الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع الأول يقدم تعريفاً بعبد الله بن مسعود، أحد الصحابة المتميزين في التفسير، حيث ذكر نسبه وصفاته وسابقته في الإسلام. كما أشار إلى تلقيه القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وثنائه عليه.
المقطع الثاني يبرز فضل عبد الله بن مسعود في قراءة القرآن وتفسيره، حيث أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته له وتفوقه في علم القرآن وأسباب نزوله.
المقطع الثالث يوضح دور عبد الله بن مسعود في تعليم القرآن وتفسيره، خاصة في الكوفة، حيث تخرج على يديه العديد من طلاب العلم، وتطرق إلى صحة رواياته في التفسير.
المقطع الرابع يختتم الحديث عن ابن مسعود ويستهل الحديث عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس فيما يتعلق بتفسير القرآن، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عبد الله بن مسعود، وهذا المبحث اتبعه لهذا الفصل الذي أعده المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر ما اشتهر بالتفسير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان من أقوال العلماء في هذا الباب ما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى: أن هناك جماعة من الصحابة اشتهروا بالتفسير، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وبالأخص علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولهذا ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في أول من ذكر، ثم عرج على الصحابة من بعده فذكر، وهو الذي بين أيدينا، عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، حيث إنه قد اشتهر بالتفسير كما سيأتي بيانه تحت هذا المبحث. قال رحمه الله تعالى: هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وهنا تصحيف في النسخة التي بين يدي، الهذلي بالزاي، وصاحب الذال المعجمة الهذلي، قال: هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد، أمه أم عبد بنت عبدود، أم عبد بنت عبدود، قال: كان ينسب إليها أحيانا، وكذلك جاء في السنة: ابن عبد، كان ينسب إليها، وعبد الله بن مسعود كنيته أبو عبد الرحمن، كنيته أبو عبد الرحمن. ومن صفاته رضي الله تعالى عنه أنه كان خفيف اللحم، قصير القامة، شديد السمرة، رضي الله تعالى عنه، قال: وكان من السابقين الأولين في الإسلام، ولدليل على سابقته في الإسلام، إذ إنه كان سادس الصحابة إسلاما، كان سادس الصحابة إسلاما كما صرح بذلك هو بنفسه رضي الله تعالى عنه: أنه سادس ستة ممن دخلوا في الإسلام. قال: وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد، فما تخلف عن غزوة من غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد شهد الغزوات مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عظيم خصاله وفضائله رضي الله تعالى عنه وعلى سابقته. قال: تلقى من النبي صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة من القرآن، حيث قال رضي الله تعالى عنه: أخذت من في الرسول صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، أخذت من في الرسول، أي أخذها مباشرة، تلقاها مشافهة من نبينا عليه الصلاة والسلام، سبعين سورة، وهذا يدل على علو قدمه ورسوخه في أخذ التلقي من نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أول إسلامه: «إنك لغلام معلم»، نعم ذكر ذلك في قصة طويلة، حينما مر عليه نبينا والصديق، فطلبوا منه أن يعطيهم شاه، فأبى لأنه كان مستأمن عليها، فقال له نبينا: «إنك غلام معلم»، وهذا الأثر يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في تعليقه على ابن حبان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إنك لغلام معلم»، وقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، أي على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهذا يدل على فضيلته رحمه الله تعالى، وأنه ممن اختص بأخذ القرآن مشافهة من رسول الله، لدرجة أن النبي أرشد إليه، لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد بأخذ القرآن عنه. قال: وفي صحيح البخاري أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله»، فهو لا يبارى في هذا الباب، ويكفيك كذلك يا عبد الله فضلا في حق ابن مسعود في باب القراءة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطرب بقراءة ابن مسعود، كما يدل على ذلك عندما قال له نبينا صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، فاستغرب ابن مسعود، قال: «يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟» قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فلربما قرأ وقرأ حتى يبكي نبينا صلى الله عليه وسلم، فذلك يدل على علو كعبه، وكيف أن نبينا كان يطرب من قراءته رضي الله تعالى عنه. قال: وقال