامل القرآن يصل أرحامه عملا بما أمر الله جل وعلا به، ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾، ويكره القطيعة، أي قطيعة الرحم، لأنها كبيرة من كبائر الذنوب. ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾. من قطعه لم يقطعه، أي أنه يحسن الصلة، يحسن صلة الرحم، من قطعه فإنه يصله ولا يقطعه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها». حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو في البخاري. أي ليست الصلة بالمكافأة، من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته، لا. حقيقة الصلة أنك تصل من قطعك، وتحسن إلى من أساء إليك. قال الرجل: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسؤون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. قال: «لئن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل، ولا يزال عليك من الله ظهير ما دمت على ذلك». رواه مسلم. هذه حقيقة الصلة، أنك تصل من قطعك، أنت تريد ما عند الله سبحانه وتعالى، ما تريد المكافأة والمقابلة، قابلة العمل بمثله. قال: ومن عصى الله فيه أطاع الله فيه. من عصى الله فيه أطاع الله فيه، ما يعامله بمثل معاملته، ولا يعصي الله فيه كما أنه عصى الله فيه، لا. ويخاف الله، يريد الأجر والثواب من الله. يصحب المؤمنين بعلم ويجالسهم بعلم. من صاحبه نفعه، حسن المجالسة، يتأدب بآداب المصاحبة. فإن صاحب المؤمنين صاحبهم بعلم، وإن جالسهم جالسهم بعلم. عنده آداب المصاحبة وآداب الجلوس وآداب كذلك التعامل مع الأصحاب، وهو كثيرا نفع من صحبه، نفعه، ما يؤذيه ولا يضره، بل ينفعه. وهذا خير الصاحب، خير الصاحب الذي تنتفع بصحبته وتنتفع بمجالسته، وتكون مباركا أينما كنت، كما قال الله عز وجل في عيسى عليه السلام: ﴿ وَاجْعَلْنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾. أينما كنت فأنا مبارك في نفع وخير. وهكذا حامل القرآن، أينما جلس انتفع الناس منه. إن علم غيره ورفق به، يكون عنده رفق في التعليم. ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. وهذا الأصل في الدعوة والعلم، الرفق واللين. قال الله عز وجل لموسى عليه السلام وهو هارون حين أرسلهما إلى فرعون الطاغية: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾. لا يعنف من أخطأ، ولا يخجله. ما يعنف الطالب إذا أخطأ، فيقول: أنت ما تفهم، أنت ما تعقل، أنت ما عندك حفظ، أنت ما عندك كذا، ولا يخجله أمام أصحابه: أنت بليد، أنت كذا، أنت غبي. لا، يرفق به، بل يشجعه: لا بأس، أخطأت المرة هذه، أصلح الخطأ، وكن أحسن من غيرك. تشجعه، رفيق في أموره، صبور على تعليم الخير. لأن تعليم العلم يحتاج إلى صبر، كون الإنسان يحبس نفسه لتعليم إخوانه، هذا يحتاج إلى صبر. كم من عنده علم لا يصبر على بث العلم، ما يصبر على بث العلم، وربما تشغله دنياه عن ذلك. فالجلوس لتعليم العلم يحتاج إلى صبر، كما أن العلم يحتاج إلى صبر في تلقيه، كذلك يحتاج إلى صبر في بثه وتعليمه. فحامل القرآن يصبر على تعليم العلم. قال: يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس. لماذا؟ لحسن أخلاقه، لما عنده من اللين والرفق وحسن الصحبة والمجالسة. فمن جلس إليه أنس به وفرح بمجالسته، مجالسته تفيد خيرا. مؤدب لمن جالسه بآداب القرآن والسنة، لأنه أدب نفسه بآداب القرآن والسنة، فهو يؤدب غيره بهذه الآداب. إن أصيب بمصيبة فالقرآن والسنة له مؤدبان. إذا أصابته مصيبة فهو يتأدب بآداب القرآن والسنة، يرد الأمر إلى الله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، «اللهم اخلفني في مصيبتي هذه واخلف لي خيرا منها». هكذا يكون متأدبا بآداب القرآن والسنة. يحزن بعلم، ويبكي بعلم. نعم، إن حزن يحزن بعلم، شيء استحق الحزن، حزن. وإذا حزن حزنه بعلم، ما