الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقسم عليه قد يحذف جوازًا أو وجوبًا، ويمكن معرفته من السياق أو دلالة المقسم به، وقد يكون الحذف أبلغ وأزجر. حذف المقسم عليه يرتبط بفهم السياق والدلالة عليه.
القسم له فائدتان رئيسيتان: بيان عظمة المقسم به وأهمية المقسم عليه وإرادة توكيده، مع التفريق بين التحقيق والتوكيد حسب كون المقسم عليه غيبيًا أو حاضرًا. القسم يستخدم لتوضيح الأهمية وتأكيد الحقائق.
القسم يستخدم لفضيلة أو منفعة، وفي أمور عظيمة أو لرفع التردد أو الإنكار، وقد قسم أهل البلاغة أسلوب الخبر إلى ابتدائي وطلبي وإنكاري حسب حالة المخاطب. القسم يلعب دورًا في تأكيد المعنى وتوضيح الأهمية.
النص ينتهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يظهر التزامًا بالسنة وتعظيمًا لشأن النبي. الختام بالصلاة على النبي يعكس التقوى والاحترام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان بالأمس حديثنا، إخواني في الله، بهذا المبحث، والذي أعده المؤلف -رحمه الله تعالى- حول مسألة القسم، وأشار عما يتعلق بالقسم الموجود في كتاب الله سبحانه وتعالى. وذكرنا، إخواني في الله، أن القسم يقوم على ثلاثة ركائز، يقوم على أداة القسم، ثم المقسم به، ثم المقسم عليه. وبدأ المؤلف -رحمه الله تعالى- بذكر أدوات القسم، وأن الأصل في صيغة القسم -كما قال العلماء- هي فعل القسم: أقسم أو أحلف، ما حرف الباء، لكن طلبًا للاختصار، فيحذف الفعل ويبقى الحرف: باء القسم، ومن أحرف القسم ثم عوض عنه بالواو والتاء. وذكرنا الاستخدامات التي ذكرها العلماء، والفروق بين هذه الأدوات من حيث الدخول على اسم الظاهر أو الاسم المضمر، ومن حيث الوجود، ومن حيث الحذف. ثم عرج المؤلف -رحمه الله تعالى- في الكلام على الركيزة الثانية التي يقوم عليها أسلوب القسم، وهو المقسم به. وقلنا إن ربنا سبحانه وتعالى يقسم بما شاء جل في علاه، يقسم بذاته العلية، ويقسم كذلك بما شاء من مخلوقاته، وهذا لا يتأتى لأحد، فأما المخلوق فلا يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى. وكذلك أشار المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى أن القسم بالله سبحانه وتعالى قد يكون ظاهرًا، وكذلك قد يحذف، وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- الدليل على ذلك. ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "والأصل ذكر المقسم عليه"، وهذه الركيزة الثالثة من ركائز أسلوب القسم: المقسم عليه، أي الموضوع أو الأمر الذي أقسم عليه الرب سبحانه وتعالى. فالأشياء التي أقسم عليها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه كثيرة وعديدة، أي المضامين والمواضيع والأمور التي أقسم عليها الرب كثيرة، لكن العلماء -رحمهم الله تعالى- أرجعوها إلى أمرين اثنين، يعني أردنا أن نستقرئ الأشياء التي أقسم عليها الله سبحانه وتعالى، فوجد أنها تنحصر في أمرين، أولاهما ما يتعلق بأصول الإيمان، والأمر الثاني ما يتعلق بحالة الإنسان. وهذا السرد وهذا التقسيم ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- وأشار إليه في كتابه "التبيان في أقسام القرآن"، وبين -رحمه الله تعالى- بعد استقرائه لأنواع القسم ومواضيع القسم، وجد أنها تقتصر على موضوعين اثنين، إما أنها تتعلق بمسائل متعلقة بأصول الإيمان، وإما أن القسم على أمور ترجع إلى حالة الإنسان. مثل قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، فالقسم هنا على ماذا؟ الموضوع هو في حالة الإنسان. وآيات كثيرة جدًا على هذا الباب، فهي تنحصر في هذين الموضوعين. قال -رحمه الله تعالى-: "والأصل ذكر المقسم عليه من حيث الدلالة"، نعم، الأصل أن المقسم عليه يذكر، مثل قول الله تعالى: ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾، في هذه الآية التي استدل بها المؤلف -رحمه الله تعالى-، عندي أسلوب قسم، فعندي أداة من أدوات القسم، وهو الواو حرف قسم، وعندي الرب جل في علاه وهو المقسم به، ثم عندي "لتبعث" وهو ما يعبر عنه العلماء بالمقسم عليه، أقسم ربنا سبحانه وتعالى على البعث. قال: "وقد يُحذف جوازًا"، مثل قوله تعالى: ﴿قاف والقرآن المجيد﴾، وتقديره: ليهلكن. أحيانًا تجد المقسم عليه -أي الموضوع والأمر الذي أراد ربنا أن يقسم عليه- لا يذكر، فمثل هذه الآية: ﴿قاف والقرآن المجيد﴾، أسلوب قسم، الواو هنا حرف قسم، والقرآن المجيد مقسم به، أقسم ربنا جل وعلا بالقرآن على ماذا؟ ليس عندي هنا إشارة -يعني في اللفظية- إلى ما هو الموضوع الذي أقسم به ربنا سبحانه وتعالى. إذن، هنا الموضوع الذي أقسم به ربنا سبحانه وتعالى حُذف، لكن يُعرف بالسياق، يُعرف بالسياق. لهذا قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وتقديره ليهلكن"، لأن في سياق الآية: ﴿كم أهلكنا قبلهم﴾، في نفس سياق الآية، فيه: ﴿كم أهلكنا قبلهم﴾، فدل على أن الله إنما أراد أن يقسم بالقرآن على مسألة: أنه سيهلك هؤلاء ممن كذب بدينه وشرعته. وذهب جماعة من العلماء، ونقل ذلك عن الأخفش والزجاج وجماعة من أهل العلم، إلى أن التقدير في قول تعالى: ﴿والقرآن المجيد﴾ أن المقسم عليه: لتبعثن، لأن السياق في الآية كذلك تكلمت عن البعث، تكلمت عن البعث. إذن، دل ذلك على أن القسم إذا لم تجد المقسم عليه ظاهرًا عيانًا لديك، فإنك تنظر في السياق، تنظر في السياق. وبعض العلماء، قبل أن ينظر في السياق، ينظر في نفس القسم، يخرج موضوع المقسم عليه من القسم. يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- من باب الفائدة: "وأكثر ما يحذف الجواب إن كان في نفس المقسم به دلالة"، قال: "وأكثر ما يحذف الجواب إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه، فإن المقصود يحصل بذكره، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأزجر". وهذا كذلك مما يدل على أن العلماء يستطيعون أن يستخرجوا المقسم عليه من القسم -من الذي أقسم به سبحانه وتعالى- ومنهم من ينظر إلى السياق في الآيات، فيعرف من الذي قصده ربنا، وما الموضوع الذي أراد أن يقسم به ربنا سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله تعالى-: "وقد يحذف وجوبًا إذا تقدمه أو اكتنفه ما يغني عنه". قال ابن هشام في "المغني": "ومثله بنحو: زيد قائم والله، وزيد والله قائم". وهذا كذلك، أحيانًا المقسم عليه يحذف، يحذف ولا يذكر في أمرين اثنين، نبه عليه ابن هشام في "المغني". الوجه الأول: قال: "إذا تقدمه ما يغني عنه"، مثل المثال الأول: "زيد قائم والله"، إذن تقدم لنا قبل القسم، تقدم الموضوع، الموضوع قد تقدم، إذن ما في داعي للإعادة، إلى إعادة ذكره. قال: "أو اكتنفه ما يغني عنه"، وكذلك إما التقدم أو مسألة الاكتناف، كقوله تعالى: ﴿وزيد والله قائم﴾. