شرح أصول في التفسير للعثيمين  17

شرح أصول في التفسير للعثيمين 17

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أشهر الصحابة بالتفسير ودراسة روايتهم

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الصحابة يتفاوتون في نقلهم للتفسير، واشترط السيوطي عشرة من الصحابة الذين نُقلت عنهم التفاسير. كما بين المؤلف أسباب تفاوت الرواية عن الخلفاء الثلاثة الأوائل وعلي بن أبي طالب في التفسير.

مناقب وفضائل علي بن أبي طالب ومكانته

يتناول المقطع مناقب وفضائل علي بن أبي طالب، ويبين أنه أول من آمن من قرابة النبي، ويذكر كنيته وأهم الأحداث التي شهدها مع النبي. كما يشير إلى الفرق التي هلكت بسببه مثل النواصب والروافض.

غلو الشيعة في علي بن أبي طالب ووضع الأحاديث

المقطع يتحدث عن غلو الشيعة في علي بن أبي طالب ووضعهم الأحاديث والروايات عليه، مما أدى إلى كثرة الأحاديث المكذوبة عنه. كما يشير إلى أن هناك أسباب أخرى لوضع الأحاديث عليه، ويذكر بعض الأسانيد الصحيحة التي رويت عن علي.

خاتمة الدرس والتطلع إلى الدرس القادم عن عبد الله بن مسعود

يختتم الشيخ درسه ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول شخصية أخرى مشهورة بالتفسير وهي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ويطلب من الله أن ينفعهم بما تعلموا ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "الوصول إلى التفسير": قال المشتهرون بالتفسير من الصحابة، عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا المبحث للتعريف بأهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين اشتغلوا بالتفسير، أي بنقل التفسير من نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا التبويب من المؤلف رحمه الله تعالى يلمح إلى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا في مقام التفسير على رتبة واحدة، بل إنهم يتفاوتون تفاوتاً بينا. ولهذا هناك منهم من اشتهر بالتفسير، ومعنى ذلك أن بعضهم ما اشتهر بتفسير القرآن. والملاحظ كما سيأتي في مبحث المؤلف رحمه الله تعالى، ويؤيد هذا ما ذكره مسروق رحمه الله تعالى بسند صحيح كما خرجه البيهقي، قال مسروق: جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ -والإخاذ بمعنى الغدير الذي يستسقى منه الناس- قال رحمه الله تعالى: جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة. وانظر للتمثيل، يمثل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أنهم في نقلهم في التفسير كأنهم ما يسمى كالمعيان أو كالغدير، وكل غدير يختلف، فرب غدير يعني لربما يروي الواحد، ورب غدير آخر يروي ما هو أكثر من واحد، ومن بعض الغدران لربما تروي الفئام والجماعة. فقال رحمه الله تعالى: فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المئة، والإخاذ لو نزل بهم أهل الأرض لأصدرهم. وهذا ما معنى أن أصحاب الرسول في باب التفسير هم على هذا المثال، فمنهم من تفسيره لربما يكفي الجماعة، ومنهم من تفسيره لربما يكفي الأمة. ولماذا هذا التفاوت؟ على حسب أخذه التفسير من نبينا عليه الصلاة والسلام. لذا نفهم من هذا إخواننا أنه لا شك أن الصحابة يتفاوتون في نقلهم التفسير للقرآن. قال رحمه الله تعالى: اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا رضي الله تعالى عنهم. نعم، السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه "الإتقان" حاول أن يستقرئ الصحابة الذين اشتغلوا واهتموا بنقل التفسير، فوصل عددهم رحمه الله تعالى إلى عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، هم الذين تدور عليهم التفاسير المنقولة الآن في كتب التفسير. فمن هؤلاء العشرة الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وهكذا يزاد عليهم عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري. فهؤلاء عدة العشرة، الخلفاء الأربعة ويضاف عليهم ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري. هؤلاء الذين كانوا ذكرهم السيوطي رحمه الله تعالى أن التفسير ينقل عنهم. وهؤلاء العشرة كذلك هم كذلك في أنفسهم ليسوا على رتبة واحدة، فمثل المنقول في التفسير عن عبد الله بن الزبير، وعن أبي موسى الأشعري، وعن زيد بن ثابت، ليس كالمنقول عن أبي بن كعب أو كذلك عن ابن عباس أو عن ابن مسعود، فهم أقل درجة، وهكذا فهم يتفاوتون، لكن هؤلاء الغالب الذي تدور عليهم التفاسير تنقل عن هؤلاء، وإلا يوجد عن غيرهم، لكن قليل، وهو نزر يسير لا يكاد يذكر. أما هؤلاء العشرة فقد اجتهد السيوطي رحمه الله تعالى في عدهم والاستقرار عنهم بأنهم ممن نُقِلت عنهم التفاسير. قال رحمه الله تعالى: منهم الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا رضي الله تعالى عنهم، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة. أي هؤلاء الأربعة وإن كانوا هم عمدة في باب التفسير إلا أنهم يتفاوتون، فعلي رضي الله تعالى عنه من أكثرهم رواية، بخلاف الصديق، بخلاف عمر، بخلاف عثمان. نعم، جاءت بعض الروايات عنهم في التفسير، لكنها قليلة بإزاء أو مقارنة برواية علي رضي الله تعالى عنه. ثم أخذ المؤلف رحمه الله تعالى في بيان هذا التفاوت ما سببه، قال: لانشغالهم بالخلافة. أي أن أبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا من أوائل الخلافة فاشتغلوا بأمور الخلافة، بخلاف علي فإن خلافته قد تأخرت، تأخرت. لذا فكانوا في هذه المدة الذين كانوا خلفاء انشغلوا بموضوع الخلافة، هو تفرغ للعلم تفرغ للعلم في بثه ونقله وتدريسه وشرحه للناس، فأخذ الناس الرواية عنه، بخلاف أولئك الثلاثة من الخلفاء. قال: إنشغالهم بالخلافة وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالمين، لكثرة العالمين بالتفسير. وكذلك هذا عذر آخر، وهذا العذر يرجع إلى سبب آخر وهو تأخر الوفاة، تأخر الوفاة. فالثلاثة قد تقدمت وفاتهم، بخلاف علي قد تأخرت وفاته رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي أنه مات في الأربعين من الهجرة. قد تأخرت وفاته، وهذا التأخير أعطاه فائدة. ما هي الفائدة؟ أن الصحابة، الخلافاء الثلاثة كان في أيامهم وفي عهدهم كان أمر دين واضح وجليء، وكان العلماء العارفون لتفسيره كانوا كثر، كانوا كثر. فما كان الناس يحتاجون للخلفاء لوجود من يغنيهم ولوجود من يكفيهم من الصحابة وأهل العلم وأهل التدريس، وجرى بكثرة في زمن الخلفاء الثلاثة، فما كانوا يرجعون إليهم، بل كانوا يرجعون لهؤلاء العلماء. لكن لما جاءت خلافة علي وقد تأخرت وفاته، قل العلماء في زمنه، بالمقابل أن الرقعة الإسلامية قد كثرت، وخاصة الأعاجم، وخاصة الأعاجم كثروا في ذاك الزمن. فما كان في الواجهة بمثل علي رضي الله تعالى، فاحتاجوا الناس إليه، ولهذا كان الناس أقبلوا على علي في خلافته أكثر مما أقبلوا على الخلفاء لهذه الأسباب التي ذكرت آنفا. قال رحمه الله تعالى: ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضا عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس. فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين رضي الله تعالى عنهم. إذن في هذا الفقرة أو في هذا المبحث سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى ترجمة موجزة عن هؤلاء الثلاثة، وهم الذين قد جاءت عنهم التفاسير، وهم في زمن الصحبة. قال رحمه الله تعالى: علي بن أبي طالب، وذكرنا لما اختار المؤلف رحمه الله تعالى علي من بين الخلفاء للأسباب التي سلفت، وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رضي الله تعالى عنه. قال: هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته. أول من آمن به من قرابته. وهذا تنبيه من المؤلف رحمه الله تعالى، وهي أن الأولوية لعلي بن أبي طالب في باب الإسلام ليس على إطلاقه، فعلي ليس هو أول من آمن مطلقا، لا، بل هناك الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد سبق عليا في