شرح كتاب التوحيد 152

شرح كتاب التوحيد 152

الدرس في شرح كتاب التوحيد 152، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التطير في الإسلام

يتناول المفهوم القرآني للتطير كتشاؤم بأمر معين، والرد القرآني على من يتشاءمون، مؤكدًا أن القضاء والقدر بيد الله وحده. يُظهر أن التطير ليس له أساس في الإسلام.

التشاؤم والتطير صفات الكفار

يشرح أن التشاؤم والتطير صفات أصيلة في الكفار كما ورد في القرآن، وتنتج عن الكفر والإعراض عن دين الله، ويحذر من الوقوع في هذه الصفات لأنها ليست من صفات أهل الإيمان.

تفسير الآيات وتقدير الخير والشر

يفسر الآيتين المتعلقتين بقصة موسى وفرعون وقصة أهل القرية مع الرسل، ويشرح كيفية الجمع بينهما في سياق التطير والتشاؤم، مؤكدًا أن تقدير الخير والشر بيد الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾. قال: وقوله عز وجل: ﴿قالوا طائركم معكم﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هاتين الآيتين في معرض كلامه عن التطير، بقوله: باب ما جاء في التطير. وعلمنا أن التطير بمعناه العام أنه التشاؤم بأي شيء، وأن هذه المسألة من المسائل المنهية عنها شرعًا. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل استدلاله بهذا الباب بما أورده بهاتين الآيتين: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾، وبقوله تعالى: ﴿قالوا طائركم معكم﴾. أولًا، ما يتعلق بهذه الآية الأولى في قوله جل وعلا: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾. في أولها ما كان محكيًا عن حال قوم فرعون مع موسى عليه السلام ومن معه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذا وإن تصبهم سيئة يطير بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله﴾. يخبر ربنا جل وعلا بما كان من حوار بين موسى عليه السلام ومن معه من أهل الإيمان، ومع قوم فرعون. كان من اعتقاد قوم فرعون أنهم كانوا يقولون: إذا جاءتهم الحسنة - وهي الأرزاق والأموال والخصب وكثرة الأمطار وغير ذلك من الخيرات - إذا وجدوا الحسنة قد جاءتهم، قالوا: «لنا هذا»، بمعنى أنهم يستحقون ذلك بجدارة، فنحن أهل لها، وهذا من حقنا. حتى إن ذلك يمنعهم من الشكر، يمنعهم من شكر الله على ما نشكر الله، ما يحتاج هذا إلى شكر؛ لأننا نحن أهل لها. وبالمقابل: «وإن تصبهم سيئة» - وهو عكس الحسنة، مما يسوءهم من الجدب والقحط وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وما يكون من انتشار الأمراض والأسقام - ماذا فعلوا؟ قالوا: «تطيروا بموسى ومن معه»، تطيروا، تشاءموا، وقالوا: ما حصل لنا هذا الكرب إلا منك يا موسى ومن أتباعك، بعدما جئت بهذا الدين وأتيت لنا بهذه العقيدة، حلت علينا الكوارث. «تطيروا بموسى ومن معه»، فهذا هو التطير الذي كان منهم. فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾. نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير هذه الكلمة: «ألا إنما طائرهم» أي الذي قدر عليكم، وما يتعلق بباب القضاء والقدر، فهو الذي جلب عليكم الخير والشر والحسنات والسيئات، إنما ذلك بتقدير الله، هذا من عند الله. ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾ أي ما ابتلاكم الله به من السوء، وما جاءكم الله به من الخير، إنما كان ذلك بتقدير الله جل في علاه، ليس لموسى ولمن معه دخل ولا سبب، لا في الشر ولا في الخير. قال ربنا: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾. الآية الثانية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قالوا إنا تطيرنا بكم﴾، هذا في قصة أصحاب القرية، عندما أرسل الله جل وعلا إليهم الرسول الأول ثم الثاني، فعززنا بثالث، ثم جاء إليهم ذلكم الرجل الذي دعم الدعاء ودعم الرسل بدعوته، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى. الشاهد