شرح أصول في التفسير للعثيمين  19

شرح أصول في التفسير للعثيمين 19

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نبذة عن عبد الله بن عباس وصفاته

عبد الله بن عباس هو ابن عم النبي محمد، تميز بصفات جعلته من أبرز العلماء في الإسلام، منها ملازمته للنبي ودعاء النبي له. كان حريصًا على طلب العلم ويحضر مجالس عمر بن الخطاب.

مكانة ابن عباس العلمية وفقهه

كان ابن عباس يُعتبر من أعلم الناس بتفسير القرآن وكان يُدرس مختلف العلوم الإسلامية مثل التفسير والحديث والفقه. آتاه الله علمًا غزيرًا جعله آية في العلم.

التحقق من روايات ابن عباس وصحتها

يتناول هذا الفصل مسألة صحة روايات ابن عباس، حيث يُبين أن ابن عباس كان يحذر من الأخذ عن أهل الكتاب وأن رواياته عنهم كانت في أمور لا تؤثر على الدين. كما يُبرز صحة سلسلة رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

انتقاد كتاب التفسير المنسوب لابن عباس

انتقد أبو طاهر الكتاب المنسوب لابن عباس بسبب عدم صحة السلسلة المعتمدة فيه، مشددًا على أهمية التحقق من صحة الروايات عند تأليف الكتب الدينية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عبد الله بن عباس، وهو في هذا الصدد بذكر بعض الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، ومضى معنا ما يتعلق بعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهنا ثلث المؤلف رحمه الله تعالى بعبد الله بن عباس، حيث إنه ممن اشتهر برواية التفاسير. قال رحمه الله تعالى: هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن اسمه عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، وصلته بنبينا أنه ابن عمه رضي الله تعالى عنه. قال: ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وبالتحديد قال علماء: كانت ولادته رضي الله تعالى عنه ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه في الشعب، أي في شعب بني طالب، كما في السيرة، عندما حوصر من قبل الكفار، ففي تلك الفترة كانت ولادة ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قال: لازم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ابن عمه، فلصلة القرابة استطاع أن يلازم النبي أكثر من غيره، وكان هذا سببا، بل من أعظم الأسباب التي جعلت ابن عباس رضي الله تعالى عنه ينبل في باب العلم، فكان من أعظم الأسباب الملازمة، وذلك لصلته بنبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أنه يلازمه في غالب أوقاته، فتحصل من العلم ما لم يتحصل لغيره. قال: وخالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك له قرابة بنبينا من جهة أخرى، فالجهة الأولى أنه ابن عمه، والجهة الثانية أن خالته هي ميمونة، وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أن ابن عباس أمه اسمها لبابة بنت الحارث، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه الصلاة والسلام، إذن فخالة ابن عباس هي زوج النبي عليه الصلاة والسلام، إذن هو له عدة صلات يتصل بها بنبينا عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك أداه إلى أن يخالط نبينا عليه الصلاة والسلام، فاستفاد منه أن يأخذ من علمه حيث ما استطاع أحد أن يدخل عليه بمثل دخوله رضي الله تعالى عنه. قال: وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة، وفي رواية: الكتاب، كما جاء ذلك في الصحيح، وقال حين وضع له وضوءه: اللهم فقه في الدين، فكان بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه، وهذا كذلك من الأسباب، وهو السبب الثاني من أسباب نبوغ ابن عباس رضي الله تعالى في العلم، وهي بركة دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام. فكان نبينا مستجاب الدعاء، فدعا لابن عباس بأن الله سبحانه وتعالى يعطيه العلم، ويعطيه الحكمة، ويعطيه الفقه، فكان الأمر كما أراد وكما دعا عليه الصلاة والسلام، فإذا بابن عباس أصبح حبر الأمة رضي الله تعالى