والله الذي لا إله غيره، وهذا ابن مسعود يحكي عن نفسه، قال: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه، وهذا المقام هو حكاية يحكيها ابن مسعود عن نفسه وعن الدرجة التي بلغها في القرآن والتلقي وعلمه بعلوم القرآن من أسباب النزول وكيفية النزول. وهذا منه رضي الله تعالى عنه ليس مفاخرة، وهذا ليس منه رياء، حاشا من ذلك، وإنما هذا يخرج على أنه من تحديثه بفضل الله عليه، «وأما بنعمة ربك فحدث»، فالشخص يتحدث بعظيم فضل الله عليه، إن كان من مال، وإن كان من جاه، وإن كان من منصب، وإن كان من علم، يتحدث بفضل ونعمة فضل الله عليه، فابن مسعود يتحدث بما أسبغ الله عليه من سائر الناس بهذا العلم بعلم القرآن وبأسباب النزول وبتفسير القرآن. قال: وكان ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صاحبا لوسادته وطهوره، وهذا كان من شأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، خدم النبي صلوات ربي وسلامه عليه خدمة عظيمة، حيث كان صاحب الوسادة، وصاحب الطهور، رضي الله تعالى عنه، كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل كان ابن مسعود يستره، وكان نبينا إذا نام كان ابن مسعود يوقظه، فكان ممن يدخل إلى داخل بيته رضي الله تعالى عنه، وماذا ويقوم على شؤون نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي أعانه في تلقي العلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: حتى قال أبو موسى الأشعري: «قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم»، لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم، أي كانت لهم من الخصوصية أنه كان يدخل على نبينا من باب الخدمة، فكان يطلع على شؤون خاصة برسول الله ما يطلع عليه أحد، فاستفاد من ذلك العلم الكثير الذي يخفى على كثير من الناس. بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميرا، وقال: «إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاقتدوا بهما»، ثم أمره عثمان على الكوفة، ثم عزله وأمره بالرجوع إلى المدينة، فتوفى فيها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وهو ابن بضع وسبعين سنة. فهذه ترجمة أخواني في الله لابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وكلها دلالة على علاقته بالقرآن الكريم، إذ إنه تلقى القرآن مشافهة من نبينا عليه الصلاة والسلام، وكذلك كما أنه أخذ القرآن فإنه قد علم غيره القرآن، وخاصة في أرض الكوفة، إذ إنه عندما رحل وذهب في زمن عثمان إلى أن رجع إلى المدينة، في تلك الأوقات قد عمر وقته رضي الله تعالى عنه بتعليم الناس القرآن، فتخرج الكثير من طلاب العلم، وهم من تلاميذ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كمثال علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، ويزيد بن أسود النخعي، وهكذا قتادة بن دعامة السدوسي، وابن عبد الرحمن السلمي، وناس يعتبرون فلاحات كبار الطلاب لابن مسعود، وهم الذين بعد ذلك نشروا العلم في الكوفة. فهذا أخواني فيما يتعلق بأمر ابن مسعود، بقي هناك أسانيد نشير إلى بعضها، وهي الأسانيد قد اشتهرت عن ابن مسعود، وهي صحيحة، واعتمدها العلماء من المحققين في روايتهم في كتب التفاسير، فمن تلك الرواية الثابتة والصحيحة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما كان من طريق الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود، الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، وهذا يعتبر من أصح الطرق، حتى إن البخاري اعتمدها في صحيحه. وهناك طريق أخرى من طريق الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، وكذلك طريقة أخرى صحيحة: الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، الأولى: الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فهذه الطرق صحيحة، تلقاها العلماء بالقبول فيما يتعلق بأمور التفسير. وبالمقابل هناك طرق كذلك اشتهرت عنه، إلا أنها ضعيفة، ومن هذه الطرق الضعيفة ما كان من طريق السدي الكبير عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وهذا كان طريقا مشهورا عن ابن مسعود في الرواية، لكنها معلّة، إذ إنها من طريق السدي الكبير، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، مختلف فيه، وقد ضعفه جماعة، وكذلك من طرق أخرى مشهورة، وهي من طريق الضحاك عن ابن مسعود، في باب التفسير، لكنها معلّة بالانقطاع، إذ إن الضحاك لم يسمع من ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. فهذا أخواني في الله خلاصة ما يذكر في أمر ابن مسعود رضي الله تعالى وعلاقته بتفسير القرآن، وسأتي إن شاء الله معنى ما يتعلق بالصحابي الجليل في هذا المبحث، وهو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. إلى هنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.