يكون حزنه بجهل، ما يتضجر ولا يتسخط، ولا يشق الجيوب، ولا يضرب الخدود، ولا ينثر الشعر، كما يفعل أهل الجاهلية. لا، يحزن بعلم، تدمع عينه، يحزن قلبه، ولا يقول إلا ما يرضي ربه. قال: ويصبر بعلم، ويتطهر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم، ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم، ويحج بعلم. فجميع عباداته وطاعاته قائمة على العلم، قائمة على العلم، لا على الجهل. فهو يحرص على العمل بالعلم في جميع أمور دينه، في جميع أمور دينه. قال: ويجاهد بعلم. كذلك إذا جاهد جاهد بعلم، ما يجاهد بجهل، ما يحمل السلاح وما عنده أدب السلاح وأحكام السلاح. لأنه إذا فعل ذلك بجهل أفسد أكثر مما يصلح، أفسد أكثر مما يصلح. وكما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح». من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وهذا الواقع، وخاصة في باب الجهاد، في باب الجهاد، لأن فيه سفك الدماء وانتهاك الأعراض. انظروا يا خوارج، لما حملوا السلاح بجهل، كيف تجرؤوا على دماء المسلمين، سفكوا دماء المسلمين واستحلوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم، والسبب الجهل والهوى. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم في وصفهم: «إنهم يظهر في آخر الزمان أقوام حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». يقرؤون القرآن، عندهم حفظ وطلاوة وقراءة وصلاة، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يعني ما يفقه شيء من القرآن إلا قراءته، لا يجاوز القرآن أفواههم وأصواتهم. «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم»، أهل عبادة وطاعة. «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم». وقال: «إذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم». انظروا كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بهذه الأوصاف، ولهذا استحلوا دماء المسلمين وأفسدوا أكثر مما يصلحوا، وزعموا أن هذا جهاد. جهاد يقتلون الأبرياء من المسلمين، ويقولون جهاد. يقتلون النساء والصبيان، يفجر الواحد نفسه بين المسلمين، ويقول هذا جهاد. انظروا إلى الجهل كيف أودى بهم إلى هذه الأعمال الشنيعة. بل ربما في أشرف الأزمان، في شهر رمضان، في شهر رمضان، ويقتلون خير عباد الله، كما فعلوا بعلي رضي الله عنه، قتله الخارج عمران بن حطان... وهي تقرب إلى الله، أو ابن ملجم، قتله عبد الرحمن بن ملجم، يتقرب إلى الله بقتله في شهر رمضان، وعمران بن حطان يمدحه، يمدحه بقتله لعلي رضي الله عنه. نسأل الله السلامة والعافية. قال: ويكتسب بعلم، وينفق بعلم. يعني كذلك إذا باع أو اشترى يكون شراء وبيع بعلم، يتحرى الحلال ويجتنب الحرام. قال: وينفق بعلم، ينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم. كذلك في انبساطه وفي انقباضه، كل ذلك بعلم، ليس على هواء. قال: قد أدبه القرآن والسنة، يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه، ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عليه بجهل. قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير. إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، يكون عنده تدبر لما يسمع ولما يدرس، وتعقل الآيات، وفهم لمعانيها. همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله عز وجل من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى. ليس همته متى أختم السورة، همته: متى أستغني بالله عن غيري؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف النعم المتواترة؟ متى أشكر عليها؟ متى أعقل عن الله جل وعلا عظمته الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على هواها؟ متى أجاهد في الله عز وجل حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي؟ متى أستحي من الله عز وجل حق الحياء؟ متى أشتغل بعيبي؟ متى أصلح ما فسد من أمري؟ متى أحاسب نفسي؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون عن الله راضيا؟ متى أكون بالله واثقا؟ متى أكون بزجر القرآن متعظا؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا؟ متى أحب ما أحب؟ متى أبغض ما أبغض؟ متى أنصح لله؟ متى أخلص له عملي؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي؟ وقد دنا مني أجلي؟ متى أعمر قبري؟ متى أفكر في الموقف وشدته؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي؟ هذه كلها من الأمور التي ينبه عليها المصنف رحمه الله حامل القرآن أن يعتني بها، وأن يحاسب نفسه عليها، حتى يصلح نفسه، فيكون هذا مقصوده من قراءته للقرآن، أن يصلح نفسه، ويصلح دنياه وآخرته، فيحاسب نفسه على هذه الأمور كلها. قال: متى أفكر في المنقلب؟ متى أحذر ما حذرني منه ربي؟ من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وغمها طويل، لا يموت أهلها فيستريحوا، ولا تقال عثرتهم، ولا يرحموا عبرتهم، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بدلوا بغيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله عز وجل، وركوبهم لمعاصي الله تعالى. فقال منهم قائل: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾. هذا مثل من أمثال هؤلاء النادمين، الذي ضيع عمره في اللعب واللهو، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. طيب، هذه الدنيا التي عشت فيها وعمرت فيها، ما عمرت؟ أربعين سنة، خمسين، ستين، سبعين، ما كانت حياتك؟ لا يعرف أن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية، فيندم على فوات ما فات من عمره في هذه الدنيا، ويعرف أن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، فندم ندامة عظيمة على ما فات وضيع، فيقول: يا ليتني قدمت لحياتي، أي أصلحت آخرتي وعملت لها. قال: وقال قائل: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾. هذا آخر ندم عند الموت، فتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليصلح ما قد أفسد من عمله في هذه الحياة. قال: وقال قائل: ﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾. فيندم على كتاب أعماله الذي قد جمع الله عز وجل فيه عمله، كبيرة وصغيرة، فيقول: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والخطايا والسيئات إلا وقد أحصاها وسجلها، فيندم على هذه الأعمال التي حصلت منه وصدرت منه. قال قائل: ﴿ يَا وَيْلَتَى يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾. هذا الذي ضيع آخرته بسبب الصحبة، أن الصحبة من شغله عن طاعة الله وأغفله عن ذكر الله، فيندم أن اتخذه صاحبا وخليلا في هذه الدنيا. وقالت فرقة منهم، ووجوههم تتقلب في أنواع من العذاب: ﴿ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ ﴾. فضيعوا طاعة الله ورسوله، وارتكبوا الشهوات، ومالوا إلى الهوى والملذات، فندموا هذه الندامة العظيمة. قال: فهذه النار يا معشر المسلمين، يا حملة القرآن، حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه، رحمة منه للمؤمنين. فقال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾. فأمر الله عز وجل أهل الإيمان أن يقوا أنفسهم عذاب الله، وأن كذلك يقوا أهليهم. قال علي رضي الله عنه في الأثر المشهور عنه: «علموهم وأدبوهم»، فتقي نفسك وتقي أهلك من عذاب الله، بإلزامهم بطاعة الله واجتناب معصية الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾. وقال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. وهذه الآية أصل في محاسبة النفس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾، أي ليوم القيامة. قال قتادة رحمه الله: ما زال ربنا