شرح أصول في التفسير للعثيمين  6

شرح أصول في التفسير للعثيمين 6

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية معرفة أسباب نزول الآيات

تناول المؤلف أهمية معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية لفهمها بشكل صحيح وإزالة الإبهام حولها. كما بين أن ذلك يظهر الحكمة من تشريع الأحكام وعناية الله تعالى برسوله وعباده.

قاعدة عموم اللفظ وخصوص السبب

ناقش المقطع قاعدة عموم اللفظ وخصوص السبب في تفسير القرآن وتطبيق الأحكام، حيث يرى جمهور العلماء أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. يُستدل على ذلك بمثال آية الملاعنة التي نزلت في حق هلال بن أمية ولكنها تُطبق على غيره أيضًا.

القول الصحيح في فهم النصوص الشرعية

الصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، حيث تُفهم الأوامر والنواهي الشرعية من عموم النصوص وليس مقتصرة على أسباب نزولها. هذا قول جمهور العلماء ويدعمه أدلة من القرآن والسنة.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

ختم المقطع بدعاء بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، لازلنا في هذا المبحث، والذي تناول فيه المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بتقسيم القرآن من حيث النزول: الابتداء والسبب. وعلمنا أن الابتداء عرفه العلماء هو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وأما السبب هو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه. وذكرنا أن الأسباب التي من أجلها تتنزل الآيات، فنحصر عند كثير من العلماء على أمرين اثنين، أولاهما أن تكون عبارة عن سؤال مجهة لنبينا عليه الصلاة والسلام، فتنزل الآيات فيها الإجابة لهذا السؤال الذي طرح، والأمر الثاني أن تكون حادثة وقعت في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، فتأتي الآية توضح وتبين الإشكال الموجود، فترفع الإشكال الموجود في هذه الحادثة، فهي تعود إلى هذين الأمرين، أي السبب يعود إلى أمرين اثنين. ثم عرج المؤلف رحمه الله تعالى حول فائدة معرفة أسباب النزول، وقلنا: هذه مسألة مهمة، خاصة إذا علمنا أن بعضًا من أهل العلم ربما لا يعرج على هذا الباب ولا يعول عليه، بل إن هذا الباب لا طائل تحته، وأن هذا حده لا يخرج عن كونه مسألة تاريخية. وهذا ليس بصحيح، قول من يقول بأنه لا طائل تحته، هذا ليس بصحيح. وعلى فرض قولي بأنه مسألة تاريخية، قل: هب أنها مسألة تاريخية، أليست المسائل التاريخية هي مسيرة نبوية التي من ورائها العبر والعظات؟ بل وأيضًا زد على ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هنا من ثمرات كثيرة مفيدة ومستفادة من معرفة أسباب النزول. فذكر رحمه الله تعالى بيان أن القرآن نزل من الله تعالى، صحيح الأدلة الدالة على أن القرآن نزل من عند ربنا أدلة كثيرة، لكن أيضًا هذا الدليل من أسباب النزول يؤيد هذا المعنى، وهذا يعطي قوة لهذه المسألة. فكما تعلمون أن الباب الذي تكثر فيه الأدلة فإن أمره وأصله يعظم، فالأدلة الدالة على أن القرآن من عند الله كثير جدًا، وهذا كذلك مما يؤيد هذه المسألة، فهي دعامة وهي مما تؤيد الأدلة الموجودة في هذه المسألة. ثم قال رحمه الله تعالى: بيان عناية الله تعالى برسوله، وهذا واضح، وكذلك أدلة كثيرة تدل على هذا الأصل، ومن أسباب النزول كذلك ما يؤيد هذا المعنى، فهي من تضافر الأدلة في هذه المسألة. ثم قال: بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم، وفي بيان لطف الشريعة ورحمة الله