الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل موضوع تفسير القرآن من قبل التابعين وأهمية أقوالهم في التفسير، مع ذكر ميزات تفسيرهم واعتماد العلماء عليه.
يبرز هذا الفصل أهمية تفسير التابعين من أهل مكة والمدينة والكوفة، مع التركيز على مجاهد بن جبر المكي وتفسيره المعتمد.
يتحدث هذا الفصل عن ترجمة مجاهد بن جبر وقتادة بن دعامة السدوسي، مع ذكر أهمية علمهما ومكانتهما بين العلماء.
يشير هذا الفصل إلى إلمام التابعين بكتاب الله عز وجل وفقههم العظيم له، مستشهدًا بشهادة أحد التابعين على سعة علمهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف - ونعني به الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى - في رسالته «فصول في التفسير»، قال رحمه الله تعالى: المشتهرون بالتفسير من التابعين. بعدما ذكر رحمه الله تعالى الفصل السابق، والذي عنوانه بقوله: المشتهرون بالتفسير من الصحابة، عرج إلى هذا الفصل، وهو على ما يليه، إلا أنه يتعلق بتفسير التابعين، فقال: المشتهرون بالتفسير من التابعين. وهذه إشارة لما صرح به سلفًا رحمه الله تعالى، عندما ذكر وبين ما هي أحسن الطرق التي يفسر بها القرآن، فذكر أنها تقوم على أربعة مراحل، أول ما يفسر القرآن بالقرآن، فإن لم تظفر على شيء فعليك بالسنة، فإن لم تستطع أن تهتدي لها سبيلًا فعليك بتفسير الصحابة، فإن لم تستطع لا على هذا ولا على ذاك، فلا أقل من أن تبحث عن تفسير التابعين. وهذه تعتبر من أحسن طرق التفسير، أنك تنتقل من مرحلة إلى مرحلة إلى مرحلة التابعين. فكان من المؤلف رحمه الله تعالى أن يعطيك إشارة إلى بعض التابعين الذين لهم السبق في تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى. وهل معنى ذلك عندما نقول: إن تفسير التابعين من أحسن طرق التفسير؟ هل معنى ذلك أنهم حجة يحتج بهم؟ الصحيح: لا. ولهذا قال شعبة رحمه الله تعالى: إن أقوال التابعين ليست بحجة في الفروع، فكيف تكون الحجة في التفسير؟ هكذا قال رحمه الله تعالى. قال: إن تفسير التابعين - يعني وشعبة - على مسألة الفروع، قال: إذا كان أقوال الفقهاء أو أقوال التابعين ليست بحجة في الفروع، فكيف يكون حجة في التفسير؟ وهذا صحيح، لا يمكن أن يكون حجة في التفسير، إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر مسألة، متعقبًا على قول شعبة، قال: إلا إذا اتفقوا على تفسير آية، فكأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى أن التابعين إذا أجمعوا على تفسير آية، فحينئذ يكون هذا التفسير منهم حجة، لا ينازع ولا يخاصمهم فيها أحد، هكذا قال رحمه الله تعالى. عندما ذكر أثر شعبة في أن تفسير التابعين ليس بحجة، إلا أنه رحمه الله تعالى قال: إلا إذا اتفقوا أو أجمعوا على تفسير آية، فحينها يكون تفسيرهم حجة. لكن تأتي مسألة، وهذه أشار إليها بعض العلماء، قال: تنزلًا على قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن أقوال التابعين إذا اجتمعت على تفسير آية يكون هذا التفسير منهم حجة، بقي مسألة: هل هذا حاصل؟ هل هذا واقع؟ هل عندنا آية يمكن أن نقول: التابعين قد أجمعوا عليها؟ هذا محل إشكال، لأن من العلماء من يقول: ما ظفرنا إلى الآن على آية تم التابعين أجمعوا عليها، فمسألة مسألة نظرية. لكن القول كما قال شيخ الإسلام: إذا عثرنا على أن التابعين كلمتهم قد تواترت على تفسير آية على نحو معين، فالقول قولهم، أما إذا اختلفوا فلا يكون قولهم حجة، أما إذا اختلفوا فلا يكون قولهم حجة، وإنما يأتي الدليل فيرجح هذا عن ذاك. فهذا ما يتعلق بأمر التابعين، إلا أن تفسيرهم مقدّم على غيرهم، فتفسير التابعين أفضل ممن جاء بعدهم، لأن تفسيرهم تمتع بعدة مزايا. تفسير التابعين تمتع بمزايا لم توجد فيمن جاء بعدهم، من هذه المزايا التي تمتع بها تفسير التابعين: أولًا، سلامة المعتقد، ولهذا كان تفسيرهم معتمدًا في باب الاعتقاد. وأيضًا كذلك مما يذكر أن تفسيرهم مما