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وللقسم فائدتان"، وهذا الذي يهمنا في هذا الباب: فوائد القسم. قال -رحمه الله تعالى-: "إحداهما بيان عظمة المقسم به". من فوائد القسم أن يتجلى للناظر أن هذا الشيء الذي أقسم به ربنا سبحانه وتعالى له منزلة، وله مكانة عند الله سبحانه وتعالى. وهذا ظاهر، أقسم ربنا من هذه الأشياء التي أقسم بها ربنا سبحانه وتعالى، أقسم بالقرآن، وفي ذلك إشارة على عظمة القرآن. أقسم ربنا جل وعلا بعمر نبينا: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، دلالة على عظمة شأن نبينا عليه الصلاة والسلام، لدرجة أن الله قد أقسم به. فهذا الذي يقول العلماء: من فوائده بيان عظمة المقسم به. وهنا فائدة يراعى في هذا الباب، أن من بيان فوائد القسم: بيان عظمة المقسم به كذلك. وأنت -يا عبد الله- تتأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى، وتنظر إلى الأشياء التي أقسم بها ربنا سبحانه وتعالى، تأمل في المواضيع التي أقسم عليها ربنا. كما قلنا: أسلوب القسم قائم على أداة القسم، وعلى المقسم به، وعلى المقسم عليه. تلاحظ، وهذا من بلاغة القرآن، وهذه من الحكم التي قل من يتفطن إليها، تجد وجود ارتباط بين المقسم به -الأمر الذي أقسم به ربنا- وبين الشيء الذي أقسم عليه ربنا، تجد هناك ارتباط، تجد هناك ما يعبر عنه بمناسبة، مناسبة وطيدة، وعلاقة وثيقة بين الشيء الذي أقسم به الرب، وبين الأمر الذي أقسم عليه الرب سبحانه وتعالى. مثل قوله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾، عندي هنا أسلوب قرآني، أداة قسم، وأداة قسم، وعندي مقسم به، أقسم ربنا بالضحى والليل إذا سجى، ثم الموضوع الذي أقسم عليه ربنا سبحانه وتعالى: عن حال نبينا، أنه مبرأ من الضلال، مبرأ من الضلال. بقي أنت الآن، بعدما تعرف ركائز القسم، هل هناك علاقة؟ لا بد هناك علاقة. إذن، ما علاقة تبرئة نبينا من الضلال، وأن الوحي لم يقطع عنه، وبين الضحى والليل؟ قال العلماء: وجه الارتباط بين الضحى والليل مع بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، أن الوحي الذي نزل على نبينا هو وجوده، كاعتبار وجود الضحى، وهو النور للأرض، وأن انقطاع الوحي بمثابة الليل، الذي وظلمة، ليست خيرًا بالأمة وبالعالم بأسره. وهكذا انظر في قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾، هنا أداة القسم: الواو، ومقسم به: النجم، والمقسم عليه ماذا؟ تبرئة النبي هنا عن الضلال. طيب، ما علاقة النجم بتبرئة النبي من الضلال؟ الوجه الشاهد: أن الله سبحانه وتعالى كأنه أشعر بأن نبينا هو كالنجم الذي يهتدى به، كالنجم الذي يهتدى به. وهكذا، قس -عبد الله- على هذا، وحاول إذا استطعت لذلك، وهذا يحتاج إلى فهم دقيق، أن أسلوب القسم كذلك ما هو إلا أسلوب عربي، وهو كذلك أسلوب بلاغي، أسلوب بلاغي، تجد الارتباط الوثيق بين المقسم به -الأشياء التي أقسم بها ربنا- وعلى الأشياء التي أقسم عليها ربنا، تجد هناك علاقة، قد يتفطن لها بعض الناس، والكثير منا من لربما لا يتعرف عليها. فقال -رحمه الله تعالى-: "وللقسم فائدتان، إحداهما بيان عظمة المقسم به". قال: "والثانية بيان أهمية المقسم عليه". هذه الفائدة الثانية للمستفاد من أسلوب القسم، ما الذي يستفاد؟ الفائدة الأولى: أن الشيء الذي أقسم به الرب عظيم، هذه فائدة أولى. والأمر الثاني: يستفاد من أسلوب القيمة، أن الموضوع أو الأمر الذي أقسم عليه ربنا سبحانه وتعالى ماذا؟ له أهمية، لدرجة أن الله سبحانه وتعالى أراد ماذا؟ تحقيقه، وأراد توكيده، أراد تحقيقه وأراد توكيده. ولهذا، العلماء في هذا الباب يفصلون، لأن تذكر هذه المسألة على هذا الاعتبار من فوائد القسم، وخاصة في شأن المقسم عليه، أن الله سبحانه وتعالى أراد تحقيقه وتوكيده. فكيف نميز مسألة التحقيق والتوكيد؟ قال العلماء: إذا كان هذا المقسم عليه من الأمور الغيبية، فالمراد منه ماذا؟ المراد منه التوكيد. وإن كان هذا الأمر الذي أقسم عليه الرب من الأمور الحاضرة، فالمراد منه ماذا؟ التحقيق. وبهذا تعلم ما الغرض من هذا المقسم عليه، المقسم عليه إما يراد تأكيده وتحقيقه. وما الفرق بين التأكيد والتحقيق على هذا المقسم عليه؟ فإن كان الأمر الذي أقسم عليه ربنا سبحانه وتعالى -أي الموضوع والأمر- من الأشياء الغيبية، فالمراد بذلك التوكيد والتأكيد. وإن كان ذلك من باب الحاضر، الشيء الحاضر، الشيء الشاهد، فالمراد بذلك التعظيم، المراد بذلك التعظيم. وعلى هذا تستطيع أن تميز بين هذا وبين ذاك. قال -رحمه الله تعالى-: "والثاني بيان أهمية المقسم عليه وإرادة توكيده". إذن، أهمية المقسم عليه بمعنى التعظيم، وإرادة التوكيد. فعند التعظيم وعند التوكيد، فمسائل الغيب تكون من باب التوكيد، ومسائل المشاهدة والمحسوسة والحاضرة تكون من باب التعظيم. ثم قال: "ولذا لا يحسن القسم"، ستأتي هنا كذلك فائدة ثالثة يذكرها العلماء من فوائد القسم، زيادة على الأمر الأول والثاني. قال العلماء: إن من فوائد القسم: توجيه النظر إلى الآيات الكونية، توجيه النظر إلى الآيات الكونية. فهذه المخلوقات التي أقسم بها ربنا سبحانه وتعالى هي من الأشياء الكونية، مع أن القسم فيه دلالة على أهميتها كذلك، فيها مسألة: وهو ماذا؟ وهو النظر فيها والتأمل فيها، لما في ذلك من دلالة على خالقها، وهو الله سبحانه وتعالى. يقول القشيري -رحمه الله تعالى-: "وقال القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنفعة". قال القشيري: "وقد ذكر ذلك السيوطي -رحمه الله تعالى- في كتاب الإتقان". قال: "نقل عنه: القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنفعة". فهذه الأشياء التي أقسم بها ربنا سبحانه وتعالى تدور على هذين الأمرين: إما لفضيلتها، وإما كذلك لمنفعتها. قال -رحمه الله تعالى-: "ولذا لا يحسن القسم إلا في الأحوال التالية". الأول: "أن يكون المقسم عليه ذا أهمية". أسلوب القسم، مواطنه ومواضعه، لا بد أنك تتأمل فيها، فليس القسم يكون في كل شيء، وفي كل ما هب ودب. فذكر -رحمه الله تعالى- أن القسم لا يحسن -أي طرحه وذكره- إلا في هذه الأحوال. أولاها: أن يكون المقسم عليه ذا أهمية. فإذا أنت في موضوع، وأنت تريد أن تحرر المقام في مسألة عظيمة مهمة، هنا لا بأس أنك تستخدم القسم، أنك تستخدم القسم. وهكذا كان القسم في القرآن، بل وهكذا صنع نبينا عليه الصلاة والسلام، كان يقسم، نعم، وكان يحلف عليه الصلاة والسلام، لكنه ما كان يحلف ولا يقسم إلا على أمر عظيم، إلا على أمر عظيم. وهكذا ينبغي بحق المسلم إذا أراد أن يستخدم القسم، فأراد أن يقسم بالله سبحانه وتعالى، فعليه أن يجعل هذا القسم في أمور مهمة، في أمور عظيمة، في أمور تستدعي القسم. أما ما عليه الآن، تجد الناس يقسمون على أمور ساذجة، على أمور ليست محل اهتمام، لربما في لعب، لربما في مزاح، هذا لا يجوز، بل هذا مما يكره، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾، "حلاف" صيغة مبالغة، ممن يكثر من