الدرس في شرح كتاب التوحيد 154، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي حول الطيرة والفأل، حيث نهى عن التشاؤم وأثنى على التفاؤل بالكلمة الطيبة. يوضح الفرق بين الطيرة والفأل وأثر التفاؤل على الإنسان.
التفاؤل يزيد من حماس الإنسان بينما التشاؤم قد يؤدي إلى تأثير نفسي سلبي. ينبغي للمسلم أن يكون متفائلاً ولا يلتفت للتشاؤم.
التفاؤل الشرعي يولد حسن الظن بالله، بينما يؤدي التشاؤم إلى السخط والشكوى. يناقش المقطع مفهوم التفاؤل الشرعي وخلق الفأل.
المقطع الختامي يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويتبعه صلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على رسول الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال ولهما عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيارة، ويعجبني الفأل». قال: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الطيبة». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو من الأحاديث التي أوردها رحمه الله تعالى في باب ما جاء في الطيرة. فقال: ولهما، أي في البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى». مر معنا ما معنى كلمة «لا عدوى». العدوى من الإعداء، وهو انتقال المرض من شخص إلى آخر. «لا عدوى» أي لا عدوى مؤثرة في نفسها، وإنما انتقال الأمراض بيد الله جل في علاه، إلا أن الإنسان يأخذ بالأسباب. «لا عدوى ولا طيارة». ولا طيارة قد مر معنا الطيارة بمعنى التشاؤم، فالإنسان لا يتشاؤم في حياته وفي أموره. قال: «ويعجبني الفأل». قال: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». الفأل مأخوذ من التفاؤل، وهو كل ما يسر به الإنسان، وهو عكس التشاؤم. فالتشاؤم هو كل ما يتشاءم منه الإنسان، هذا مكروه ممنوع، لكن يقابله التفاؤل، فهو أمر محمود، بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل. أنك تتفاؤل يا عبد الله في أمورك وفي شؤونك، قال: «ويعجبني الفأل». قال: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». وهل معنى هذا أن التفاؤل ما يكون إلا بالكلمة الطيبة؟ لا، التفاؤل أعم، يكون بالأقوال ويكون بالأحوال، كما سيأتي معنا في ذكر المثال. لكن مما يكون منه التفاؤل بالكلمة الطيبة، يتفاؤل الإنسان. فالتفاؤل إخواني في الله مما يحمد عليه، أن فيه حسن الظن بالله، كلما دخلت في أمر من الأمور تتفاؤل فيه، هذا مما يزيدك حسن ظن بالله، والله يحب حسن الظن فيه جل وعلا. وقد بيّن العلماء الفرق بين التفاؤل وبين التشاؤم، كما أشار إلى ذلك الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه. ما الفرق بين الفأل وبين الطيرة؟ مع أن الفارق الأول أن نفهم أن التشاؤم فيما يكره، وأن التفاؤل فيما يسر. زد على ذلكم أن من أعظم الفوارق أن الفأل والتفاؤل لا يتعلق في عقيدة الإنسان، ولا في عقله، ولا في تعلقه بشيء، بتعلق قلبه، ما فيه تعلق لا من قريب ولا من بعيد. وإنما الفأل يعطيك دافعًا فيما أنت قادم عليه، يعطيك من الجد ومن الاجتهاد ومن حسن الظن بالله، ومما يكون من حسن العمل، هذا مما يكون من أمر الفأل. مثاله يا عبد الله: رجل أراد أن يعقد زواجًا، أو أبرم أمره على سفر، فبينما هو يستعد لذلكم إذ سمع أصواتًا من الكلام الحسن، أو رأى أحوالًا أو شاهد أعمالًا مما يسر به الخاطر، فكان من أثر ذلك أن تنشط في فعله. هذا هو التفاؤل، تستفيد يا عبد الله أنك تنطلق بكل أريحية، وهو يعظم الرجاء بالله جل في علاه. كما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، عندما