يقرب يوم القيامة حتى جعله كغد. الغد، اليوم الذي بعد يومك، اليوم الذي بعد يومك هو يوم الغد. يعني معنى أن القيامة قريبة، وإن كانت بعيدة منك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك». كما أن الجنة قريبة، النار قريبة، ليس بينك وبين الجنة والنار إلا أن تموت، إلا أن تموت، فتكون من أهل الجنة أو من أهل النار. إذن لابد أن تحاسب نفسك، وأن تستعد لإصلاح آخرتك ولقاء ربك. قال: ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم وما عهده إليهم، يعني من القيام بطاعته، وأن لا يضيعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره، يعني خرج عن طاعته، قال: فعذبه بأنواع العذاب. قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. وهذه من أعظم عقوبات الذنوب المعاصي، أن ينسي الله عز وجل العبد نفسه، أن ينسي الله عز وجل العبد نفسه. ولا تكونوا كالذين نسوا الله، نسوا الله، تركوا طاعته وارتكبوا محارمه، فعقبهم الله أن أنساهم أنفسهم، يعني أنساهم أن يصلحوا أنفسهم، وأن يأخذوا بأنفسهم إلى رضوان الله، وإلى مغفرة الله ورحمته. هذه عقوبة من عقوبات الذنوب المعاصي. فأخبر الله أن هؤلاء هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم أعلم المؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة. أصحاب الجنة هم الفائزون. فهذا الفوز العظيم، والفوز الحقيقي، أن تفوز بجنة الله، أن تكون من أهل الجنة. ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾. هذا الفوز الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى له كل عاقل، وكل حريص على الخير، أن يسعى أن يكون من الفائزين بجنة الله. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهلها. قال: فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن، استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله وما قبح منه. يعرض نفسه على القرآن، يجعل القرآن كالمرآة. الواحد وقف أمام المرآة يصلح في نفسه ما يحتاج إلى إصلاح، إذا كانت العمامة مائلة أصلحها، إذا كان في وجهه شيء يحتاج إلى تصليح وتعديل عدله، إذا كانت اللحية مثلا مبعثرة مشطها، فيصلح نفسه. كذلك تصلح نفسك بالقرآن، تعرض نفسك على القرآن، كيف أنت مع القرآن؟ كيف أنت مع أوامر الله؟ هل أنت مؤتمر بأوامره؟ كيف أنت مع نواهي القرآن؟ هل أنت منتهي عن نواهيه؟ تصلح نفسك، تعرض نفسك على القرآن، تجعله كالمرآة لك، تصلح به نفسك. قال: فما حذره مولاه حذره، وما خوفه من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه. فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته. يعني إما أن تكون مسددا، وإما أن تكون مقاربا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سددوا وقاربوا». والفرق بين السداد والمقاربة: السداد إصابة الهدف، الإتيان به كاملا، والمقاربة أن تقارب الهدف، تقارب، تكون الإصابة قريبة، وإن لم تأت بها كاملة، فأنت على خير، وأنت على خير. لكن المصيبة لما تجعل الهدف خلف ظهرك، وأنت ترمي إلى هذه الجهة، هذا معنى عدم مبالاة وإعراض وإدبار، هذا الذي يخاف على صاحبه. قال: فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا وشفيعا، وأنيسا وحرزا. أي كان منتفعا بهذا القرآن انتفاعا عظيما. قال: ومن كان هذا وصفه، نفع نفسه، ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان السجستاني، قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن زبال بن فائد، عن زبال بن فائد، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألبس والداه تاجا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيه، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟». من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ليس مجرد القراءة، جمع بين القراءة وبين العمل، بين العلم والعمل، فهذا الذي ينتفع به حق الانتفاع، ألبس والداه تاجا يوم القيامة، بكرامة له، لأنه السبب في وصول ولده إلى هذا الخير العظيم. ضوؤه أحسن من ضوء الشمس، يعني في الإضاءة والإنارة، في بيوت الدنيا لو كانت، يعني لو كانت الدنيا موجودة، لكان إضاءة هذا التاج أشد من إضاءة الشمس للدنيا. فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ إذا كان هذا الوالد، فكيف بصاحب القرآن نفسه؟ هذا الحديث أخرجه أبو داود، وضعفه الألباني رحمه الله. وزبان بن فائد في سند هذا الحديث ضعيف، الحديث كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب: ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته. وأيضا فيه سهل بن معاذ، فهو كما قال الحافظ: لا بأس به إلا في رواية زبان عنه، وهذه منها، هذه منها. ولكن الحديث له ما يتقوى به من حديث بريدة رضي الله عنه، قد ساق المصنف ذكر منه الشاهد فقط، اختصره كما سيأتي بعد هذه الرواية. قال: وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: مرت امرأة بعيسى بن مريم عليه السلام، فقال: طوبى لحجر حملك، ولثدي رضعت منه. قال عيسى: «طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به». طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به. طبعا هذا الأثر لعله من روايات أهل الكتاب، فهو معدود في أخبار بني إسرائيل، لأن بين خيثمة وبين عيسى مفاوز. ومعنى صحيح، من حيث المعنى صحيح: طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمله. طوبى: قيل شجر في الجنة يقطعها الراكب في مئة عام، وقيل هي الجنة، وقيل جزاء عظيم في الجنة. ومعنى صحيح كما قلنا، أن من قرأ القرآن وعمل به له أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى. قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء القرآن يوم القيامة إلى صاحبه كالرجل الشاحب». الرجل الشاحب، ليه؟ تغير لون بشرته من الجهد والتعب. فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا الذي أظمأت نهارك، وأسهرت ليلك. والحديث أخرجه ابن ماجة، وفيه ضعف، لكن يحسن بمجموع الطرق والشواهد، كما أشار الألباني رحمه الله. والمقصود من هذا الحديث أن القرآن الذي ينتفع به صاحبه، الذي عمل به، الذي أظمأ نهاره، له حظ من الصيام ومن الطاعة والعبادة، وأسهر ليله في قيام الليل وقراءة القرآن، فهذا الذي ينتفع بهذا القرآن انتفاعا عظيما. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال له: «إنك إن بقيت، فسيقرأ القرآن، فسيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف». يعني إذا عشت، فسترى من يقرأ القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله تعالى، وصنف للدنيا، وصنف للجدل. فمن طلب... فمن طلب به أدرك. في هذا الأثر يقول علي رضي الله عنه لإياس بن عامر: إن بقيت، يعني إذا عشت وأعطاك الله فسحة في العمر، فسيقرأ القرآن كثير من الناس، وسيكونون على ثلاثة أصناف. الصنف الأول: صنف لله تعالى، أي يقرأه لله، يريد الأجر والثواب من الله، لا يريد به الدنيا، ولا متاع الدنيا، ولا شهرة، ولا ثناء، ولا مدح، إلى آخره. وهذا خير الأصناف وأفضلها، الذي قرأ القرآن لله سبحانه وتعالى. قال: وصنف للدنيا، يقرأ القرآن لأجل الدنيا، يريد المدح والثناء والشهرة، والصدقة والتأكل بالقرآن. وهذا لا شك أنه أدنى هذه الأصناف والأقسام. هذا من قال الله عز وجل فيه: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. قال: وصنف للجدل، أي يحفظ القرآن ويقرأ القرآن من أجل الجدال والمراء، فيجادل ويماري بكتاب الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». قال: فقد ذكرت أخلاق الصنف الذين قرأوا القرآن يريدون الله عز وجل بقراءتهم، وأنا