شرح أصول في التفسير للعثيمين  21

شرح أصول في التفسير للعثيمين 21

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه

يناقش تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه، ويبين أن القرآن يوصف بأنه محكم في ألفاظه ومعانيه ومتشابه في كماله وغاياته الحميدة. يشرح أيضًا معنى الإحكام والتشابه في القرآن.

تفصيل الإحكام والتشابه في القرآن

القرآن يوصف بأنه كله محكم وكله متشابه، حيث يشير الإحكام العام إلى الإتقان، والتشابه العام إلى تشابه المواضيع والمضامين. بينما الإحكام الخاص يعني وضوح الدلالة، والتشابه الخاص يعني اشتباه المعنى وخفيته.

تعريف وتوضيح للإحكام والتشابه الخاص

يشرح معنى الإحكام الخاص والتشابه الخاص في القرآن، حيث يشير الإحكام إلى وضوح الدلالة، والتشابه إلى عدم وضوحها. يبين أن التشابه نسبي ويعتمد على فهم الفرد وليس مطلقًا.

خاتمة المبحث والدعاء

المؤلف يختم المبحث بطلب من الله أن ينفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن علم الله تعالى الأعظم. يعبر عن تواضع المؤلف واعترافه بعظمة الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القرآن محكم ومتشابه. هذا الفصل أعده المؤلف رحمه الله تعالى بهذا المبحث، وهي في الحقيقة مباحث عدة، سيتناول المؤلف رحمه الله تعالى خلالها ما تعلق بقضية الإحكام والتشابه الموجود في القرآن. وهذا الموضوع، المحكم والمتشابه في كتاب الله عز وجل، يعتبر من المسائل المهمة، ولا أدل على أهميتها مما يكون من تناول العلماء لها، إذ أن هذه المباحث جل العلوم تتلقاها بالنظر، وهكذا بالاستقراء والاستيعاب. فتجد مثل هذه المباحث موجودة في كتب العقيدة، وقد أشرنا معنا في «لمعة الاعتقاد» إلى هذه المباحث، وهكذا في علوم القرآن، كهذا المبحث الذي يتكلم عن هذا الفن وعن هذا الفصل، وهكذا في علم التفسير أيضاً، وهكذا في الأصول، أصول الفقه، من درس في أصول الفقه يرى هذه المباحث بادية أمام عينيه. إذن هذه المباحث من المباحث المهمة التي أصبح العلماء يذكرونها في شتى الفنون لأنها مسائل مهمة، والخلل في إدراك هذه المسألة يجر إلى خلل عظيم في دين العبد، فكان ينبغي التأمل في مثل هذه المسائل. قال مؤلف رحمه الله تعالى: يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع، أي ينقسم القرآن إلى محكم وإلى متشابه إلى أنواع ثلاثة. وهذا التفصيل لا بد منه لأنه به يزول ما يظن أنه تناقض في كتاب الله عز وجل، يزول بهذه القسمة الإشكال الذي ينقض عند بعض الناس، أنهم يظنوا أن في القرآن تناقض. وجه ذلك كما سيأتي من سياق المؤلف رحمه الله تعالى، تجد أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنه محكم، وأحياناً تجد آيات في كتاب الله عز وجل يجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن هذا القرآن متشابه، وأحياناً تجد أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنه منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه. إذن هذا إشكال صحيح سينقدح في بعض الناس، إذن كيف العمل؟ ربنا تارة يصف القرآن بأن كله محكم، وتارة بأنه كله متشابه، وتارة بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، فيكون عند إشكال عند بعض الناس. ما الذي يزيل هذا اللبس؟ أن تتعرف إلى هذه القسمة الثلاثية، أن القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، ومنه ما هو محكم ومتشابه. قال رحمه الله تعالى: يتنوع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: ﴿كِتَابًا أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، هنا وصف ربنا جل وعلا القرآن بالإحكام، كتاب أحكمت آياته، فكله محكم. قال: وقوله: ﴿أَلْفٌ لَا أُمَّرَأَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، وصف ربنا سبحانه وتعالى أن هذا القرآن هو كتاب حكيم من أوله إلى آخره، هو على هذا الوصف من الإحكام. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، إذن هذه الآيات الظاهرة أمامنا تجد أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنه محكم. قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ومعنى هذا الإحكام الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، فهو في غاية الفصاحة والبلاغة، أخباره كلها صدق نافعة، ليس فيها كذب ولا تناقض ولا لغو، لا خير فيه، وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه. إذن معنى وصف القرآن بأنه كله محكم هنا الإحكام بمعنى الإتقان. لأن كلمة الإحكام تأتي في اللغة بعدة معاني، الإحكام يدور على معنى المنع، تقول: أحكمت الشيء أو حكمت الشيء بمعنى منعته، ومنها سمي الحاكم حاكم لأنه يمنع من الظلم، لأنه مانع من الظلم. وأيضاً من معاني الإحكام الإتقان، أحكمت الشيء بمعنى أتقنته، فالإحكام بمعنى الإتقان، وهذا هو مراد في هذا الوصف القرآني. وربنا سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنه كله محكم بمعنى أنه متقن، غاية في الجودة، غاية في البلاغة، غاية في الفصاحة. وهل في ذلك شك؟ لا شك في ذلك، القرآن من أوله إلى آخره كتاب أحكمت آياته، بمعنى أتقنت آياته. النوع الثاني: وهو أن القرآن أيضاً يوصف بأنه متشابه، قال: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، إذا هذا الوصف الثاني أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن بالتشابه، قال: كتاباً متشابها. فإذا القرآن كذلك من وصفه أنه متشابه، قال: هنا ومعنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضاً، إذا وصف القرآن بالتشابه مأخوذ من الشبه وهي المثلية، بعضه يشبه بعض، أي بعضه يماثل بعض، فهو متشابه في الكمال والجودة والغايات الحميدة. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. أي ذكر ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن القرآن كله متشابه بنص القرآن، كتاباً متشابها، هنا التشابه بأن بعضه يشبه بعض في الكمال والجودة والغايات الحميدة، هذا قول. وكذلك قول آخر في التشابه أن القرآن كله متشابه بمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في مواضيعه وفي مضامينه. فتجد مثلاً هنا أمر وهنا أمر، هنا وصف الجنة وهنا وصف الجنة، هنا قصة موسى وهنا قصة موسى، هنا مسائل في التوحيد وهنا مسائل في التوحيد، يشبه بعضه بعضاً، هذا كذلك من التشابه. فالقرآن كذلك متشابه. إذن علمنا أن القرآن يوصف بأنه كله محكم، ويوصف بأنه كله متشابه. معنى أنه كله محكم بمعنى أنه متقن، هذا لا إشكال فيه. وأيضا القرآن كله متشابه بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا، بماذا يتشابه؟ وقع فيه من قال: وقع في الحيث الجودة والكمال، يشبه بعضه بعضا. وعلى هذا القول تجد أنه يلتقي مع الإحكام. ومنه من قال: أنه يشبه بعضه بعضا في مواضيعه وفي مضامينه، إذ أنه نفس الأحكام تتكرر، هنا أمر وهنا أمر، هنا نهي وهنا نهي، هنا خبر وهنا خبر، هنا وصف الجنة وهنا وصف الجنة، وصف النار وصف النار، لكن يختلف من أسلوب لأسلوب. فإذن هذا كذلك متشابه، هذا أيضا موجود في القرآن. إذن ما عندنا تناقض، ما عندنا تناقض. إذن وصف القرآن كله محكم باعتبار، وصف القرآن كله متشابه كذلك باعتبار آخر. النوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه والتشابه الخاص ببعضه، وهي الآيات التي جاء فيها أن القرآن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، وهذا الذي قد وجد في آية آل عمران، قال: مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. هنا تجد في هذه الآية في مطلعها يقول ربنا جل وعلا، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فهنا قسم ربنا القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه. إذن على ماذا؟ هذا باعتبار ثالث، باعتبار ثالث، القرآن كل محكم باعتبار، كل متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه، هذا باعتبار ثالث، لا تعلق له بما مضى، له اعتبار آخر. قال: ومعنى هذا الإحكام أن يكون معنى الآية واضحا جليا لا خفاء فيه. إذن هذا ما يسميه العلماء بإحكام خاص، إحكام خاص. وعندنا كذلك تشابه خاص. فالذي يوجد في آية آل عمران ليس الإحكام هنا بالإحكام الذي مضى، وليس التشابه المذكورة في هذه الآية بالتشابه المذكورة في الآية التي مضت، لا، هنا إحكام خاص وتشابه خاص. واختلف العلماء في تحديد ما المقصود بالإحكام والتشابه في هذه الآية، العلماء في ذلك أقوال عديدة، لا يسعى المقام لذكرها. لكن الإشارة بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: هو أن يكون معنى الآية واضحاً جلياً، يعبر به بعضهم: ما كان واضح الدلالة، ما كانت دلالته واضحة، هذا معنى الإحكام في هذه الآية. أن تكون الآية دلالتها واضحة معنى، واضحة كما عبر المؤلف رحمه الله تعالى: لا خفاء فيه. قال: مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، هذه الآية لو قرأها من قرأها من المسلمين لم يحتاج إلى تفكير، ومحتاج إلى مزيد تأمل، نظرة فاحصة، يعلم مضمون هذه الآية. كيف أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس من ذكر وأنثى لعلّة وهي التعارف فيما بينهم؟ أظن ما يحتاج هذا إلى مزيد بحث وتأمل، من قرأها الصغير والكبير، والعالم والعامي، قرأها يقرأ على هذا الوضوح، لا خفاء فيه، هذا يسمى ماذا؟ آيات محكمة، معنى محكمة، واضحة جلية، يعبر عنها به بعضهم: دلالتها واضحة الدلالة، من هذه الآية واضحة، لا لبس فيها. قال: وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، كذلك هذه الآية لو عرضت على أي أحد من الناس، لا علم من أول وهلا، أن هذه الآية فيها الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى. وهكذا قال: وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ما فهمك لهذه الآية؟ لقال لك أي السائل الذي ستسأله: يقول لك هذه الآية فيها دلالة على أن الله قد أباح البيع، ما يحتاج إلى مزيد بحث، وليس هناك حكم يقف على الناس، بل هنا النص فيها واضح. قال: وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، قال: وأمثال ذلك كثيرة، أي كثيرة جدا، من هذه الآيات التي دلالتها واضحة. إذن هذا هو المحكم. فأخبر ربنا جل وعلا أن في كتابه كما في هذه الآية، قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، معنى آيات محكمات بمعنى واضحات، هنا واضحات. فحاول أن تبعد الإحكام الذي قد مضى في قول ربنا جل وعلا: ﴿كِتَابًا أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، هناك أحكمت بمعنى أتقنت، الإحكام هناك بمعنى الإتقان. لكن هنا: ﴿وَمِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، هنا الإحكام ليس الإحكام هناك، هذا إحكام خاص، ما معنى الإحكام هنا؟ معنى الإحكام هنا بأنها ماذا؟ دلالتها واضحة. قال رحمه الله تعالى: ومعنى هذا التشابه وفي هذه الآية التي منه محكمات وأخر متشابهة، ما معنى التشابه هنا؟ قال رحمه الله تعالى: ومعنى هذا التشابه بأن يكون معنى الآية مشتبها خفيا، بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم الراسخ في العلم خلاف ذلك. إذن بهذا التعابير سنعرف الفرق بين الإحكام العام والتشابه العام، والإحكام الخاص والتشابه الخاص. الإحكام الذي وصف به القرآن كله بمعنى الإتقان، والتشابه الذي وصف به القرآن كله بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا. لكن عندما في آية آل عمران عندما أخبر ربنا أن القرآن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، ليس الإحكام يرجع إلى هذا، وليس التشابه يرجع إلى هذا، بل هنا لها معاني أخرى، ويسمى بإحكام خاص وتشابه خاص. ما معنى الإحكام الخاص؟ الإحكام هنا الذي يوجد في بعض القرآن وهو أن تكون دلالته واضحة. وأما التشابه الموجود في القرآن هو ما لم تتضح دلالته، ما لم تتضح دلالته. بعض الآيات لربما إذا قرئت على بعض الناس لربما ما يفهم المراد منها، ما يستطيع أن يفهم المراد منها، تجد أنه يحتاج إلى مزيد تأمل، إلى مزيد تفكير، يريد أن يرجع إلى بعض القرآن، يريد أن ينظر إلى بعض الأدل التي تسعفه على فهم هذه الآية. لماذا يفعل ذاك؟ لأن هذه الآية التي بين يديه متشابهة، معنى متشابهة أي لم تتضح دلالتها، لم تتضح دلالتها. إذن معنى هذه الآية: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، الإحكام هنا بمعنى أن من القرآن ما هي هناك آيات واضحة جلية، دلالتها واضحة. ومن القرآن ما لم تتضح دلالته، متشابه. من قرأ هذه الآية لن تشتبه عليه، تحتمل هذه الآية أكثر من وجه، يراد منها كذا، واحتمال يراد منها كذا، واحتمال يراد منها كذا، فاشتبه الأمر على الناظر. هذا نعم موجود، هذا موجود في بعض آيات القرآن، بنص القرآن: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فربنا ذكر هذا. طيب قد يقول قائل: ولماذا ذلك؟ هذا سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى، عقد فصلاً خاصاً لما الحكمة من وجود التشابه في القرآن، هذا سيأتي له فصل آخر. لكن هنا يهمنا أن نفهم المصطلحات. المؤلف رحمه الله تعالى عقد هذا الفصل كتمهيد، تمهيد لمسائل ستأتي في موضوع المحكم والمتشابه. أول مباحث هذا الفصل اهتم بضبط التعاريف، أن نعلم أن القرآن هناك إحكام عام، وهناك تشابه عام، وهناك إحكام وتشابه خاص. ونحن بصدد ما يتعلق بالخاص، هذا الذي وقعت فيه اللبس عند الجماعات وعند المذاهب والفرق والملل. قال رحمه الله تعالى: مثال فيما يتعلق بالله تعالى: أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، أن لله يدين مماثلتين لأيد المخلوقين. ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله تعالى: أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضا، حين يقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، ويقول في موضع آخر: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. هنا واضح اللبس الذي سيقع عند بعض الناس لرمي يقول: كيف الآية الأولى أن الله سبحانه وتعالى ذكر الحسنة من الله، وأما السيئة من نفسك؟ ثم في الآية الثانية ذكر ربه أن الكل من عند الله؟ إذن أين الصواب؟ يعني بعض اللبس يتوقف، لا أستطيع فهم المقصود بهذا. فهنا التبس الأمر على بعض الناس. إذن هذه آية مما أشكلت على بعض الناس، فهي عند الناظر الذي يلبسها يقول: هذه الآية عندي من المتشابه، تكون عنده من المتشابه. لكن الذي رسخ في العلم وقرأ الآية وعلم المراد منها، ما تكون عنده متشابه، تكون عنده محكمة. لهذا التشابه عند أهل السنة التشابه يكون نسبي، يكون نسبي، أي نسبة لبعض الناس دون الكل. قال رحمه الله تعالى: ومثال فيما يتعلق برسول الله: أن يتوهم واهم من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكا فيما أنزل إليه. أي لقوة تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، ربنا وصف رسوله بالشك. وإذن هذا كم يقال: ذريعة لكثير من أهل الأهواء من الكفار أن يطعنوا في عقل نبينا وفي تجيونه، وبل في عقيدة أنه كان فيها شك. فهل هذا المراد بهذه الآية؟ طبعاً ليس هذا المراد بهذه الآية، تشتبه على بعض الناس، تشتبه على بعض الناس. إذن هذا المبحث إخواني في الله المبحث الأول من المباحث المهمة، ويتعدى كتمهيد لما سيأتي من المباحث حول موضوع المحكم والمتشابه. أول هذه المسائل أن نتفطن ما معنى الإحكام وما معنى التشابه؟ القرآن وصف بأنه كله محكم باعتبار، ووصف بأنه كله متشابه باعتبار، ووصف أنه محكم ومتشابه باعتبار آخر. فكله محكم بمعنى متقن، هذا لا إشكال. وكله متشابه بأن بعضه يشبه بعضه، هذا لا إشكال. وأن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه بمعنى أن منه ما اتضحت دلالته ومنه ما لم تتضح دلالته، وهذا كذلك لا إشكال، لأن هذا وجد كذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى. مع التنبيه على أن التشابه يكون نسبيا، ليس كليا، لا يكون التشابه لآية عند جميع الخلق، وإنما هذا قد يكون عند بعض الناس دون بعضهم. أما التشابه الكلي فلا يكون البتة، لأن الله عز وجل أنزل القرآن بلسان عربي مبين واضح جليل. لكن بعض الناس الذي تنقصه العربية يقع عنده اللبس، فالاشتباه يكون عند الناظر، ليس في كتاب الله سبحانه وتعالى، وليس الدلالة موجودة، لكن تقف الدلالة على بعض الناس. ومؤلف رحمه الله تعالى مثل بهذه الأمثلة، لكن سيأتي في المباحث الذي ستأتي، سيعرج المؤلف رحمه الله تعالى على هذه الآيات أو على هذه النماذج الذي قد اشتبه أمره على الناس، وسيأتي ويبين ما المراد منها. فالدلالة على أن الأمر قد يلتبس عند بعض الناس، ولكن لا يلتبس عند الكل. هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا المبحث. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.