شرح أصول في التفسير للعثيمين  10

شرح أصول في التفسير للعثيمين 10

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مراحل جمع القرآن الكريم وتاريخه

يتناول هذا الفصل المراحل الثلاث لجمع القرآن الكريم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى عهد عثمان بن عفان. يشمل ذلك جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وتوحيد المصاحف.

توحيد المصاحف وإحراق النسخ الأخرى

يشرح هذا الفصل كيف قام عثمان بن عفان بجمع القرآن في مصحف واحد وأمر بإحراق المصاحف الأخرى لتلافي الاختلاف في القراءات. تم ذلك بإجماع الصحابة وكان الدافع هو تجنب الفتنة والخلاف بين المسلمين.

مصلحة الأمة في جمع القرآن على حرف واحد

يتناول هذا الفصل آراء العلماء حول جمع عثمان للقرآن على حرف واحد ويبرز المصلحة العظمى التي تحققت من هذا الجمع وهي وحدة الكلمة واجتماع الأمة. يشير إلى أن بعض الأمور قد تترك لتحقيق مصلحة أكبر.

ختام الدرس وأهمية الصلاة على النبي

يختم هذا الفصل بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى علم الله تعالى. يُظهر أهمية هذه العبادة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذا الفصل مع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره كتابة القرآن وجمعه، وذكر أن جمع القرآن كان على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى ما كان في عهده عليه الصلاة والسلام، حيث إنه جمع حفظا وكتابة، إلا أن الحفظ أكثر. ثم المرحلة الثانية وهي ما كان في عهد الصديق رضي الله تعالى عنه عندما استحر القتل في القراء، فشاور عمر أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على أن يبدأ بكتابة القرآن، وذلك بجمعه من صدور الرجال ومما بقي في الألواح. ثم بعد ذلك شرح الله صدر الصديق لذلك، فكان الأمر. ثم تأتي المرحلة الثالثة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المرحلة الثالثة في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في السنة الخامسة والعشرين، وسببه اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف التي في أيدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فخيف الفتنة. إذن هذا هو السبب الذي من أجله جاءت المرحلة الثالثة، وهي جمع القرآن ما وقع في عهد الصحابة في زمن عثمان من الاختلاف، وذلك تبعا للاختلاف النسخ التي بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا هو الصحيح، كما سيأتي في البخاري. وهذا على خلاف ما يدندن به أهل الاستشراق، فأهل الاستشراق من المستشرقين كبعض المعاصرين كالمستشرق بلاشير، هذا يدعي أن عثمان إنما فعل الذي فعل من باب السيطرة ومن باب التحكم ومن باب الهيمنة، طعنا في عرضي وتديني هذا الصحابة الجليل رضي الله تعالى عنه. فيذكرون أن عثمان لأنه أراد الهيمنة على الناس فألزمهم بهذا المصحف، ألزمهم بهذا المصحف. وهذا طعنا في عرض الصحابة، وهذه جهالة ما بعدها جهالة، فإنما عثمان فعل الذي فعل لهذا السبب، هو اختلاف الناس، وقع الاختلاف كما سيأتي في حديث البخاري. قال: فخيف الفتنة، فأمر عثمان رضي الله تعالى عنه أن تجمع هذه الصحف في مصحف واحد، لألا يختلف الناس فيتنازعوا في كتاب الله تعالى ويتفرقوا. وجد هذا في المدينة، وجد كذلك في خارج المدينة، وجد في بلدته في المدينة النبوية أن بعض المعلمين من كانوا يعلم الصبيان القراءة على حرف، وهناك من كان يعلم الصبيان على حرف آخر، وهناك من كان