بعباده. كم هي الحوادث أو الآيات التي تمر عليها، فتعلم أن الله أنزلها على عباده رفعًا للحرج، فيتبين لك يا عبد الله عظيم عناية الرب سبحانه وتعالى بعباده من المسلمين والمؤمنين. ثم قال رحمه الله تعالى: فهم الآية على الوجه الصحيح، وهذا كذلك من أنفس ومن أعظم مناقب المستفادة من معرفة أسباب النزول، أن تكون يا عبد الله على فهم دقيق وعلى فهم صحيح للآية. وقد مثل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وبعضهم يظن أن لا جناح عليه أن هذا من قسم المباح، فيظن أن السعي والطواف ليس بواجب، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه فهم الظاهر، لو أنه نظر إلى سبب النزول علم أن سبب النزول ما كان عليه أهل الجاهلية من تعظيمهم لأمر الأصنام، فكانوا يهلون لأصنامهم، وكان من شعائر الإهلال الطواف والسعي بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام بمناسك الحج، رأى من رأى أن يكف عن الصفا والمروة على حسب ظنها أنها ليست من دين الله، وأنها من شعائر الجاهلية، فكف عن السعي بين الصفا والمروة، فأنزل ربنا جل وعلا الآيات التي فيها نفي الحرج: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَطَوَّفُوا بِهِمَا﴾؛ إذ إنها من شعائر الله، ليست من معالم أهل الجاهلية. فلما تنظر إلى سبب النزول، يستقيم عندك المعنى، ويزال عنك اللبس الذي يظهر في الذهن عند النظرة الخاطفة للآية. فهذا من أعظم أسباب النزول أيضًا، إخواني في الله، مما يذكر العلماء من ثمرات أسباب النزول معرفة الحكمة من تشريع هذه الشعيرة. فبعض الناس ربما تمر عليه آيات يقرأها قراءة، لكن لو نظر في سبب نزول هذه الآية لعلم أن هذه الآية كان من وراءها حكمة عظيمة من أجلها جاء التشريع، وهذا يظهر لك محاسن التشريع، وهذا لا يتأتى إلا بالنظر في أسباب النزول. وكذلك من الفوائد المستفادة من معرفة أسباب النزول إزالة الإبهام، تعرف خلفية هذه الآية، تنزل آيات لو أنك نظرت إلى سبب النزول لعلمت في حق من نزلت هذه الآية، ومتى نزلت، ومتى وقعت. فكثير من الإبهامات المتعلقة بالآية من حيث الذوات والأشخاص والأزمان والأوقات والأماكن ينجلي أمامك إذا رجعت إلى سبب النزول. قال رحمه الله تعالى: عموم اللفظ وخصوص السبب. العلماء في هذا الفصل دائمًا وكثيرًا ما يعرجون على هذا المبحث؛ لأنه متصل بسبب النزول. قال رحمه الله تعالى موضحًا الآن ما معنى هذه العبارة: قوله عموم اللفظ وخصوص السبب. سيأتي أن هذه من القواعد التي عليها العلماء، سواء كان في باب التفسير وفي باب الأصول، فهي قاعدة رصينة متينة جاءت لدلة شرعية في تأييدها وتأصيلها وتأكيدها. قال رحمه الله تعالى: إذا نزلت آية لسبب خاص ولفظها عام، كان حكمها شاملًا لسببها ولكل ما يتناوله لفظها. وهذه القاعدة التي يعبر عنها العلماء بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، تمر علينا هذه اللفظة كثيرًا عند كتب التفاسير، وهكذا عند الأصوليين: أن العبرة بعموم اللفظ. سيأتي الأمثلة توضح ذلك. فمثلًا كما قال المؤلف: إذا نزلت آية لسبب، وقلنا: هذا السبب إما قد يكون سؤالًا أو تكون حادثة، فتأتي آية لسبب خاص، لكن تلاحظ أن هذه الآية في أثناء نزولها تجد أن ألفاظها تأتي بلفظ عام، يشمل الكثير من الناس. فماذا تفعل؟ هل تأخذ بهذا اللفظ العام أم أنك تقصر هذا اللفظ على هذا السبب النازل؟ الصحيح والذي عليه جماهير العلماء ومنهم من ذكر الإجماع في هذه المسألة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أن العبرة باللفظ العام، تأخذ باللفظ العام، ولا تتقيد أو لا تقيد الآية بهذا السبب. أي لا تقول: إن هذه الآية مثلًا نزلت في حق بني فلان، إذن يقتصر عليه ويغلق الباب. تأتي آية ثانية جاءت لسبب خاص، إذن تعلق الآية على ذاك النفر، على أولئك النفر، ثم يغلق الباب. إذن ما يبقي لنا؟ لو تلاحظ على هذا القول لو قال به أحد -ولم يقل به أحد كما يدخل العلماء- لكن لو قال به أحد: أن هذه الآيات تختص بالذي نزلت فيهم هذه الآيات، إذن لكان الكثير من آيات القرآن ليس لها أحكام؛ لأنها أحكام خاصة في حق من نزلت عليهم: في بني إسرائيل، أو في أحبار اليهود، أو في بعض الصحابة، أو بعض الوفود والقبائل، أو بعض الأنحاء الذي نزلت في حقهم، أو بعض الوقائع أو بعض الأسئلة. إذا جعلنا هذا خاص، وهذا خاص، وهذا خاص، إذن أغلق الباب، إذن هذه الآيات ليس لها حكم عام يمكن أن, نتعبد الله من خلاله. وهذا قولًا لا يقول به أحد، كما سيأتي من عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لم يقول به أحد. ولهذا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب. فإذا جاءت آية عامة نزلت في قصة، نزلت في إجابة عن سؤال، فالعبرة يا عبد الله ماذا؟ العبرة باللفظ العام. كما سيأتي بيانه في هذه الأمثلة. قال: إذا نزلت الآية لسبب خاص ولفظها عام، كانت حكمها شاملة لسببها ولكل ما يتناوله لفظها؛ لأن القرآن نزل تشريعًا عامًا لجميع الأمة، فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه. قال: مثال ذلك آيات اللعان. ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إِلَى قَوْلِهِ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الحديث. فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره. الآن تأتي المناسبة، أراد المؤلف من هذا المثال ومن هذا التمثيل أن يبين لصحة القاعدة والتي سار عليها جماهير العلماء. إذن هذه الآية وهي آية الملاعنة نزلت في حق هلال عندما رمى امرأته. طيب إذن علمنا أن الآيات نزلت بسبب هذه القصة. الآن سنلاحظ: هل هذه الآيات وما يتعلق فيها من حكم خاصة في حق من نزلت فيهم أم أنها يشترك فيها من كان على هذا الوصف؟ قال: فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره؛ لأن اللفظ عام: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ والذين اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم. إذن هذه الآية لفظها عام، إلا أنها نزلت بسبب خاص. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه الآيات شاملًا لهلال بن أمية وغيره، بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: أن عويمر العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك». فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها. الحديث. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه الآيات شاملًا لهلال بن أمية وغيره. وهذا الشاهد: إذا نزلت في حق هلال، فلما وقعت حادثة أخرى وهي حادث عويمر، أرجعه نبينا إلى هذه الآية، أرجعه نبينا إلى نفس الآية. إذن دل ذلك على أن ما نزل في حق هلال هو ليس خاص له، وإنما هذه الآية له ولمن كان من أمثاله. فأرجعه نبينا إلى أن يعمل بهذه الآية، فدل هذا على ما عليه جماهير العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهذا العموم، الأخذ بالعبرة بالعموم، بقي مسألة خلافية: وهو الإمام مالك، خالف فيها الإمام مالك رحمه الله تعالى، يرى أن العبرة بماذا؟ بتخصيص النص بخصوص السبب. فالإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن العبرة بخصوص السبب لا العبرة عنده بعموم اللفظ، فهو يرى مثلًا: أن هذه الآية آية الملاعنة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أنها تتنزل وهي خاصة في هلال، خاصة في هلال. فإذا قيل له: طيب لو أراد أحد أن يأخذ بالملاعنة وحالته شبيهة بحالة هلال؟ قال: إذن يأخذها لا من باب دلالة النص، لا، وإنما يأخذها من باب القياس، يأخذها من باب القياس. أي يقول: هذه الآية في حق فلان نزلت، إذن هذه الآية خاصة به، انتهى الإشكال. فقيل له: طيب فلان وفلان وفلان، حالتهم كحالة فلان؟ قال: حكم واحد، لكن هذا الخلاف بين مالك والجماهير: الإمام مالك يقول: هذا، وهذا، وهذا، وإن كانت حالتهم كحالة هذا، فيدخلون في الحكم من أي باب؟ قال: لا يدخلون من باب اللفظ العام، لا، إنما يدخلون من باب القياس، يدخلون من باب القياس فقط. وأما الجماهير يقولون: لا، بل الكل يدخل بدلالة اللفظ، بدلالة اللفظ، يبقون اللفظ على عمومه، العبرة عندهم بعموم اللفظ، اللفظ العام يشمل هذا، يدخل داخل اللفظ، وهذا داخل اللفظ، وهذا داخل، كلهم يدخلون داخل اللفظ العام. أما أمام مالك: لا يرى العبرة عنده أن السبب يبقى خاص، وأن غيره يدخل معه في الحكم إن تشابهت الحالة، لكن يدخل ماذا؟ باتحاد العلة، وما يسمى عند الأصوليين بالقياس. وهذا الذي يؤثر عن إمام مالك، وطبعًا أن هذا قول قد لا يقول به أحد، أو القلة يقولون بهذا، بل بعضهم من دافع عن إمام مالك في هذه المسألة. والصحيح الذي عليه جماهير العلماء ومنهم من ادعى الإجماع في هذه المسألة: على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بقي مسألة: على القول بهذا القول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ليس معنى هذا يا عبد الله: عندما نقول بعموم اللفظ أنك تأخذ بالعموم مطلقًا. انتبه، لا، لا تأخذ بالعموم مطلقًا، بل ينبغي أنك تتقيد بالسبب أيضًا، السبب لا تلغيه. وهنا ستأتي الفائدة؛ لأن قد يقول بعض الناس: طيب أنتم تقولون: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذن معنى هذا الكلام مستفاد منكم: أن السبب يلغى، لا، ما يلغى السبب، بل مهم جدًا. ما هو ضابط السبب هنا؟ السبب: أنه تجعله معيار، معيار لهذه القصص والحكايات التي ستأتي، الأحكام التي ستأتي. أنت لما تأخذ بعموم لفظ، خذ بعموم لفظ على السبب، كهذا السبب. مثاله: وبالمثال يتضح المقال. ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله: «ليس من البر الصيام في السفر». الآن ننظر لهذا الحديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، بعض الناس يقول: «ليس من البر»، أنا أأخذ بعموم اللفظ، إذن هذا ليس من البر، إذن أنا عن نفسي لن أصوم في سفر، بل سأنكر على من أرى من الناس، على من أرى من المسافرين إذا صام في السفر: أن أنكر هذا «ليس من البر» بنص الحديث. «ليس من البر الصيام في سفر»، يقول: لا، ليس على هذا، وإنما انظر لسبب الحديث، ما هو سبب الحديث؟ سببه في قصة رجل ازدحم عليه الناس، صام، لكن تعب في صومه لدرجة أنه قد شق ذلك عليه، فأصابه من الإنهاك والتعب والجهد ما جعل بعض الناس يأتي عليه ويظلله. فلما رأاه نبينا ماذا قال؟ «ليس من البر الصيام في السفر». إذن هذا الحديث نعم هو عام، لكن اجعل هذا العموم على هذا الوصف: أن من تعب في سفره فهذا ليس من البر أن يصوم. إذن اربط بين اللفظ العام مع هذا السبب الذي يشابه غيره، فلا تأتي أنت للفظ العام فقط، تقول: «ليس من البر»، ليس من بر، ثم تأتي إلى كل أحد الذي يقدر والذي لا يقدر، والذي يستطيع والذي لا يستطيع، تلزمهم بهذا الحديث، لا، هذا لا يصح. وإنما عليك أن تربط هذا اللفظ العام بالسبب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في المقدمة مبينًا لهذه القاعدة وكيف توجه عند العلماء: قال رحمه الله تعالى: والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب -لفظ عام ورد على سبب- هل يختص بسببه أم لا؟ قال: فلم يقل أحد من علماء المسلمين: أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين. ما في هذا؟ كما قلنا: تفترض أن كل آية نزلت لسبب، تجعله فلان، ثم تذهب، فلان، ثم تقول: هنا ما ندخل في هذا الحكم، هذا خاص بفلان، يعني لا دخول في اللفظ، ولا دخول في القياس، أي انقطع هذا، ما قال به أحد أبدًا، ما قال به أحد أبدًا: أن نجعل وأن نحصر الآيات التي هي من سبب النزول أن تجعل أصحابها، ولا يدخل فيها أحد. ما قال به هذا أحد من العلماء. قال رحمه الله تعالى: فلم يقل أحد من علماء المسلمين: أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: أنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ما يشبهه. ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. انتبه، لا تجعل العموم على حسب اللفظ، وإنما العموم على حسب الوصف، على حسب الوصف الموجود ماذا بهذا السبب الخاص. إذن من رأيناه مثلًا في هذا الحديث: من رأيناه سافر وصام في سفره، ثم تعب، تعب، وبلغ به الجهد، وبه يغمى، ثم يستيقظ، ثم يغمى، يرش الماء، يقول: يا عبد الله، «ليس من البر الصيام في سفر». أطلق هذا الحديث في هذا الموطن هكذا، العبرة بعموم اللفظ، فهذا نفس ليس خاص بذاك الرجل في عهد نبينا، لا، ليس بواقعة معينة، بل يقاس عليه أشخاص، هل على عموم الأشخاص؟ لا، على عموم الوصف الوجود في تلكم الحادثة. وبهذا نربط بين هذه الأدلة. فهذا إخواني في الله مما يتعلق من المسائل السريعة حول هذه القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والمؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على دليل واحد، وهو دليل واضح جلي يدل على صحة القاعدة. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين: حديث ابن مسعود في قصة ذاك الرجل الذي لقي امرأة ففعل بها كل شيء إلا الجمع، ما وقعها، وما جاء معها، فذهب تائبًا إلى نبينا، فصلى مع رسول الله، وبعد الصلاة ذكر لنبينا ما وقع له، وأراد التوبة، فقال: «أصليت معنا؟» فأنزل ربنا هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. إذن الآية نزلت في قصة هذا الشخص الذي فعل هذه الفعلة. طيب فقال الرجل: يا رسول الله، أله خاصة أم هي عامة؟ قال: «بل هي عامة». إذن هذه الآية وإن كانت نزلت لأجل قصة شخص معين، حادثة وقعت، لكن ماذا أراد نبينا؟ أنها تأخذ محل العموم، كل من فعل ذنبًا فعليه أن يستغفر الله عز وجل، ويقبل على ربه تائبًا منيبًا، ويقبل على الصلاة؛ فإن ذلك من مكفرات الذنوب. وكذلك ما جاء في الصحيحين في قصة كعب عندما أصيب بالقوم الذي انتشر في رأسه، فأنزل ربنا جل وعلا: الفدية، فدية الكفارة. فقال كعب بعد ما نزل ربنا تلكم الآيات: من صيام أو صدقة أو نسك. فقال: هي لي خاصة ولكم عامة. هي لي خاصة ولكم عامة. وهذا مما فهم السلف منه من نصوص القرآن: أن الآية وإن نزلت في حق فلان، في قصة وقعت له، إلا أن حكمها يشمل الجميع، من كان على حالته، من كان على وصفه. فالحاصل إخواني في الله: فهذه القاعدة كما قلنا عليها جماهير العلماء. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.