أن الرسل حرصوا كل الحرص على دعوة القرية بالنصح وباللطف وبالرحمة واللين، إلا أن أهل هذه القرية عتوا عتوًا كبيرًا، وكان من عتوهم وردهم الفج والقبيح على الرسل أنهم صرحوا بها بملء أفواههم، قالوا: «إنا تطيرنا بكم»، أنتم يا أيها الرسل، يا من تدعون أنكم من عند الله، نحن قد تشاءمنا منكم، وجودكم شؤم، وجودكم كما يعبر عنه الآن نحس، أنتم نحس، أنتم شؤم. قالوا: «إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا - أي تكفوا عن تواجدكم عندنا - لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم». فماذا رد الرسل؟ قالوا: «طائركم معكم بل أنتم قوم مسرفون»، طائركم معكم، بل أنتم قوم مسرفون، أي أن شؤمكم ليس بسببنا، وليس بوجودنا، وإنما شؤمكم بما كان منكم من كفركم وعراضكم عن دين ربكم، هذا الذي أوصلكم إلى الحال الرديئة والأحوال الرزية. هذا إخواني في الله خلاصة هاتين الآيتين اللتين ذكرهم المؤلف رحمه الله تعالى، وفيه من الفوائد أولًا: أن نعلم أن التشاؤم صفة أصيلة متأصلة في الكفار، كما رأينا في قوم فرعون وفي قوم القرية، أين هؤلاء وأين هؤلاء من الأزمان والأحقاب وبعد الديار؟ لكن بماذا تشابه؟ تشابه بالكفر. فما الذي يولد الكفر؟ الكفر يولد التشاؤم، دل على أن التشاؤم هي صفة من صفات أهل الكفر، التشاؤم بالأشخاص، بالأحوال كما مر معنا، بالمرئيات، بالمسموعات، بالمشاهدات، هذا ليس من صفات أهل الإيمان. فاحذر يا عبد الله أن يقع منك شيء من صور التشاؤم، من صور التطير؛ لأن هذه الفعلة هي من صفات وخلال الكفار. وهذه الآية توضح لنا هذه المعاني. الفائدة الثانية من هذه الآية: فيها ما يكون من انتكاسة فطر أهل الكفر، وأعظم انتكاسة أنهم يجابهون الخير العظيم الذي أراده الله لهم، وأي خير أعظم من أن الله يسوق إلى الكفار من يدعوهم إلى الإسلام، من يدعوهم إلى الإيمان، من يدعوهم إليه جل في علاه؟ لو أن الله تركهم لحالهم لتردوا وتخبطوا، ثم كان مآلهم إلى النار وبئس القرار، لكن من عظيم رحمة الله بعباده وبخلقه أن يرسل لهم الرسل لكي يدلون الخلق إليه جل في علاه. لكن انظر لهؤلاء كيف عاملوا هذه المنة العظيمة والخصلة الجليلة؟ قابلوها بالجحود والكفر، وأعظم ذلك أنهم جابهوها بالتشاؤم، هذه انتكاسة عظيمة للفطرة. أنت عندما يأتيك أحد بخير يطرق عليك الباب، أقول: يا فلان، علمت ما قد أصابك من ضر وشدة، وها هي مساعدة مني لك، أو أطلب ما تريد، فأو الله ما أسأل جهدًا في أن أقصر معك، سألبي ما تريد، أطلب. هل تظن أن هذا الذي يأتي بالسؤال سيقول: «اذهب من عندي يا شؤم يا نحس، أنا متشائم منك ومن وجودك، لا تأتي إلى عتبة بيتي»؟ ما سيجاب هذا الجميل أحد من خلق الله، بل إنه ربما سيقبل على هذا الآتي بالتقبيل والاحترام والإجلال والإعظام، ويرجى من السماء أن الله أوصله إلى داره. فما ظنك يا عبد الله برسل يأتون إلى عقر بيتك وإلى عتبات دارك ويدعونك إلى الله وإلى دينه؟ نعمة عظيمة، لكن من كان كافرًا فإن الفطر تنتكس عنده: «إنا تطيرنا بكم»، يقال هذا فيمن جلب لك يا عبد الله بنعمة أعظم نعمة في الوجود، ألا وهو دين الله جل في علاه. كذلك مما يستفاد من هذه الآيات إخواني في الله: أن من أعظم الشبه التي يستدل بها أعداء الدين في الرد على دعوة التوحيد مسألة التطير. وهذه الشبهة التي يستدل بها أعداء الدين قديمًا كما سمعنا، ولا يزال حديثًا، حديثًا عندما ظهرت دعوة السنة مثلًا في هذه البلاد وفي غيرها من بلاد المسلمين، وجاب الدعاة هنا وهنا دعوة إلى الرجوع الصافي إلى العقيدة الصحيحة وإلى السنة الصريحة. كان مما يدند به العامة ومن كان من أهل البدع والضلالة يقول: «أنتم بعدما جئتم - يا أصحاب اللحى ويا المطاوعة - بعدما جئتم، ما رأينا منكم خير، والله ما رأينا منكم خير، كنا على حالتنا، كانت الأمطار وكانت الأرزاق تأتينا، لكن بعدما جئتم أنتم انظر في الأوضاع»، هذا ماذا؟ هذا هو التشاؤم بعينه، هذا هو التشاؤم بعينه. تشابهت قلوبهم، نفس الذي نطق به فرعون مع موسى ومن معه، وما كان من أمل أهل القرية مع الرسل، وما كان في كل زمان، وما كان ما يقوم به أعداء التوحيد والسنة في مجابهة دعاة الخير بمثل هذه الدعوة: التطير بعدما جئتم، بعدما رأيناكم، بعدما قدمتم تغيرت الأوضاع، ما الأمطار، ما هناك شيء، سبحان الله، هذا مننا، هل نحن بأيدينا زمام الأمور بأيدينا أن نمسك خزائن السماوات والأرض؟ ولكن القول كما قال الله: ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾، الجهل، الجهل، الجهل، والذي أوصل الناس إلى هذا الحد. كذلك من فوائد هاتين الآيتين مسألة الجمع بين الآيتين، قد يقع الإشكال عند بعض الناس وهو يقرأ في الآية الأولى في قول موسى لفرعون: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾، طائرهم عند الله، وفي قصة أهل القرية: «قالوا طائركم معكم»، طائركم معكم، هنا إشكال، كيف؟ موسى قال لفرعون عندما تشاءم فرعون من موسى: «طائركم عند الله»، ولما كان أهل القرية تشاءموا بالرسل، قال لهم الرسل: «طائركم معكم»، معكم أم مع الله؟ قال العلماء: ما هناك تعارض بين الآيتين، فقول من قال في قصة موسى مع فرعون: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾ أي أن تقدير الخير والشر، وما يكون من تقدير المصائب والكوارث والجدب والقحط، إنما تقديره من عند الله، هذا معنى قول موسى: «طائرهم عند الله»، أي تقدير ذلك عند الله. وأما في قول الرسل لأهل القرية: «طائركم معكم»، أي أن ما أصبتم به من الجدب والقحط بسبب ذنوبكم، بسبب ذنوبكم. إذن الجمع بينهما: أن الله جل وعلا نعم هو الذي يقدر الخير، وهو الذي يقدر الشر من المصائب والكوارث والعواقب السيئة، لكن هذا يكون بسبب، بسبب الذنوب والمعاصي والمخالفات. هنا يكون الجمع بين الآيتين: «طائرهم عند الله» أي أن الله هو الذي يقدر، «طائركم معكم» أي ما يقدره الله إنما كان بسبب ذنوبكم. فمن خلال الجمع سنعلم فائدتين اثنتين. «ألا إنما طائرهم عند الله» أن تعلم يا عبد الله أن ما تصاب به من ضر ومن شدة ومن فتنة ومن ضيق، اعلم أن ذلك بتقدير الله، حينها وجب عليك أن تصبر، وجب عليك أن ترضى وتسلم، قل: «لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»، هو مولانا جل وعلا، قدر علينا كل شيء، الخير والشر. فإن أصبت بمرض، بفقر، بضيق، بشدة، بحرج، اعلم أن ذلك بتقدير الله، حتى ما مضى معنا في مسألة السحر، كون أن الإنسان يصاب في نفسه أو في أهله لمدة مديدة وسنوات عديدة بالسحر، اعلم أن هذا بتقدير الله، «وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله». والإنسان متى ما اعتقد هذه العقيدة الصحيحة صبر واحتسب. «ألا إنما طائرهم عند الله»، فالله، فما أحد يقدر للناس شيئًا إلا هو جل وعلا. والآية الفائدة الثانية التي فيها: الفائدة الثانية على أن ما يقدره الله من الشر إنما بسبب ذنوب العباد، تعلم يا عبد الله مغبة الشر، وأن الشر من المعاصي والذنوب، لا تظن أن أثره يدخر لك في الآخرة بما يكون من العقوبة في عذاب الله وفي غضب الله. بل أحيانًا يكون من ضرر المعصية أن شؤمها يكون في حياتك الدنيوية، في حياتك الدنيوية، فلربما كان الإنسان على خير، فإذا انقلب على المعاصي والذنوب ضيق الله جل وعلا عليه، فابتلاه بالأمراض والأسقام والأزلام، وابتلاه الله عز وجل بالفقر والضيق والشدة والحرج. «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس. فالشاهد أن هاتين الآيتين تستفاد منها تلكم الفائدة وتلكم الفائدة. والخلاصة في هذا المبحث: أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن مسألة التطير - وهو التشاؤم - إنما هو من صفات أعداء الدين ومن صفات الكافرين. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.