الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 17، ألقاها
يتناول المقطع حكم قتل من قال لا إله إلا الله، حيث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتله رجلًا مشركًا قالها، ويوضح أن الأصل هو حقن دم من قالها حتى يتبين ما يخالفها.
من قال لا إله إلا الله ولم يلتزم بشروطها لم تنفعه هذه الكلمة، مثل من جحد الصلاة أو فعل أنواع الكفر الأخرى، والنبي أمر بقتل الخوارج لخروجهم عن الشريعة.
يناقش المقطع شرك القبوريين الذين يعتقدون في غير الله ويستدلون بأنهم لا يصلون أو يصومون لغير الله، ويبين أن اعتقادهم في غير الله هو الشرك بعينه، كما يتطرق إلى مسألة تزي الكفار.
التعلق بغير الله واعتقاد النفع والضر فيه يعتبر شركاً، ويتجلى ذلك بصرف أنواع العبادة لغير الله مثل الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال لي الشيخ محمد بن الأمير صنعان رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": فإن قلت: قد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله، كما هو معروف في كتب الحديث والسير، يعني إن استحل القبور، بأنه لا يجوز قتل من عبد غير الله جل وعلا، وتقرب إلى الأولياء والصالحين، وذبح لأصحاب القبور، ونذر لهم، إلى آخر ذلك من أعمال الشرك، بزعم أنهم يقولون: لا إله إلا الله. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتله الرجل المشرك الذي قال: لا إله إلا الله، والحديث في الصحيحين. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ فقال أسامة رضي الله عنه: إنما كان متعوذًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ الحديث. الشاهد منه أن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على أسامة قتله لهذا الرجل وقد قال: لا إله إلا الله. قلت: لا شك أن من قال: لا إله إلا الله من الكفار، حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، يعني الأصل أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، فإنه يكف عنه؛ فلا يقتل. فإذا أتى بما تدل عليه هذه الكلمة من المعاني والمقتضيات، وحقق شروطها، فله ما للمسلمين. وإن أتى بما ينقضها بعد أن قالها، فإنها لا تنفعه، وإن قالها مئة مرة. من قال: لا إله إلا الله، ثم نقضها بقوله وبأفعاله، كمن اعتقد النفع والضرر في غير الله، وذبح لغير الله، واستغاث بغير الله، ونذر لغير الله، أو أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة؛ أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الصيام، أو وجوب الحج، أو أنكر البعث، وهو يقول: لا إله إلا الله، فهو كافر حلال الدم باتفاق أهل العلم. قال: ولذا أنزل الله في قصته: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ الآية. وهذه الآية لم تنزل في قصة أسامة، وإنما نزلت في قصة رجل آخر، كما في صحيح البخاري: أن رجلًا كان في غنيمة له، فرآه بعض المسلمين، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا ما معه من الغنم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾. وقول "عرض الحياة الدنيا" المراد به الغنيمة التي أخذوها منه. قال: فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، يعني بقوله: ﴿فتبينوا﴾. قال: فإن تبين التزامه لمعناها، كان له مال المسلمين وعليه ما عليهم، يعني إذا حقق معنى هذه الكلمة بعد أن قالها، فهو كغيره من أهل الإسلام ممن نطق بهذه الكلمة ولم يأت بما ينقضها؛ فله مالهم من عصمة الدم والمال. قال: وإن تبين خلافه، لم يحقن بمجرد التلفظ ماله ودمه، يعني إن نطق بهذه الكلمة ثم خالفها وأتى بما ينقضها ويبطلها، فلا يكون حينئذ معصوم الدم والمال. كما قلنا: من قال: لا إله إلا الله، وجحد الصلاة، قال: ليس هناك صلاة واجبة، هذا كافر بإجماع العلماء، مع أنه يقول: لا إله إلا الله، لكن لا تنفع هذه الكلمة؛ لأنه ماذا؟ أنكر أو نقض هذه الكلمة بإنكاره شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة. وهكذا غير ذلك من أنواع الكفر إذا وقع في شيء من ذلك، فإن هذه الكلمة لا تنفعه. قال: وهكذا كل من أظهر التوحيد، وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك. ولم تنفع هذه الكلمة بمجردها اليهود، ولا نفعت هذه الكلمة الخوارج، مع ما ضم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جانبها، في قوله عليه الصلاة والسلام: "تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم". فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج بأنهم أهل عبادة، لهم جهد واجتهاد عظيم في العبادة، حتى إن الصحابة -مع