الإيمان والإسلام. لكن إن كانت هناك أول أولية لعلي بن أبي طالب في باب الإسلام فإنه أول من آمن من القرابة من آل البيت. نعم، علي بن أبي طالب هو الذي لا يشق، له الغبار في السباق في السباق للإسلام والإيمان، فالأولية هنا مقيدة، أي أنه من قرابة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم، وكنيته أبو الحسن، لأن أكبر أولاده الحسن فكني به. قال: وأبو تراب، وهذه كنية ثانية، وفيها فائدة أن يمكن للرجل أن تكون له كنيتان. وأبو تراب هي كنية كناها نبينا لعلي رضي الله تعالى عنه، عندما أتاه إلى بيته فسأل عنه فلم يجده، فقيل إنه في المسجد، فذهب إليه فوجده قد اضطجع في المسجد، وقد أثر التراب على جنبه. فناداه نبينا: قم أبا تراب، قم أبا تراب، فكناه بذلك، وكان علي يحب هذه الكنية أحسن من غيرها. وكان علي رضي الله تعالى عنه يحب هذه الكنية أحسن من غيرها، فكان يكنى بأبي الحسن وبأبي تراب رضي الله تعالى عنه. قال: ولد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. والتربية في حجر النبي هذه لأسباب، لأسباب صادفت ما كان يعيشه علي بن أبي طالب وأسرته من الفقر، فكان من آل بن هاشم وعبد المطلب أنهم ساهموا في تربية أبناء عبد المطلب أو أبناء أبي طالب، فكان من نصيب نبينا أن يربي عليا رضي الله تعالى عنه في بيته وفي كنفه. قال: وشهد معه المشاهد كلها، وهذا من فضائله، ما تخلف عن غزوة مع نبينا عليه الصلاة والسلام إلا ما سيأتي ذكره. قال: وكان صاحب اللواء في معظمها، أي لواء الجيش كان يدفعه نبينا لعلي رضي الله تعالى عنه، وهذا من فضله. قال: ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم في أهله. أي هذا التخلف ما كان منه رضي الله تعالى عنه خوفا وفرقا، لا، بل إنما لأمر نبينا، نبينا أمره أن يتخلف وأن يبقى في المدينة، بل حتى أن عليا حزن لذلك، حزن لذلك لأنه كان يود أن يخرج مع نبينا كعادته، كان من عادته يخرج في كل غزوة، ما كان يفارق نبينا في غزوة من الغزوات إلا هذه الغزوة، تفاجأ النبي خلفه على المدينة. حتى أن عليا قال: تخلفني هنا مع الصبيان والنساء؟ أبقى هنا مع النساء والصبيان؟ فبشره نبينا بهذه البشرى، قال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» إذا النبي بشره بهذه البشارة أنك مني بمنزلة هارون من موسى. ولا يستفاد من هذا الحديث كما تدعيه الرافضة على أن عليا له حق الخلافة بعد النبي عليه الصلاة والسلام مطلقا، لا. إنما نبينا أطلق هذه العبارة وهذه البشارة في خلافة محصورة، وهي خلافة محدودة، أنك تخلفه في أهل بيته، تخلفه في أهل بيته كما ظاهر من السياق، كما هو الظاهر من السياق. أما ما يدعيه الروافض أن هذا الحديث الذي دائما يلوحون به أمام أهل السنة والجماعة: كيف تقولون بخلافة الصديق وعمر وتؤخرون عليا؟ والنبي قد قال عنه بأنه بمنزلة هارون من موسى؟ قال: انتبهوا لسياق الحديث، فإن الحديث إنما جاء في خلافة محصورة محدودة، وهي خلافة الرسول لعلي في أهله وفي قرابته، فهنا ذكروا بهذا المقام كما كان موسى يفعل، موسى إذا خرج كان يخلف من يخلف هارون على أهله وعلى قومه، وهذا واضح، فالمقام يتضح بماذا؟ بأصل القصة وقصة الحديث. قال رحمه الله تعالى: نُقِل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره. نعم، فضائل كثيرة وكثيرة لعلي. ومن ذلكم أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكفى بهذه منقبة وفضيلة وخصيصة لعلي رضي الله تعالى عنه، أن الرسول بشره بالجنة، ولا زال يمشي على الأرض، ولا زال يخطو على الأرض وهو من أهل الجنة. قال: وهلك به طائفتان: النواصب الذين نصبوا له العداوة وحاولوا إخفاء مناقبه. ولهذا نعلم لما سميت بالنواصب، هي فرقة ناصبت العداء لأهل البيت، وخاصة لعلي رضي الله تعالى عنه. قال: والروافض، هذه الفرقة الثانية، وهي على نقيض ذلك، وهي على نقيض الأولى. قال: الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب. الرافض الذين هلكوا في