عنه. قال: فكان بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه، حيث وفقه الله تعالى الحرص على العلم والجد في طلبه والصبر على تلقيه وبذله، فنال بذلك مكانا عاليا. وهذا كذلك السبب الثالث من أسباب نبوغ ابن عباس في العلم، الجد والحرص، إذن هناك أسباب عديدة تعتبر عوامل معينة لابن عباس في نبوغه في باب العلم، أولاها كثرة الملازمة، وجاء ذلك من اتصاله ونسبه وقرابته، الأمر الثاني ما كان من بركة دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام، والأمر الثالث ما كان من جده وتحصيله. له قصص رائعة تدل على جده في طلب العلم، ربما كما يحكي ذلك عن نفسه أنه وجد أن العلم يكثر في الأنصار، يكثر في معاشر الأنصار، فكان ربما يأتي عند أحدهم إلى بيته فيجده نائما، يجد هذا الأنصاري الذي يريد أن يسأله عن دينه يراه نائما، قال: وهو قادر على إيقاظه، قادر على إيقاظه، لكن ما يريد ذلك، قال: فأنام عند عتبة بيته، يفترش وينام، قال: حتى يقوم صاحب البيت، ثم يقوم بسؤاله. وكان بلغ جده وبلغ من المثابرة الشيء العظيم، حتى بارك الله في هذه الجهود، فأثمر هذا العلم الذي وجد عند هذا الحبر رضي الله تعالى عنه. قال: فنال بذلك مكانا عاليا، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه ويأخذ بقوله. فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ لأن ابن عباس كان صغيرا جدا، من باب الفائدة، توفي نبينا صلوات ربي والسلام عليه، وكم كان عمر ابن عباس؟ قيل: ثلاثة عشر سنة، وقيل: خمسة عشر سنة، يعني توفي نبينا وهذه المناقب قيلت في حقه في هذا السن، في سن الصغر. وتوفي نبينا على أقل قيل: على ثلاثة عشر سنة، وقيل: على خمسة عشر سنة، بهذا السن الصغير توفي نبينا وابن عباس على ذلك، فكان مع صغر سنه، لكن كان قد نبغ نبغا عظيما في باب العلم، لدرجة أن ابن عمر وهو في إمارته كان يستشيره، وكان يأخذ بقوله، حتى وقع ذلك في بعض الناس، وفي قلوب بعض الصحابة: كيف هذه المجالس الكبيرة يحضرها الأشياخ والمشايخ، إذ ابن عباس الصغير يحضر معهم؟ فقالوا: يا عمر، إذا كان أمر كذلك، ندعو أبناءنا، أنا عندي أولاد، وهذا عند أولاد، فنأتي بأولادنا في هذه المجالس يحضرون بركة المجلس. فأراد عمر رضي الله تعالى أن ينبه هؤلاء أن ليس السر في إدخال ابن عباس من باب البراءة أو الطفولة أو حضر بركة المجلس، لا، إنما أراد أن ابن عباس عنده من العلم ما يؤهله أن يجالس الكبار ويجالس المشايخ والأشياخ. فقال رحمه الله تعالى: فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم: ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول، أي هذا من صفات ابن عباس الذي كان تعينه على طلب العلم السؤال، وهكذا الفهم والعقل. قال: ثم دعاهم ذات يوم فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه، فأراد ابن عمر أن يبرهن للناس ومن كان في مجلسه الأهلية التي كان يتمتع بها ابن عباس من الناحية العلمية، فأدخل الجميع ومنهم ابن عباس في هذا المجلس، وأراد أن يبين للناس فضل ابن عباس في باب العلم وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى. فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، سؤال طرح في المجلس، ما حد علمكم بمعنى هذه الآية وبتأويل هذه الآية؟ قال: حتى ختم السورة. فقال بعضهم: أمرنا أن نحمده عز وجل ونستغفره إذا فتح علينا. وسكت بعضهم، بعضهم أخذ بظاهر النص أن معنى متى ما فتح علينا فتح الله لنا الديار والأمصار، علينا أن نكثر من تسبيح الله واستغفاره، بعضهم هذا حد، قال: ظاهر الآية يدل على ذلك، وبعضهم سكت، سكت ما عنده مضمون هذه الآية وما تدل عليه من معاني. قال: وسكت بعضهم، فقال عمر لابن عباس: أكذلك تقول؟ فقال: لا. قال: فما تقول؟ قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فكذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. أي انظر لفقه ابن عباس، ابن عباس فهم من هذه الآية فهما لم يفهمه من كان في المجلس، وما هي هذه الآية؟ هذه الآية ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يقول علماء من أهل التفسير أنها اجتمعت على بشارة وعلى أمر وعلى دلالة، دلالة بعد حصول الأمر والعبارة فيها أن الله عز وجل سيفتح مكة لنبينا، ويفتح كذلك الأمصار والديار والبلدان بأيدي المسلمين، فهي بشارة، ثم أخبر ربنا جل وعلا أن هذه البشارة هي بحد ذاتها تحمل إشارة إلى قرب وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام، فأمر ربنا نبينا من خلال هذه الآية أن يستعد للقاء الله عز وجل، وذلك بأن يكثر من التسبيح والاستغفار. ووجه ذلك هنا تأتي فائدة، لماذا أمره ربنا بالإكثار من الاستغفار في وقت قرب منيته؟ قال علماء: لأن عمر النبي عليه الصلاة والسلام عمر فاضل، عمر فاضل، ولا أدل على فضيلة عمر النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن الله جل وعلا أقسم بعمره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فعمره صلوات ربي وسلامه عليه عمر فاضل، والمعهود أن الشيء الفاضل إذا ختم يختم باستغفار، الشيء الفاضل الذي له أفضلية عند الله إذا ختم يختم باستغفار، كما في مناسك الحج تختم بالاستغفار، كما في باب الصلاة إذا سلمت أستغفر الله، أستغفر الله، الأعمال الفاضلة تختم بالاستغفار. وبما أن عمر النبي من الأعمار الفاضلة، وعمره فاضل، فأمره ربنا جل وعلا أن يختم عمره بالاستغفار: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، هذا فقه ما الذي دار به ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ما كان أحد في المجلس يشتبه بهذه المعاني الموجودة في هذه السورة. فلما سمع عمر من ابن عباس هذا التأويل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم، أي هذا كذلك الذي أنا أعلمه، انظر لفضل وعلم عمر، كيف استطاع ابن عباس أن يكون كمستوى عمر في الفهم؟ فدل ذلك على فضيلة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وأنه مع صغر سنه إلا أن الله سبحانه وتعالى آتاه الحكمة وآتاه كذلك الفقه في الدين. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لئن نعمة رجل القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد، أي ما كان مفضلا له، هذا معنى ابن عباس عاش بعده ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم؟ وقال ابن عمر لسائل سأله عن آية: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه شواهد، وإلا الآثار كثيرة وكثيرة جدا، تدل على فضيلة ابن عباس وفقه في الدين رضي الله تعالى عنه، بشهادة الجميع من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: وقال عطاء: ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس، فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده يصدرون كلهم من واد واسع. ذكر ذلك أهل السير أن المجالس كانت تطرح لابن عباس من بعد الفجر، وكان يأتي المنادي فيقف عند الباب ويقول: من أراد أن يتعلم تفسير القرآن فيدخل على ابن عباس، فيدخل في أفواج من الناس، ما يأخذون منه إلا التفسير، ثم يخرجون، فينادي المنادي: من أراد أن يطلب الحديث فليدخل على ابن عباس، فتأتي أفواج من الناس يطلبون منه الحديث فيحدث به. فإذا خرجوا ينادي المنادي: من أراد الفقه في الدين فليدخل على ابن عباس، وهكذا حتى يصل إلى باب التاريخ وإلى باب السير، بل إلى باب اللغة والأشعار، تذهب في أفواج وترجع في أفواج، تذهب في أفواج وترجع في أفواج، وكلهم جامع، كأنه جامعة لوحده رضي الله تعالى عنه، يعطي هذا ويعطي ذاك ويعطي ذاك، لماذا؟ لتمكنه من العلم الذي آتاه الله سبحانه وتعالى. فكان آية من آيات الله في هذه الدنيا، حيث إن الله عز وجل أعطاه ما لم يعط أحدا من الناس، ماذا؟ من هذا العلم الغزير، إلا من شاء الله سبحانه وتعالى. قال: يصدرهم كلهم من واد واسع. وقال أبو وائل: خطبت ابن عباس وهو على الموسم، أي والي على موسم الحج، من قبل عثمان رضي الله تعالى عنه، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت. أي من شدة تفسيره واستخراج المعاني والوعظ الذي آتاه الله لهذا الصحابي الجليل، أن لو حضر من حضر من الكفار من الفرس والروم والترك لربما أسلموا من شدة وعض ابن عباس وتفسيره لكلام الله سبحانه وتعالى. قال: وولي عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وولي علي على البصرة، فلما قتل مضى إلى الحجاز، فقام في مكة، ثم خرج منها إلى الطائف، فمات فيها سنة ثمان وستين، عن إحدى وسبعين سنة. هذا خلال في الله ملخص ما يذكر عن ابن عباس، قيل: حتى إنه لما توفي رضي الله تعالى عنه، الذي قام بدفنه وهو محمد بن الحنفية رحمه الله، رضي الله تعالى عنه، حتى لما كان يواري التراب على جثته، كان يقول: مات اليوم والله حبر هذه الأمة، مات اليوم والله حبر هذه الأمة. واشتهر ابن عباس، وكما سيأتي: بأنه تلاميذ تخرجوا على يده، من أمثال مجاهد، ومن أمثال سعيد بن جبير، وطاووس، ومن كيسان اليماني، وجماعة من أئمة الحفظ من التابعين وأتباع التابعين، تخرجوا على يد ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ممن تتلمذ على يده. ومن أهم ما يذكر، وهذا يناسب ذكره في هذا الفصل وفي هذا المبحث عما يتعلق برواية ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أخذ من أخذ عليه، ممن ينتقد على ابن عباس في روايته للتفسير: أنه كان يتكئ ويتكل على روايات أهل الكتاب، على روايات أهل الكتاب. لكن بعضهم لم يكتف بأنه يرجع إليهم، بل بعضهم يرى أنه قد توسع في هذا الباب توسعا، وأن ابن عباس يكثر بإسهاب وبإطناب يأخذ عن أهل الكتاب كل ما هب ودب، ينقل عنهم، وحتى قام بهذه الدعوة بعض المستشرقين، بعض المستشرقين ممن حمل أقلام الحقد على الإسلام والمسلمين، أخذ يؤلف بعض الكتب، ويدلل فيها على ابن عباس ممن انشغل بالأخذ عن أهل الكتاب، وأنه توسع في هذا المضمار. ثم قام من قام من بعض المعاصرين وتابع هذه الدعوة، والرد على هؤلاء لا يسع المقام لذكره، لكن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وليس بهذه الصورة كما يصوره بعض الناس من المبالغة في أنه يأخذ كل ما هب ودب، وأنه يكثر ويتوسع في الأخذ عنهم، لا، ليس كذلك، ابن عباس رضي الله تعالى له كلمات مأثورة، كلمات ثابتة عنه: أنه كان يحذر من الأخذ عن أهل الكتاب. وقد جاء ذلك مصرحا في صحيح البخاري، حيث قال رضي الله تعالى عنه محذرا من الأخذ عنهم: يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب، يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه، لم يشب، بمعنى لم يختلط بغيره، لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، إلى آخر عبارته. وقالها: جاءت في صحيح البخاري، فحواها ومضمونها: أن ابن عباس يحذر أهل الإسلام من الأخذ عن أهل الكتاب، إذن ما الذي حمل وقد وجدنا في كتب التفاسير عن بعض الروايات جاءت عن ابن عباس أنه أخذ من أهل الكتاب؟ يقول علماء: أن ابن عباس إنما كان يأخذ من أهل الكتاب ما ليس من أصول الدين ولا من فروعه، ما ليس من أصول الدين ولا من فروعه. تجد أن الذي أخذ عن ابن عباس أنه كان يسأل أهل الكتاب فيما يتعلق بالقصص وما يتعلق بالأخبار الماضية، وهذا لا يؤثر على دين العباد، فما أخذ أصول الدين، وما أخذ كذلك التشريع ولا الأحكام منهم، وإنما كان يأخذ من باب الأخبار، ويأخذ من باب القصص، وهو مع ذلك يتحرى ما يوافق الشريعة. وقد مر معنا التعامل الصحيح مع روايات الإسرائيليات: أن منها ما يؤيد، ومنها ما هو يخالف، ومنها مسكوت عنه، ومسكوت عنه: لك أن تحدث عنه كما قال نبينا: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وهذا رد موجز لهذه المسألة، وإلا قد تكلم العلماء وأسهبوا في الرد على من زعم أن ابن عباس يأخذ بكثرة من أهل الكتاب، وأنه لا يمحص الرواية في هذا الباب، لا، بالعكس، بل إنه كان يحذر من الرواية عنهم. لكن إن أخذ عنهم، فإنه يأخذ في مضمار معين، إما في باب القصص والروايات، وهكذا في باب الأخبار