فضلهم وعظيم منزلتهم- يستحقرون عبادتهم عند عبادتهم. قال: بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". وأمر بقتلهم عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". وهكذا قال: "إن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". والحديث في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. قال: وذلك لما خالفوا بعض الشريعة، وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث. نعم، ثبتت الأحاديث في ذلك، كما جاء عند الترمذي وابن ماجة، وفي مسند الإمام أحمد، ومصنف عبد الرزاق، وغيرهم، من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنه رأى رؤوسًا منصوبة على درج مسجد دمشق -يعني من رؤوس الخوارج- فقال: "كلاب النار". قال أبو أمامة: "كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوه". ثم قال: وقرأ قول الله عز وجل: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾. فقال له أبو غالب الراوي عن أبي أمامة: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو أمامة: لو لم أسمعه إلا مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثًا -حتى عد سبعًا- ما حدثتكم، يعني أنه سمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة. هكذا وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم كلاب أهل النار. قال: فثبت أن مجرد قول كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه ما يخالفها من عبادة غير الله. والمؤلف رحمه الله يذهب إلى تكفير الخوارج، وهذا قول لبعض أهل العلم، وهم قلة ممن ذهب إلى تكفير الخوارج. وجمهور علماء على أنهم مبتدعة ضلال، وأنهم متأولون؛ فما يعني قتلوا المسلمين إلا بالتأويل، فحكموا عليهم بالكفر، واستحلوا دماءهم. ولذلك علي رضي الله عنه لما سئل: أكفار هم؟ قال: "بل من الكفر فروا، بل من الكفر فروا". فهم مبتدعة ضلال. هناك من العلماء من يكفرهم، وهناك من أهل العلم من يكفر الخوارج. قال: فإن قلت: القبوريون وغيرهم من الذين يعتقدون في فسقة الناس وجهالهم من الأحياء، يقولون: نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلا الله وحده، ولا نصلي لهم، ولا نصوم، ولا نحج -يعني إذا استدل القبور أو احتج بعدم كفرهم بما يفعلون بأنهم لا يصلون لأصحاب القبور، ولا يصومون لهم، ولا يحجون لهم- فالجواب كما سيأتي: أن هذا من جهلهم في معنى العبادة؛ إذ أنه اقتصر على أن العبادة هي الصلاة والصيام والحج فقط، وهذا لا شك أنه جهل عظيم. قال قلت: هذا جهل بمعنى العبادة؛ فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت -يعني من الصلاة والصيام والحج- قال: بل رأسها وأساسها الاعتقاد. وقد حصل في قلوبهم ذلك؛ بل يسمونه معتقدًا -يعني في قلوب هؤلاء القبوريين حصل ذلك في قلوبهم من اعتقادهم في غير الله جل وعلا، حتى جعلوا هذه المخلوقات تستحق العبادة مع الله جل وعلا، ويسمونه اعتقادًا- يسمون ذلك معتقدًا. ماذا تعتقد في الولي الفلاني؟ أو ما هو اعتقادك؟ ربما إذا رأوا شخصًا ليس فيه حرز، قالوا: أين معتقدك؟ أين معتقدك؟ نعم، هذا الاعتقاد هو الكفر والشرك بعينه، هذا هو الشرك بعينه؛ أن تعتقد في غير الله جل وعلا النفع والضر، وأنه يستحق شيئًا من أنواع العبادة التي لا يستحقها إلا الله سبحانه وتعالى. قال: ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم، والتوسل بهم، والاستغاثة والاستعانة -يعني الاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله- قال: والحلف والنذر وغير ذلك. وقد ذكر العلماء أن من تزي بزي الكفار صار كافرًا. من تزي بزي الكفار صار كافرًا، ليس على إطلاقه، لكن إذا تزي به مع محبة وتعظيم لدين هؤلاء الكفار، فهذا يكفر. أما مجرد التزي بزي الكفار من غير محبة لهم، فهذه معصية وليس بكفر. فقول المؤلف هنا يحمل إذا كان تزي به على جهة الكفر مع المحبة والتعظيم لهؤلاء الكفار. قال: ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرًا، يعني إذا تكلم بها قاصدًا لمعناها أو قاصدًا لها، فهذا يكفر، بخلاف ما لو وقعت كلمة الكفر على لسانه من غير قصد، فهذا لا يكفر كما مر معنا في الدروس السابقة. قال: فكيف من بلغ هذه الرتبة اعتقادًا وقولًا وفعلًا؟ يعني في التعلق بغير الله جل وعلا، وجعل في قلبه اعتقاد النفع والضر في غير الله، ثم صرف أنواع العبادة لغير الله جل وعلا، من القول والفعل؛ كالدعاء والاستغاثة، والفعل؛ كالنذر والذبح، إلى آخر ذلك من أنواع العبادة التي صرفت لغير الله جل وعلا. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.