أراد أن يبرم الاتفاقية مع كفار قريش، فأرسلوا رسولًا لكي يفاوضوا نبينا على بنود الصلح، وكان من أحد الرسل الذين أرسلهم الكفار إلى رسول الله سهيل، حين كان على كفر. فقال نبينا لما علم بقدومه: «جاء سهيل، سهل الله أمركم». جاء سهيل، سهل الله أمركم. استبشر نبينا من اسمه، اسمه فيه نوع من الأريحية، سهيل، في هذا المقام العسير، فيه سهولة. قال: «جاء سهيل، سهل الله أمركم». وهكذا مثله أنت يا عبد الله، أردت أن تسافر سفرًا فإذا بك تجد أن الأجواء قد اعتدلت، وهبت لكم الريح الطيبة، تقول: ما شاء الله، الحمد لله. مش أردت خير يا الله؟ يا شباب، ما شاء الله، الأجواء معنا، تستأنس أنت قادم أصلا أنت مسافر، لكن تستبشر من هذه الأمور، من هذه الأحوال، من هذه الأصوات، من هذه الرؤى، ما يعينك على أن تمضي قدمًا. فتجد أن الفأل ليس له علاقة بعقيدة، وليس له علاقة بعقل، ولا بشيء، وإنما هو مما يزيد في الحماس. ولهذا كان نبينا يعجبه الفأل، لأنك ما تخسر شيء، وإنما تستدل، ما فيه أنك تمضي في حال سبيلك. أما التطير والتشاؤم، فالأمر يختلف، وهو حاله كما مضى معنا في الأمثلة الكثيرة الماضية. فأن الإنسان أراد أن يعقد أمرًا فرأى ما يكره، إما من مشاهدة وإما من معلوم أو مسموع، فأثر هذا على قلبه، فكان بين أمرين لا ثالث لهما. كما قلنا: رجل أراد أن يفتح محلا، أو أراد أن يسافر، فرأى ما يعكر مزاجه من رؤية حيوان كالبوم أو كالغراب، أو سمع صوتًا كنهيق الحمار، أو رأى رجلًا أعور في صباحه، أو حادث السيارة أمام ناظريه، جعل هذه الأمور في محل تشاؤم، تشاؤم منها. فكانت تشاؤم مردودًا عليه على أحد وجهين: إما أن تؤثر فيه تأثيرًا بالغًا بحيث أنه يلغي ما كان قد عزم عليه. أراد أن يسافر ألغى الرحلة، أراد أن يفتح المحل أخذ إجازة، أراد أن يعقد اتفاقية في هذا اليوم اتصل على صاحبي قال: أخر ما الأسباب؟ ما هناك أسباب إلا هذه الأحوال. وهذا مما يؤثر في إيمان العبد، إذ أن فيه التعلق بالأسباب، وفيه كذلكم قلة الخوف من الله، وعدم التعلق بالله والتوكل عليه، وفيه ما يكون من ضعف الإيمان، إذ أنه التفت لمثل هذه الأشياء، وهي من الخيال، ليس لها واقع. فهذا مما يكون من أعظم التأثير التشاؤم. أو الصورة الثانية أن الإنسان قد لا يلتفت إلى هذه الأشياء، لكنها تجعل في نفسه، في نفسه. أراد أن يسافر فوقع حادث أمام ناظريه، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إيش البلية هذه من الصباح؟ حرك السيارة، لكن داخل في قلبه خوف، ضيق، حرج، هو مشى، لكن أثر في نفسه. هذا أهون، هذا أهون من الأول الذي ألغى الرحلة، هذا مضى، لكنه جعل في قلبه التأثير النفسي. هذا يخاف على صاحبه، وإن كان أهون، لكن فيه خوف وشر وضرر، إذ أنه جعل لهذه الأشياء حظًا من القلب. أضف على ذلك أن الشر يزداد ما لو أن شيئًا صار له في طريقه، هنا تعظم البلية. فبينما هو يمشي بنشر التاير مثلًا، قال: أنا قلت في الصباح هذا اليوم سيأمر على خير، أصبح يولد ما خاف منه من أول. ولهذا الإخوان في الله، الإنسان يلغي باب التشاؤم كله، لا يلتفت إليه، وسيأتي معنى كيفية التعامل مع هذه الأمور المتشائمة. فالحاصل إخوان في الله أن المسلم ينبغي أن يكون متفائلًا التفاؤل، وينبغي أن ننبه على أمر، ليس مقصود التفاؤل أنك تجعل سببًا من الأسباب هو جالب للخير. انتبه، لا يدخل هذا في التفاؤل الشرعي، يعني بعض الناس إخوان في الله يجعل أشياء وأسباب إذا صارت أن هذه تجلب له الخير، لا، هذا ما يجوز، وخاصة أن هذا الأمر جعله سببًا وهو ليس سببًا، لا شرعيًا ولا كونيًا. كما وقع لابن عباس أنه كان يسير مع رجل، فإذا برجل سمع صوت طائر، فقال هذا الرجل مستبشرًا: خيرًا خيرًا. فغضب ابن عباس، قال: وأي خير من صوت طائر؟ ما له علاقة. هل تظن أن صوت الطائر يأتي بخير؟ لا، ما له علاقة، كما أن نهيق الحمار ونعيق الغراب ما يأتي بالشر، كذلكم أصوات الطيور ما تأتي بخير، أنك تستجلب منها خيرًا. مثاله ما هو في بلادنا حاصل، تلك الحشرة التي يسميها بعضنا بالمبشر، حشرة معروفة سوداء تصدر أصواتًا عند اضطرابها وتحركها، فبعض الناس يقول: أمبشر، ما شاء الله، خير، خير، ما شاء الله، خير، ما شاء الله، خير. حشرة سوداء تقفز في مكانها تأتي بخير، هذا ما يجوز الاعتقاد. كما أننا نمنع من الناس أنهم يتخذوا أسبابًا تجلب عليهم الشر، يقابله لا تأتي بأسباب تجلب عليك الخير، لا هذا ولا ذاك، لا من الأسباب الكونية ولا من الأسباب الشرعية. لكن التفاؤل الشرعي عبد الله، أنك تستأنس فقط، تمضي أنت ماضي، ماضي في حال سبيلك، قادم على زواج، قادم على رحلة، قادم على سفر، قادم على اتفاقية، قادم على أي أمر ما، ثم في خلال خضمك في هذا الأمر تستأنس بأشياء تنشرح بها الصدر، لا غير. هذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، وهذا المراد في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «ويعجبني الفأل»، أن تتفائل، وهذا خلق عظيم إذا تولد في الإنسان، فإنه سرعان ما يكون من أحسن الناس ظنًا بالله. كن هكذا يا عبد الله في أحلك المواقف، كن دائمًا متفائلًا. ألم تر إلى نبيك عليه الصلاة والسلام وهو في ذلكم الموقف العظيم، عندما زجره قومه من كفار قريش، آذوه بالكلام واللسان، بالأقوال والفعال، فخرج مهمومًا عليه الصلاة والسلام حتى ذهب إلى أهل الطائف، عل وعسى أن يجد عندهم ما يطيب فيه خاطره، ما يجد فيه أناس يستجيبون لدعوة التوحيد. فوجد الأشد والأعتى أن تمال الصبيان والمجانين على رميه وقذفه بالحجارة حتى أدموا قدميه عليه الصلاة والسلام، فما يدري أين يذهب؟ وقد علاه الهم والغم والشدة والكرم. فبينما في هذه الحالة عليه الصلاة والسلام إذ بجبريل يأتيه، وهو أشرف الملائكة، ويسلم عليه، ويقول: يا محمد، جئتك بملك الجبال، جبال الأرض كلها تحت إمرة هذا الملك، كل جبال الأرض شرقًا وغربًا، في كل مكان، وكل القارات تحت إمرته، أمره الله على هذه الجبال، هو الملك بنفسه، قدم إلى رسول الله، سلم عليه، وقال: يا محمد، مرني بما شئت. لو أردت أن أطبق على أهل مكة الأخشبين، الجبال المحاطة بأهل مكة، لو أردت إذن لي أن أطبق عليهم الجبال لأطبقته وأهلكتهم عن بكرة أبيهم حتى يذهب ما في قلبك. فقال عليه الصلاة والسلام، وهو المفعم بالتفاؤل: «لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله». معنا ما هناك قرينة بالعكس، الواقع التشاؤم بالعكس، الشدة والكفر والضيق والحرج، ومع ذلك التفاؤل. وهكذا عباد الله، ونحن في خضم هذه الأحوال المزرية والأوضاع المخزية، مع ذلك نتفاؤل، يسر الله عز وجل، سيغير الله، ويجعل الله بعد ذا بعد عسر يسرًا. ولا يزال المسلم يتفاؤل بما عند الله، فكيف سيكون حاله؟ انظر لحال المتفائلين، تجده دائمًا وهو حامد لله، شاكر لله، لأنه هذا الخلق العظيم يولد حسن الظن بالله. بخلاف المتشائم المتذمر، ما تجده إلا ساخطًا، شاكيًا، باكيًا في ليله ونهاره. فلهذا يا عبد الله احرص على هذا الخلق، كما أن الله حباك بأن منعك من التطير والتشاؤم، فتربى ربي نفسك على خلق التفاؤل، أنك دائمًا متفائل بما عند الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.