أذكر الصنفين الذين يريدان بقراءتهما الدنيا والجدل، وأصف أخلاقهم، حتى يعرفها من اتقى الله جل عظمته. بعد أن ذكر أخلاق الصنف الذين قرأوا القرآن لله، فحسن هنا أن يذكر ضد ذلك، من قرأ القرآن لأجل الدنيا ولأجل الجدل، حتى يحذر حامل القرآن من هذه الأخلاق وهذه الأوصاف، ويكون في أكمل الأحوال. ومعرفة الشيء بضده مما تكمل به معرفته. وكما قال القائل: عرفت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. قال حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. فالإنسان إذا عرف الخير، هذا أمر طيب، لكن يحسن به أن يعرف الشر حتى يحذره، فيكمل له لزوم الخير. قال: باب أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله عز وجل. هذا الباب سيدخل فيه أخلاق من يريد بالقرآن الدنيا، عياذا بالله. قال: فأما من قرأ القرآن للدنيا ولأبناء الدنيا، فإن من أخلاقه أن يكون حافظا لحروف القرآن، مضيعا لحدوده. هذا أول صفة من حمل القرآن لأجل الدنيا، يكون حاملا للقرآن، حافظا لحروفه، تجده في الحفظ ما شاء الله، متقنا، يحسن قراءة القرآن ونطقه وقراءته وتجويده، لكن مضيع لحدوده، لا يعتمر بأوامره، ولا ينتهي عن نواهيه، ولا يقيم حدوده، ولا كذلك يقيم أحكامه. فهذا من علامات إرادة الدنيا بالقرآن. قال: متعظما في نفسه، يعني يرى نفسه عظيما وكبيرا، متكبرا على غيره، متعاريا، مترفعا. قد اتخذ القرآن بضاعة، يتأكل به الأغنياء، ويستقضي به الحوائج. يتأكل به الأغنياء، يأخذ من أموال الأغنياء ومن أمتعتهم، ويستقضي به الحوائج، إذا أراد حاجة قضاها بالقرآن، يقول: أنا فلان، أنا الحافظ، أنا المقرئ، أنا كذا وكذا، حتى يقضي حوائجه. قال: يعظم أبناء الدنيا، ويحقر الفقراء، ويحقر الفقراء. ليش يحقر الفقراء؟ ما يجد شيء من الدنيا عندهم، لكن عند أبناء الدنيا سيجد رغبته ومراده، فيعظم أبناء الدنيا، أي أبناء الملوك والأغنياء. قال: إن علم الغني رفق به، طمعا في دنياه، وإن علم الفقير زجره وعنفه، لأنه لا دنيا له يطمع فيها. والواجب أن يكون في ذلك عادلا بين الأغنياء والفقراء، لأنه يريد ما عند الله. لكن إذا فسدت النية، وأراد بالقرآن والعلم الدنيا، هكذا تكون معاملته، يحسن إلى الأغنياء، ويعنف ويقسو على الفقراء. قال: لأنه لا دنيا له يطمع فيها. يستخدم به الفقراء، ويتيه به على الأغنياء، يعني يتعالى به على الأغنياء. إن كان حسن الصوت، أحب أن يقرأ للملوك، ويصلي بهم، طمعا في دنياه، يتقرب إليهم، ويقرأ لهم في المجالس، من أجل أن ينال شيء من دنياه. قال: وإن سأله الفقراء الصلاة بهم، فقل ذلك عليه، أو فقل ذلك عليه، لقلة الدنيا في أيديهم. قال: إيش نحصل منكم؟ أنتم إيش نجد عندكم حتى نقرأ لكم؟ قال: أنا مشغول، ويعتذر كذا، لكن الأغنياء على طول. قال: إنما طلبه الدنيا حيث كانت، يربض عندها. يفخر على الناس بالقرآن، ويحتج على من دونه في الحفظ بفضل ما معه من القراءات، وزيادة المعرفة بالغرائب من القراءات. يعني يتظاهر بما عنده من العلم والقرآن والقراءات، وأنه أفضل من غيره، وربما أظهر شيء من القراءات الشاذة، حتى يقول أن عنده ما ليس عند غيره. وكون الإنسان يعني يكون عنده أكثر من قراءة، لا شك أن هذا أمر طيب، يعني كون الإنسان يعرف أكثر من قراءة، أفضل من معرفته بقراءة واحدة. لهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: العارف في القراءات، الحافظ لها، له مزية على من لم يعرف ذلك، ولا يعرف إلا قراءة واحدة، فعنده زيادة علم ومعرفة بكتاب الله. لكن إذا كان هذا على سبيل الترفع والافتخار والعجب، فهو مذموم. وأما إذا كان على سبيل التقرب إلى الله بذلك، وطلب الأجر والثواب، وتعليم العلم للناس، وتعليم القرآن لحملة القرآن، وتعريفهم بهذه القراءات، فهذا أمر محمود. والمقصود هنا المعنى المذموم، من الترفع والعجب والغرور. قال: التي لو عقل، وزيادة المعرفة بالغرائب من القراءات، التي لو عقل العلم، أنه يجب عليه أن لا يقرأ بها، لأن القراءات الشاذة لا يجوز القراءة بها، فكيف يفتخر بها على غيره؟ قال: فتراه تائها متكبرا، كثير الكلام بغير تميز، يعني ما يميز الكلام الذي يتكلم به، يتكلم كما يقال بلا خطام ولا زمام. يعيب، يعيب كل من لم يحفظ كحفظه، الذي ما حفظه كحفظه، يعيبه، يقول: أنت كم معك من الأجزاء؟ خمسة عشر جزء، أنا معي ثلاثون جزء، من القرآن كله، كم حفظته؟ تم معك إلا قليل، وهكذا. قال: ومن علم أنه يحفظه كحفظه، طلب عيبته، الذي يحفظ القرآن كاملا مثله، يتتبع عيوبه، إذا أخطأ مرة، قال: هذا ما حفظه، ضعيف حفظه، ضعيف، يخطأ في الحفظ، أخطأ في المكان الفلاني، يتتبع عيوبه. قال: متكبرا في جلسته، في جلسته متعاظما في تعليمه لغيره، ليس للخشوع في قلبه موضع، لأنه ما أراد بالقرآن الآخرة، وإنما أراد به الدنيا، فلا يكون لهذا القرآن أثر في قلبه، فضلا أن يكون له أثر في جوارحه. كثير الضحك والخوض فيما لا يعني، يشتغل عمن يأخذ عليه بحديث من جالسه، هو إلى استماع حديث جليسه أصغى منه إلى استماع من يجب عليه أن يستمع له. يقول: كثير الضحك والخوض في المزاح والكلام الذي لا يفيد، حتى يشتغل به عمن يريد أن ينتفع به، إذا جاء طالب يريد أن يقرأ عليه القرآن، يتكلم مع صاحبه، وإن شغله به، ويترك هذا المسكين الذي يريد أن يقرأ عليه القرآن، وهذا أحوج أن يبذل له الوقت، أن يبذل له الوقت، وهو كذلك أحوج أن يستمع إلى حديثه، وإلى قراءته، من سماعه لحديث... حديث من يحدث، ومن يتكلم معه. قال: يريد أنه لما يستمع حافظ، يعني يقول له: اقرأ، اقرأ، اقرأ، ويتحدث مع صاحبه، كأنه يقول: ما عليك، أنا أنتبه لك، سأرد عليك، عندي حفظ متقن، وانتباه عظيم. هذا من الغرور والعجب. قال: فهو إلى استماع كلام الناس أشهى منه إلى كلام الرب سبحانه وتعالى. لا يخشع عند استماع القرآن، ولا يبكي، ولا يحزن، ولا يأخذ نفسه بالفكر فيما يتلى عليه. فقد ندب إلى ذلك، أي ندب إلى التدبر للقرآن: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾. هو ما ينتبه لهذه الأمور، ولا يهتم بها، يسمع ولا ينتفع بهذا السماع، ولا يحر قلبه به، سماع القرآن. قال: إن قصر رجل في حقه... قال: لا يخشع عند استماع القرآن. قال: وراغب في الدنيا وما قرب منها، لها يغضب ويرضى. لها يغضب ويرضى، الدنيا، إن أصابه شيء منها فرح ورضي، وإن فاته شيء منها غضب. إن قصر رجل في حقه، قال: أهل القرآن لا يقصر في حقوقهم، وأهل القرآن تقضى حوائجهم. يستقضي من الناس حق نفسه، يستقضي من الناس حق نفسه، أي يطلب منهم قضاء حقوقه، ويتذرع بذلك بالقرآن، وأهل القرآن. قال: ولا يستقضي من نفسه ما لله عليها، لا يستقضي من نفسه ما لله عليها، أي من حقوق الله سبحانه وتعالى، بلزوم الطاعات وترك المحرمات. مضيع لهذه الأمور. ومن أمور دنيا حريص، يغضب على غيره زعم لله، ولا يغضب على نفسه لله، وقد ضيعها وأفسدها. قال: لا يبالي من أين اكتسب، من حرام أو حلال، يعني في بيعه وشرائه واكتسابه، يخبط خبط عشواء، لا يميز الحلال من الحرام. قال: قد عظمت الدنيا في قلبه، إن فاته منها شيء لا يحل له أخذه، حزن على فوته، يعني شيء ما يجوز، ما يجوز أن يأخذه، ربما يعني صفقة ربوية فاتته، حزن، حزن، وتمنى أنه لو أخذها، ما يبالي. قال: لا يتأدى بأدب القرآن، ولا يزجر نفسه عند الوعد والوعيد، لا يزجر نفسه عند الوعد، الآيات التي فيها الوعد والترغيب بجنة الله ونعيم الله، حتى يسوق نفسه أن يكون من أهلها، ولا عند آيات الوعيد، التي فيها التخويف والترهيب من عذاب الله، ومن عقوبة الله، حتى يزجر نفسه. فلا ينتفع عند آيات الوعد والوعيد، لا، غافل عما يتلو أو يتلى عليه، همته حفظ الحروف، أي قيام حروف القرآن، ونطقه، وحسن تلاوته. قال: إن أخ