يعلم على حرف ثالث، حتى دبت الاختلافات، وكلهم يرى أنه أصوب من غيره. بل حتى في بعض الروايات أن بعضهم كان يكفر بقراءة البعض. انظر لهذا الاحتدام الذي بلغ إلى هذا المبلغ، إلى أن بعضهم يكفر قراءة بعض، وأنه يغلط القراءة الثانية، هذا ليس بصحيح، بل قراءة صحيحة، وأنت من قراءة الشاذة أو من الأحرف الشاذة. فأصبح الكل يغمز في قراءة الآخر، وتم النقاش وتم الاختلاف والتنازع. زد على ذلك ما بلغ إلى مسامع عثمان رضي الله تعالى عن ما وقع في خارج المدينة، كما في حديث حذيفة في قضية أذربيجان وأرمينيا. قال رحمه الله تعالى: ففي صحيح البخاري أن حذيفة ابن اليمان قدم على عثمان من فتح أرمينيا وأذربيجان، وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. أي هذا قد وقع، قد وقع الاختلاف والنزاع والشقاق بين المسلمين، وذلك من خلال قراءة من كتاب الله سبحانه وتعالى، كل يقرأ بقراءة ويرى أنها هي الأصح، وهي الأصوب، وأن الثانية ملغية أو باطلة. فكان التنازع، وكان هذا يصلي خلف هذا، وهذا لا يصلي خلف هذا، وهذا يقرأ بقراءة ذاك، ويبدع من قرأ بقراءة تلك. فاشتد الاختلاف والتنازع، حتى قال حذيفة ما قال: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب. قال: فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، ففعلت. فأمر زيد بن ثابت، وزيد قد تكرر هنا احتياجه إليه الصديق في الجمع الثاني، وهكذا عثمان في الجمع الثالث، لأن كما قلنا زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه حقق أمرا عظيما عجيبا. وقد مر معنا أن الصديق أمر زيدا أن يجمع القرآن من أين سيجمعه؟ سيجمعه من أماكن صعب جدا على لجان أن تقوم به، فضلا عن رجل واحد يتتبع من اللخاف ومن عسب النخل ومن الأكتاف ومن صدور الرجال. يمر على رجل رجل، على لوحة لوحة، ثم يقارن، ثم ينسخ، وكل ذلك في عام واحد، في عام واحد حتى أدهش من أدهش من المحققين لفعل زيد بن ثابت، كيف استطاع في عام واحد أن يجمع المصحف من هذه الأماكن المتشتتة المتشعبة في الصحف، في الحجارة، في الأكتاف، في العظام، في أوراق النخيل، في عسب النخل، وكذلك من صدور الرجال، كل ذلك في عام واحد. فكان زيد كما ظن الصحابة فيه ظن الحسن، وإنا لا نتهمه، كان شابا نشيطا جلدا في تحقيق هذا الأمر. فكان مما يعتنى به ويعتنى به عثمان، فاختارهم من اللجنة الذي ستقوم بهذه المهمة، وهي جمع المصحف في المرحلة الثالثة. قال: فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وكان زيد بن ثابت أنصاريا، والثلاثة قرشيين. وقال عثمان للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصح، مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. ثم أمر عثمان ما عدا هذه النسخة، أي مصحف كان لمن كان، أن يلغى، ووجه إلغائه أن يحرق. يحرق طبعا هذا ليس الإحراق من باب الإهانة، كلا، وإنه من باب الإكرام، من باب الإكرام حتى لا يتلف، وحتى لا تتبدد أوراقه وتذهب يمنة ويسرة. فأمر بإحراقه، وهذا كان بموافقة الصحابة، فكان ذلك إجماعا منهم. ومن هنا استفاد العلماء مسألة نفعها ينفع في هذه الأزمان، حول كيف المسؤول يتخلص من القرآن، وخاصة الذي لا ينتفع به. وهذه مسألة قد وجهت إلى الفتاوى كبار العلماء، حول لو أن إنسانا عنده مصحف، يعني طال الأمد عليه، فاغبرت أوراقه وتمزقت أوراقه، أو أن هناك مصحف كتب بالخطأ، من عنده بعض المطابع، أو نسخ بالغلط، يعني كيف سيتصرف بهذا المصحف؟ فكانت من فتاوى كبار العلماء أن هذا المصحف إما أن يدفن، وإما أن يحرق. يحرق، وسدد بجواز إحراق المصحف الذي لا يستفاد منه بفعل عثمان في عهد الصحابة، وكانوا كالمجمعين لصنيعه، ما أنكروا عليه. وبهذا أنت تستفيد، إذا كان عندك القرآن، وما كان على نحو القرآن، مثل أوراق فيها لفظ الجلالة سبحانه وتعالى، وما استطعت أنك تحفظه في مكان، كلما جعلته في مكان سقط، تمزق، أخذ فلان وعلان، أو لعبها الصبيان، وخشيت أن الورق يتمزق، يكون عرض الإهانة، يرمى في القاذورات أو في الحمامات. فإكراما لكلام الله عز وجل، ولكل شيء كتب فيه لفظ الجلالة، أردت أن تحفظه، وأن تبرأ الذم بحفظه، احرقه، احرقه بأي نار، ويكون كذلك بعد أن يصاد أن تدفنه، ادفنه في مكان بعيد من القاذورات. وكل ذلك مستفاد من صنيع عثمان رضي الله تعالى عنه. وهذا كما قلنا في حق القرآن الذي لا يستفاد منه، ولا ينتفع، كما قلنا لقدمه أو تمزقه، أولى أنك تعطيه لغيرك إذا كان يستفاد منه، وأنت لا تريده، فأتحرقه، إنهم تعطيه لغيرك من الفقراء، من المساكين، القريبة أو المساجد البعيد في القرى، فإنهم يحتاجون مثل هذه المصاحف التي ينتفع بها. حديثنا كما صنيع صنع عثمان في الذي لا ينتفع منه. قال رحمه الله تعالى: وقد فعل عثمان رضي الله تعالى هذا بعد أن استشار الصحابة رضي الله تعالى عنهم. لما روى ابن أبي داود عن علي رضي الله تعالى عنهم أنه قال: والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، فقلنا: نعم ما رأيت. وقال مصعب بن سعد: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك. وهذا يدلك على إجماع الناس لفعل عثمان رضي الله تعالى عنه، وأنه ذلك من حسناته. عثمان كما قلنا وزع النسخ إلى باقي الأقاليم والأمصار، وأبقى نسخة في المدينة، أبقى نسخة من المصحف في المدينة، عنده. وهذا الذي عرف بعد ذلك بالمصحف الإمام، عرف بعد ذلك بالمصحف الإمام. وهذا الذي أبقاه عنده في المدينة. قال: ولم ينكر ذلك منهم أحد، وهو من حسنات أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه التي وافقه المسلمون عليها، وكانت مكملة لجمع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله تعالى عنه. قال: والفرق بين جمعه وجمع أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. إذن عندي الآن جمع وهو الجمع الثاني على الترتيب الذي قام به الصديق، وعند الجمع الثالث الذي قام به عثمان رضي الله تعالى عنه. يذكر المؤلف رحمه الله تعالى الفارق بين هذا الجمع وبين ذاك الجمع. قال: والفرق بين جمعه، أي عثمان، وجمع أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه تقييد القرآن كله، مجموعة في مصحف، حتى لا يضيع منه شيء، دون أن يحمل الناس على الاجتماع على مصحف واحد. وذلك أنه لم يظهر أثر لاختلاف قراءتهم يدعو إلى حملهم على الاجتماع على مصحف واحد. وأما الغرض من جمعه في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه، فهو تقييد القرآن كله مجموعا في مصحف واحد، يحمل الناس على الاجتماع عليه، لظهور الأثر المخيف باختلاف القراءات. خلاصة الكلام في ذكر الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان، أن الفرق في أمرين اثنين، في الباعث والكيفية. فالباعث هنا ليس كالباعث هنا، والكيفية هنا ليس كالكيفية هنا. وهنا يكون هذا هو جوهر الاختلاف بين الجمعين. فالباعث في مرحلة الصديق رضي الله تعالى عنه هو خشية ذهاب القرآن بذهاب حملته، هذا هو الباعث. لماذا قام الصديق بجمع القرآن في زمنه؟ جمعه لأنه خشي أن يذهب القرآن بذهاب حملته، هذا الباعث للصديق في أن يجمع القرآن. وأما عثمان، فما الباعث على جمع القرآن؟ كثرة الاختلاف، كثرة الاختلاف في قراءة القرآن. إذن تجد أن الباعث عند الصديق ليس كالباعث عند عثمان رضي الله تعالى عنه. إذن الدافع، معنى الباعث، الدافع الذي دفع الصديق لجمع القرآن في زمنه، الخشية بأن القرآن يذهب بذهاب حملته، فجمع القرآن. وأما عثمان، إنما الباعث والدافع إلى جمع القرآن، كثرة اختلاف الناس في القراءة، فكان هذا الباعث لكي يجمع القرآن. وأما الكيفية، فالصديق رضي الله تعالى عنه كان كيفيته في جمع القرآن أنه جمع ما تفرق من القرآن في الرقاع والجلود وصدور الرجال، جمع هؤلاء على مصحف واحد. وأما عثمان، فكان كيفيته أنه نسخ الناس على حرف واحد، نسخ الناس وحمل الناس على قراءة القرآن من حرف واحد. فهذه كيفية عند الصديق، وهذه كيفية عثمان. فالصديق رضي الله تعالى ما حمل الناس على حرف واحد، ترك الأحرف على ما هي عليه، اللهم ماذا فعل؟ جمع القرآن هنا، هنا، هنا، ثم جمعوا في مصحف، لكن عثمان ما الذي فعل؟ لم يجمع القرآن من أشياء متفرقة، وإنما استنسخ القرآن من نسخة واحدة، على حرف واحد، على حرف واحد. وهنا في إشكال، وهي مسألة بعيدة، وهي ليس هذا الموطن الشاهد منها، وهي هل الجمع الذي قام به عثمان، هل عرى من القراءة السبع أم لم يعري؟ هذا مسألة أخرى. من العلماء من قال: لا، بل هناك إمكانية في جمع عثمان أن يقرأ بالقراءة السبعة، وخاصة إذا علمنا أن المصحف الذي جمع في عهد عثمان ما كان منقطا، وما كان مشكلا، كتب المصحف عبارة عن أحرف، الأحرف من غير إعجام، معنى الإعجام بغير تنقيط، ليس هناك نقط. وأيضا من غير تشكيل، معنى تشكيل ليس هناك حركات، إنما أحرف مجردة. وكان الصحابة يقرأون، وكان الحكمة من ترك القرآن بلا نقط ولا تشكيل، بإمكان قراءة القراءة السبع فيه، لأن شرط ما مع القراءة السبع مسألة أخرى، من من يقول أنها قراءة ينظر في التلاوة، ينظر في التلاوة من حيث النقط، ومن حيث كذلك الحركات. وهذه مسألة كما قلنا بعيدة، لكن هذا موطن الشاهد منها. فيقول بعض العلماء أن الفارق بين جمع الصديق أو كيفية جمع الصديق، وكيفية عثمان من هذه الحيثية. فالصديق إنما جمع القرآن من أشياء متفرقة في شيء واحد، وأما عثمان أمر الناس بمصحف واحد، فهذا جمع، وهذا جمع. فهذه من الفروق من حيث الباعث والكيفية في المرحلتين اللتين وقعتا في عهد الصحابة. قال رحمه الله تعالى: وقد ظهرت نتائج هذا الجمع، حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين، من اجتماع الأمة واتفاق الكلمة، وحلول الألفة، وأن دفعت به مفسدة كبرى، من تفرق الأمة واختلاف الكلمة، وفشو البغضاء والعداوة. وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن، متفقا عليه بين المسلمين، متواترا بينهم، يتلقاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيدي المفسدين، ولم تطمسه أهواء الزائغين. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض، رب العالمين. إذن ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل المتعلق بجمع القرآن، بعظيم المصلحة التي تحققت من فعل عثمان رضي الله تعالى عنه. وهل هذا يستفاد منه فائدة؟ نعم يستفاد منه فائدة عظيمة، وهو أن عثمان رضي الله تعالى عنه قد فعل فعلا قد يستعظمه بعض الناس، وهذا محل إشكال. نعم عند بعض الناس أن عثمان على قول من قال: إنه حمل الناس على حرف واحد. أين بقيت الأحرف التي أنزل عليها القرآن؟ والقرآن أنزل على سبعة أحرف، يقال: ألغاها، ألغى الأحرف الستة، وأبقى الناس على حرف واحد. قد يقول قائل: وأن له ذلك، كيف يلغي شيئا من دين الله؟ يقال: أولا ألغاه بإجماع العلماء، بإجماع الصحابة في عهده رضي الله تعالى عنهم. والأمر الثاني، وهو المهم، أن هذه الأحرف السبعة، أصلا ما هي؟ واجبة؟ خذها قاعدة، هي ليست فرض وليست واجبة، وإنما جئ بها من باب الرخصة، من باب الرخصة. كانت العرب لها لهجات، لهجات، وما كان أحد يطاوع الآخر أن يقرأ على لهجته، فما بالسعة من باب الرخصة أنزل ربنا القرآن على سبعة أحرف، رخصة. ولكن لما نشر الإسلام واتسع، للناس واتفق الناس على مصحف واحد، فمن السائق أن يلغي أمره؟ ليس واجبا أصلا، ليس واجبا أصلا. والأمر الثالث، أن عثمان رضي الله تعالى فعل الذي فعل لتحقيق مصلحة عظمى. وهذه فائدة عظيمة، وهو أنك يا عبد الله أحيانا قد تترك شيئا من دين الله، انتبه، تترك شيئا من دين الله، من شرع الله، لكن لتحقيق مصلحة عظمى. مصلحة ما هي؟ شخصية لا، تعود إلى ذواتنا أو إلى أهوائنا كما يفعل العصاة، أو كذلك لأفكارنا وأهوائنا كما يفعل أهل البدع، لا، إنما لتحقيق مصلحة عظمى للأمة، باجتماع الكلمة، وتحقيق الألفة، وتحقيق ذلك وحدة الكلمة. فأحيانا المسلم قد يحتاج لهذا. وكما قال بعض السلف: من المستحب ترك المستحب لإتلاف قلوب الناس. من المستحب ترك المستحب لإتلاف قلوب الناس. وهذا كثير في فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، كم عزم وهم على فعل أمور هي من الدين، ومع ذلك تركها. لماذا؟ لتحقيق ما هو أنفع الأمة، وهو وحدة الكلمة وتأليف قلوب الناس. ما يتعلق بالكعبة، هم نبينا على تكسير الكعبة، وعلى إرجاعها على قواعد إبراهيم، فترك ذلك. عزم على أن يجعل الكعبة بابان، فترك ذلك. لماذا؟ قال: أن قومك حديث عهد بجاهلية، ما أراد أن ينكر أو يشق على الناس في قلوبهم عليه الصلاة والسلام، فترك الأمر على الحالة حتى يبقي هذه المصلحة العظمى. وهكذا الذي صنع عثمان، ما الذي جعله يفعل ويلغي الأحرف الستة؟ ما وقع من الاختلاف، ما وقع من الاختلاف. ومن هنا برر العلماء أن بعض الأشياء قد يفعلها المسلم أو يتركها، قد تكون مباحة، وقد تكون مستحبة، لكن لتحقيق مصلحة عظمى، مصلحة عظمى، توحيد الكلمة واجتماع القلوب. فهذا أمر يا عبد الله يعتبر من الأمور العظيمة. وللأسف كم من الناس من يجهل هذه المسألة؟ وهي مسألة ما ينبغي أن يجهلها، أو خاصة تجهل عند أهل السنة والجماعة. كيف تجهل ونحن نعلم من مداد في ليلنا ونهارنا أن مصادر التشريع ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع. الإجماع له معتبر، اجتماع الكلمة، وحدة الصف، قوة الكلمة، له معنى ومعنى مهم في دين الله عز وجل. تواترت أدلة الكتاب والسنة على حفظ الصف وعلى وحدة الصف، وأن أي شيء يشوب الصف يمنع، ولو كان من دين الله، يعني ليس من الفرائض والأركان، ولا من التوحيد، لكن إذا كان من الأمور المشروعة، مستحبة، تترك لإبقاء هذا الواجب الذي أمرنا به. فاستفاد العلماء من فعل عثمان هذا المستفاد، ومع ذلك شكر الناس فعل عثمان رضي الله تعالى عنه. معنى ألغى شيئا من دين الله، لكن حفظ الأمة، وبعد ذلك ذهب النزاع وذهب الاختلاف، واستمر الناس كلهم على قلب رجل واحد، على مصحف واحد. وهذا كان من عظيم اجتهادات عثمان رضي الله تعالى، وبنوفيق الله له أن يجمع الناس على هذا الاصطفاف البديع، رضي الله تعالى عنه. فهذا ما سأذكره إخواني في هذا الباب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.