علي، وكان هلاكهم في باب المحبة كما يدعون ويزعمون، تأفانوا في محبته، بل غالوا في محبته لدرجة الكفر، لدرجة الزندقة. وأضعفهم إيمان هو الذي يلهج بذكر مثالبه أو بذكر مناقبه وفضائله. وأضل ما ذكر عنها كلها من الأحاديث الضعيفة، بل أخبار موضوعة، وهكذا حكايات هالكة متهالكة. وكما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: بل إن كثيرا من المناقب التي سطرت في كتبهم، ولا زالت تتلى في هذه الأيام، وهم يذكرون أنها مناقب، من نظر فيها وتأمل في هذه المناقب المزعومة لعلم أن في حقيقة الحال مثالب، منقصة ليست محمدة. كالتلكم القصة يذكرون أن عليا رضي الله تعالى عنه من عبادته ومن تعبده أنه كان بين مغرب وعشاء يصلي لله ألف ركعة، فتجد بعضهم يلهج بهذه المنقبة والفضيلة. أنظر تعبده، بغض النظر عن إسنادها، فهذه واقعة مكذوبة على علي رضي الله تعالى عنه، ما ثبتت. لكن أنظر للمعنى، لو سلمنا، أهذه بحقيقة محمدة؟ هب أن رجلا بين مغرب وعشاء -والذي الآن في زماننا تصل ما بين ساعة أو ربع ساعة- هل يمكن لمسلم أن يصلي ألف ركعة؟ لو افترضنا أنه سيصليها كيف سيصليها؟ ما سيخرج ما سيخرج البتة في أداء هذه الصلاة عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي». أي سيصليها نقرة ديك، سيصليها نقرة ديك، الله الله، حتى يؤدي ألف ركعة. بالله عليكم، أرجل صلى هذه الصلاة بهذه الحركات هذه محمدة أم منقبة أو مذمة؟ هي مذمة. فانظروا، أرادوا أنهم يتفاخروا بفضائل علي، فزرعوا له فضائل وهي عند التحقيق ليست فضيلة، بل هي مذمة، مذمة في حقه، يذم فيها الرجل، يذم عليها ولا يمدح بها. وهكذا ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأبدع أيما إبداع في كتابه النفيس "منهاج السنة" في "منهاج السنة" الذي خصه في الرد على الرافضة، وخاصة في باب الفضائل التي أعدها الروافض في ذكرها لعلي. إذ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يعرج عليها الواحدة تلو الأخرى، ومنها هذه المسألة، ثم ذمهم عليها، وأن هذه ليست فضيلة لعلي، بل إن صح ذلك فهذه مثلبة، مذمة. ولكن لم تصح عنه رضي الله تعالى عنه. وأشياء كثيرة وكثيرة، كلها وضعت. أما الثابت الصحيح فهو محامد، الثابت الصحيح الذي جاءت به السنة فهو لا غبار عليه. أما الذي وضعه الهالكون من الغلاة فهو في حقيقة الحال أرادوا رفعه، فإذا به مذمته رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله تعالى: اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والذكاء مع العلم والذكاء. وكان هذا مشهور عن علي، فهو شجاع، شجاع لا أحد يباري ولا يداري في ذلك، كان من أجرأ الناس، ومن أجرأ الصحابة رضي الله تعالى عنه. ولكي يضرب به المثل بالشجاعة: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة» كما يذكر ذلك في كتب السير، أنه يمتدح نفسه بذلك لقوته رضي الله تعالى عنه وشجاعته. فاشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والذكاء مع العلم والذكاء، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يتعوذ من معضلة -والمعضلة هي المسألة المشكلة- يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. من أبو الحسن؟ هو علي رضي الله تعالى عنه. قال: «ومن أمثلة النحويين قضية ولا أبى حسن لها». نعم، هذا مثال يذكره النحاة في كتبهم، وخاصة في باب "لا" نافية، يذكرون هذه المسألة لمسألة نحوية، لكن الشاهد قولهم: «قضية ولا أبى حسن لها»، بمعنى لا فيصل لها إلا هو رضي الله تعالى عنه، من عرف من ذكائه في حد القضايا. والسير تشهد له بذلك. قال: وروي عن علي أنه كان يقول: «سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، أم في سهل أم في جبل». هكذا تمام القصة أو تمام الحديث. قال: «فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، أم في سهل أم في جبل». لكن هذا الأثر قال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري": أخرجه البزار وابن مردويه بسند فيه ضعف. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «إذا جاء نثبت عن علي لم نعدل به». وهذا فيه دلالة على ذكائه وعلى قضائه رضي الله تعالى عنه. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: «ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب». وهذا يدلك على جلالة علي في باب التفسير، وأنه عمدة، وأنه عمدة يعتمد عليه لنقله للتفاسير المبثوثة أو مذكورة عن نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: كان أحد أهل الشورى الذي رشحهم عمر رضي الله تعالى عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان، فبايعه علي والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان، حتى قتل شهيدا، قتل على يد عبد الرحمن الخارجي. وقال ذلك في الكوفة، ليلة السابع عشر من رمضان، سنة أربعين من الهجرة، رضي الله تعالى عنهم. فهذه ترجمة سريعة حول علي رضي الله تعالى عنه. وكان السياق ومناسبة ذكره مناسبة ذكره في هذا المقام، لأنه مما اشتهر بتفسير القرآن. ولكن عليا كما قلنا اشتهر بالتفسير، لكن ما صح عنه قليل، الذي صح عن علي قليل جدا، لأنه قد كثر الوضع عليه، كثر الوضع، بمعنى كثر الكذب عليه. وذلك يرجع لأمرين اثنين، ما هي الأسباب التي من أجلها كثر الكذب على علي رضي الله تعالى عنه؟ الأولى: غلو الشيعة فيه، غلو الشيعة فيه. فكان الشيعة من غلوهم في علي بن أبي طالب أنهم كانوا يدسوا عليه الروايات والحكايات والآحاديث والآثار، وكذلك من التفسير الشيء الكثير، وهو كله كذب، كله كذب. فعلوا ذلك حتى يمرروا بدعهم، وهذا تجدونه في كتب الشيعة كالكليني وغير ذلك من كتبهم. هذا سبب الأول. أو أنهم كذلك أرادوا أن يعلوا من قدره، يعلوا من قدره، فلربما كما يقال: حبك للشيء يعمي ويصم، فربما من حبهم له دسوا له كثيرا من الروايات حتى يعلوا شأنه. وكما يقولون: وهذا حق، من قدره رضي الله تعالى عنه. المهم هذه الخصلة كانت سببا من كثرة الوضع عليه رضي الله تعالى عنه من قبل الشيعة. والسبب الثاني: أن الوضع كان من قبل الكذابين الهالكين. ولماذا خصوا عليا بالذكر؟ لأن عليا ينتسب لآل البيت، لأن عليا ينتسب إلى آل البيت. وتعلمون أن الناس يعظمون آل البيت، فإذا جاءهم الأثر من طريق علي قالوا: حي هلا بأهل البيت. فكانوا يعظمون مثل هذه الروايات ومجدونها، فاستغل أهل الوضع من الكذبة ومن الأفاكين مقام علي رضي الله تعالى عنه، فدسوا عن طريقه بعض الأحاديث المكذوبة. فهذه الأسباب التي كانت من أجلها كثر الوضع عليه رضي الله تعالى عنه. لكن هناك تنبيه العلماء على بعض الأسانيد التي تأتي من طريق علي أو تأتي إلى علي رضي الله تعالى عنه، وهي أسانيد ثابتة، وهي أسانيد صحيحة. ومن هذه الأسانيد إسناد الذي يذكره البخاري رحمه الله تعالى، ويعتمده في تفسيره. وما جاء من طريق هشام بن حكيم عن محمد بن سيرين عن عبيدة السليماني عن علي رضي الله تعالى عنه، هذا الإسناد اعتمده البخاري، وهكذا غيره من كتب السنة في إخراجها لعلي رضي الله تعالى عنه. وإسناد آخر كذلك، وهو من طريق الزهري عن علي زين العابدين عن أبيه الحسين عن علي رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد بعض العلماء صرح بأن هذه أصح الأسانيد عن علي، بأنها أصح الأسانيد عن علي رضي الله تعالى عنه. لكن المشكلة أنها قليلة جدا، وانغمرت، خاصة من بعض الكذابين، لما علموا قوة هذا الإسناد، أخذوا يلفقون أحاديث على هذا التركيب، أهل الهلكة من الوضاعين لما علموا قوة هذا الحديث وهذه السلسلة الذهبية المروية عن علي، قاموا وركبوا أسانيد على تركيبة هذا الإسناد، فضاعت هذه الأسانيد، وهي قليلة جدا مذكورة في كتب السنة. فهذه أخواني في الله أكثر من يذكر عن حالة علي رضي الله عنه. وسيأتي إن شاء الله بإذن الله في درس غد من يذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو كذلك ممن اشتهر بالتفسير. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.