الحلف، هذا ليس بمحمود. لا تظن أن هذا من تعظيمك للرب، لا، هذا ليس من تعظيم الرب، من تعظيم الرب أن كما قال ربنا: ﴿فاحفظوا أيمانكم﴾، أن تحفظ الأيمان، لا تجعل سبهل، لا تذكرها في كل شيء، لا تجعل اسم الرب سبحانه وتعالى عزيزًا في قلبك، بل وعلى لسانك، فلا تقسم بربك إلا على أمر عظيم، إلا على أمر عظيم. قال -رحمه الله تعالى-: "الثانية: أي من الأحوال التي يكون فيها القسم، أن يكون المخاطب مترددًا في شأنه". أي: أن عندك أمر، وأنت تخاطب شخصًا ما بهذا الأمر، فإذا بهذا المخاطب فيه تردد، عنده تردد، فحتى تزيل هذا الشك من عند المخاطب، فلا يستحسن هنا أن تأتي باليمين، حتى ترفع الشك وترفع الريب. ولا يستحسن أن تجعل الذي تخاطبه يبقى في تردد في كلامك، وإنما اقطع هذا بالقسم والأيمان، فهذا محله. قال: "الثالث: أن يكون المخاطب منكرًا له". كذلك: أنك قد تكون في مجلس، أو في مقام تخاطب أناسًا أو شخصًا ما، فإذا هو منكر، منكر لما تقول، أنت تحاول أن تقنعه بكلامك المجرد، فإذا بهذا الشخص وصل إلى مرحلة الإنكار، ينكر ويرد قولك. فأنت هنا مضطر، ولا حيلة لك سوى أن تستخدم القسم: "والله صار كذا وكذا"، فهذا مما يحسن ذكره، وهو عند وجود النكران من عند المخاطب. فهذه أحوال الثلاثة. وهنا مسألة كذلك، بما أن المؤلف أشار إليها، وهي تتعلق بأحوال الخبر. أهل البلاغة، علماء البلاغة، قسموا أسلوب الخبر إلى ثلاثة أقسام. أهل البلاغة قسموا أسلوب الخبر باعتبار المخاطب، باعتبار المخاطب، إلى ثلاثة أقسام: إلى ابتداء، وطلب، وإنكار. أما الابتداء: هو أن يلقى الخبر لخالي الذهن، أن يلقى الخبر لخالي الذهن، فهذا لا يحتاج منك إلى توكيد. رجل ليس في رأسه شيء، فتلقي إليه خبر، فتعطيه الخبر: "جاء فلان، ذهب فلان، حصل كذا، وقع كذا"، فهذا يسمى خبر ابتدائي، وهو أن تلقي الخبر لشخص خالي الذهن، ليس عنده شيء إزاء كلامك، فهذا تعطيه، ومن ثم لا يحتاج إلى أن تأتي بمؤكد على هذا الكلام، على هذا الخبر. هذا يسمى خبري الثاني: أسلوب الخبر الطلبي، وهو ضابط كما قال العلماء: وهو أن يلقى الخبر لمن داخله الشك، لمن داخله الشك. فهذا في هذه الحالة، كما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى-، فهذا من المستحسن أنك تأتي بالمؤكدات، إذا كان المخاطب بهذا الخبر الذي ستلقيه، وهو متردد، فحينها لك أن تأتي بالمؤكدات. والمؤكدات كثيرة، ومن أهمها القسم، الصورة الأكيدة. والثالثة من أسلوب الخبر، من نسبة المخاطب، ما يسميه العلماء بالأسلوب الإنكاري. قال: "ويلقى لمن أنكر القول". أن يلقى الخبر لمن أنكر القول، فهذا لك أن تأتي بأكثر من مؤكد، تأتي بأكثر من مؤكد. وهذا في حق المنكر، وتجد هذا كثيرًا في القرآن، تجد أن في بعض أنواع القسم تأتي بعد مؤكدات، يأتي بإن المؤكدة، وبلام المزحلقة، ويأتي كذلك بالقسم، مؤكد على مؤكد على مؤكد، وهذا في حق المنكر، في حق المنكر. وهذا يسميه العلماء بالأسلوب الإنكاري، وهذا كان الخبر سيلقى لمن ينكر هذا الخبر. فلا فرج حين أن تأتي بأكثر من مؤكد، ومنها القسم، ومن غيرها من الأدوات. يذكر العلماء من أهل البلاغة هذا. إخواننا في الله، ما يتعلق بأسلوب القسم، وهي من مواضيع مهمة، وخاصة تكثر في كتاب الله سبحانه وتعالى، لأمور مهمة، وفوائد عظيمة، أشار المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى بعضها، إلى هنا. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.