ينظر فيه أنه اجتمع على ألفاظ قليلة ويحتوي على معاني كثيرة، تمر معنى، كما قال قتادة: تجد أن تفسيرهم ما يتعدى سوى كلمات قليلة، يبينون فيها معنى آية، فتجد أن تفسيرهم عبارة عن كلمات قليلة، إلا أنه احتوى على معاني عظيمة. وأيضًا ثالثًا: أنهم كذلك يعتمدون في تفسيرهم على اللغة، يعتمدون على تفسيرهم في اللغة، بخلاف غيرهم. فهذه مزايا تمتع بها تفسير التابعين، وهي أفضل من غيرهم. قال رحمه الله تعالى: المشتهرون بالتفسير من التابعين، قال: اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، فمنهم أهل مكة، وهم أتباع ابن عباس، لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه استقر به الحال في مكة، وجلس للتعليم، فكون نخبة من طلاب العلم ممن أخذوا التفسير عنه، ثم بثوه هنا وهنالك. قال: وهم أتباع ابن عباس، كمجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح. وهذا ليس من باب الحصر، وإنما من باب التمثيل، وإلا كذلك من أتباع ابن مسعود في باب التفسير سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وهكذا طاوس بن كيسان اليماني، وهو كذلك من طلاب ابن عباس، فهم جماعة. قال رحمه الله تعالى: أهل المدينة، وهم أتباع أبي بن كعب، كذلك في المدينة اشتهر بالتفسير أبي بن كعب، فكان يدرس وكان يفسر، ولهذا كون نخبة من طلاب العلم أخذوا التفسير من عنده. قال: وهم أتباع أبي بن كعب، كزيد بن أسلم وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي، ومن هؤلاء من أخذ التفسير مباشرة عن أبي، ومنهم من أخذه بواسطة. قال رحمه الله تعالى: أهل الكوفة، وهم أتباع ابن مسعود، وقد مر معنا في ترجمة عبد الله بن مسعود كيف أن الحال قد استقر به في أرض العراق، وهناك درس وكون كذلك جماعة من تلاميذه من أهل الكوفة خاصة، أخذوا العلم عنه، بل حتى تأثروا في مسلكه. فكان ابن مسعود ممن يعرف أنه يشتهد بالرأي، فكان من طلابه من اشتهر كذلك برأيه. قال: وهم أتباع ابن مسعود، كعلقمة والشعبي، وهكذا الأسود بن يزيد، وهكذا الحسن البصري، كل هؤلاء يعتبرون من طلاب ابن مسعود. قال: فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء، مجاهد وقتادة. وكما سبق أن المؤلف رحمه الله تعالى يذكر العنوان العام، ثم يعرج على بعض الأمثلة، فهنا مثل باثنين ممن اشتهر بالتفسير من التابعين، مجاهد وقتادة. قال رحمه الله تعالى: مجاهد، هو مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، وكنيته أبو الحجاج، ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. روى ابن إسحاق عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها. وهذا يدلك على جلالته، إذ أنه قرأ القرآن بل وفسر القرآن من أوله إلى آخره عند ابن عباس، يسأله عند كل آية ويوقفه عند كل آية، بل حتى في بعض الأوقات قال: يسأله متى أنزلت؟ وكيف أنزلت؟ فكان يستفصل معه حول الآيات وما يتعلق بأسباب النزول، فكان على علم عظيم. قال: وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، أي يكفيك ويغنيك عن غيره، إذا ظفرت بتفسير مجاهد رحمه الله تعالى، التفسير الذي يتصل بإسناد صحيح إليه، فحسبك بهذا التفسير، فإنه يغنيك عن غيره، لأن مجاهد إنما أخذ التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قال: واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، ويدلك على جلالته وعلى حجته عند السلف، قال: وكان كثيرًا ما ينقل عنه في صحيحه. وقال الذهبي في آخر ترجمته - وهذا في كتاب «الميزان» - ذكر هذا في كتاب «الميزان»، قال: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، وهذا بالاتفاق، أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، إذ أنه ممن أخذ العلم الوفير عن ابن عباس، وكان حجة رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال: توفي في مكة وهو ساجد سنة أربع ومئة، عن ثلاث وثمانين سنة، رحمه الله رحمة واسعة. فهذا