الماضية. وختاما لهذه المسألة ننبه كذلك ما نبهنا عليه من سبق من الصحابة في باب المرويات: أن ابن عباس رضي الله عنه له أسانيد صحيحة تروى عنه، اعتمدها العلماء، وبالمقابل له روايات ضعيفة تنتقد من هذا الباب. والروايات الصحيحة التي جاءت عن ابن عباس كثيرة، لكن نبه على رواية مشهورة وهي شهيرة اشتهرت في كتب التفاسير، وهي الرواية التي جاءت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهذا دائما ونحن في قراءة لتفسير من كثير، تجد أنها تكثر لدينا هذه السلسلة: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، دائما تمر علينا، وابن كثير رحمه الله تعالى يكثر منها، فما صحت هذه السلسلة؟ هذه السلسلة تعتمد من السلاسل الصحيحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، إلا أن بعض الناس انتقدها لأن فيها انقطاعا، لأن فيها انقطاعا، إلا أن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فالرأي على هذه المسألة يقال: إخواني في الله، أن هذا لا يضر، أولا لأن العلماء من المحققين قد صححوها وقبلوها، وعلى رأس هؤلاء البخاري رحمه الله تعالى، كان يعرج على هذه السلسلة ويأخذ منها. فكم من تفسير أثر عن ابن عباس في البخاري جاء من هذا الطريق: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فالبخاري اعتمدها، ويكفيك بالبخاري حجة في هذا الباب، وهكذا إمام السنة إمام أحمد رحمه الله تعالى، كان يعتمد هذه السلسلة، بل له عبارات صريحة: أنه يمتحنها، حيث قال رحمه الله تعالى: بمصر صحيفة رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا. أي لو أنك ارتحلت من بلدك من عراق أو من أي جهات الأرض إلى مصر لكي تأخذ هذه الصحيفة، ما بذل من هذا السفر لنيل هذه الصحيفة ما يعد هذا كثيرا لفضل هذه السلسلة، وهذا إشعار من إمام أحمد رحمه الله تعالى لعظم هذه السلسلة. أما الانقطاع فقد أجاب عن ذلك الحفاظ، فقد صرح بذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أن السلسلة المنقطعة من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو مجاهد، هو مجاهد، هو الذي سقط من السلسلة، فهو مجاهد معروف ثقة من ثقات المسلمين. فلا يضر وجوده، ولا يضر حذفه إذا علمت الواسطة، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة، فلا ضير في ذلك، ما يضرنا شيء إذا علمنا أو لم نعلمه، ولم يظهر لنا، لكن إذا علمنا أنه هو الساقط وهو ثقة، فلا يضر هذه السلسلة شيئا. وبالمقابل كذلك إخواني في الله، هذا ما يتعلق بأصح الطرق، وهناك طرق كثيرة، لكن ما نتوسع فيها. بقي مسألة كذلك: هناك طرق بالمثل رواية عن ابن عباس، إلا أنها ضعيفة متهالكة لا تصح، ينبغي أن تنبه منها، ومن ذلك طريق عطية العوفي عن ابن عباس، عطية العوفي عن ابن عباس، هذا طريق واهية لا تصح، وكذلك طريق أخرى وهي من طريق محمد بن السائب، محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، هذه السلسلة متهالكة، سلسلة ضعيفة، مفترى على ابن عباس رضي الله تعالى عنه. ومن هنا تأتي مسألة: أن هناك تفسير ينسب لابن عباس اسمه تنوير المقباس فيما أثير عن ابن عباس، تنوير المقباس ومشهور بتفسير ابن عباس، وهو مطبع، هذا الكتاب موجود في بعض الديار، لكن انتبه من هذا الكتاب، وهذا الكتاب بعد التفحص، وهو طبعا هذا الذي ألفه أبو طاهر الفيروز أبادي، أبو طاهر الفيروز أبادي هو ألف هذه الرسالة، وحاول أن يقلل روايات الموجودة عن ابن عباس، لكن بعد التدقيق والنظر في هذه الروايات المأثورة عن ابن عباس: أنها جاءت من هذه السلسلة محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس، وهي كما سمعت طريق متهالكة. فأبو طاهر اعتمد تأليف هذا الكتاب أن انتقى هذه الروايات كلها، ثم جمع في هذا الكتاب الذي ينسى لابن عباس لتفسيره، فهو كتاب لا يصح، لأن السلسلة المعتمدة فيه هي لا تصح. فهذا إخواني في الله المسائل المتعلقة بابن عباس وما أخذ منها، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.