ما يذكر عن مجاهد رحمه الله تعالى وعن مقامه وعن رسوخ قدمه في باب التفسير. إلا أنه كعادة البشر، تأخذ عليه أشياء وتنتقد عليه أشياء، فمما أخذ عليه رحمه الله تعالى ما يتعلق بالرواية عن أهل الكتاب والأخذ عن الإسرائيليات. وقد مضى ذلك أكثر من مقام، أن هذه ليست تهمة دائمًا، كل من رأيناه يعني يأخذ من أهل الكتاب يطعن أو يغمز في علمه، لا ليس كذلك. فمجاهد رحمه الله تعالى إن أخذ فإنه يأخذ بالقدر اليسير والنزر اليسير الذي لا يؤثر. وكذلك هو يأخذ مما ليس من أهل الكتاب مما يؤثر في عقيدتنا، فجاءت الأحاديث الصريحة من نبينا على جواز التحديث عنهم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». فهذا إن شاء الله كما مر ذلك معنى في حق ابن عباس رضي الله تعالى عنه، في أنه كيف يحدث عن بني إسرائيل؟ فيقال: إنه حدث عنهم فيما ليس فيه اعتقاد، وإنما كان يأخذ عنهم في باب الأخبار وفي باب القصص، وهذا لا يؤثر في حق الناقل. وهكذا مجاهد رحمه الله تعالى. وأيضًا مما أخذ على مجاهد أنه أحيانًا يسترسل في الاجتهاد، أي يجتهد في تفسير آية، وهنا مكمن الخطأ، لأن اجتهاده أحيانًا يوفق إليه، وأحيانًا ينتقد عليه، ويكفيك إشارة إلى هذه الآيات التي انتقدها العلماء عليه، كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وهكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُبْعَثُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، في تفسيره للمقام المحمود له تفسير انتقد عليه، لأنه من تفسيره الاجتهاد، لكنه أخطأ رحمه الله تعالى، وانتقد ذلك عليه. قال رحمه الله تعالى: قتادة، أي هذه الشخصية الثانية من التابعين ممن اشتهر بالتفسير، قال: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ولد أكمه - أي أعمى - سبحان الله، إمام في العلم وإمام في التفسير، وقد ولد أعمى كفيف البصر رحمه الله. قال: ولد أكمه - أي أعمى - سنة إحدى وستين، وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية، وهذا الذي أعانه في طلب العلم. قال: حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أعد لي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي. انظر لقوة الحفظ، ما طلب يومًا من الدهر من شيخ من مشائخه أن يعيد له مسألة أو رواية أو خبر، يكفيه المرة الأولى، متى ما سمع شيئًا ما سرعان ما يحفظه. وأيضًا كذلك ليس فقط حفظ، بل كذلك إدراك، قال: وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي، إدراك الفهم. فكان أوتي سبحانه رحمه الله تعالى قوة في الحفظ وقوة في الإدراك. قال رحمه الله تعالى: وذكره الإمام أحمد، فأطنب في ذكره - أي امتدحه - رحمه الله تعالى، فأطنب في ذكره، فجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قل ما تجد من يتقدمه. أما المثل فلعل - أي يقول رحمه الله تعالى - أنك قلما، بل قد بالكاد أن تجد من يتقدم عليه في باب التفسير، أما ينافسه نعم قد تجد من ينافسه، لكن يتقدم عليه هذا قل من يتقدم عليه في هذا الباب. وهذه شهادة من الإمام أحمد رحمه الله تعالى في فضيلة هذا الرجل ورسوخ قدمه في باب التفسير. قال: وقال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئًا إلا حفظه. وتوفي في واسط سنة سبع عشرة ومئة، عن ست وخمسين سنة، رحمه الله تعالى. وأيضًا هو كذلك يخبر عن نفسه ومقدار علمه بكتاب الله عز وجل، ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى بسند صحيح أنه قال عن نفسه: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا، أي ما من آية من كتاب الله إلا ولي فيها سلف، ولي فيها سماع من الصحابة رضي الله تعالى عنه، فدل ذلك على إلمامه بكتاب الله سبحانه وتعالى. فهذه نماذج أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى، ويدل على ما يتعلق بعظيم فقه التابعين رحمه الله تعالى لكتاب الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.