شرح رسالة فضل الإسلام 8

شرح رسالة فضل الإسلام 8

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث "أحب الدين إلى الله"

يبدأ الشرح بتوضيح معنى حديث "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" ويبين مفهوم "الدين" فيه. يشمل ذلك تفسير الحديث ومعناه في سياق الإسلام.

فضل الحنيفية السمحة في الإسلام

يتم شرح معنى الحنيفية السمحة وفضلها في الإسلام، حيث يقوم على اليسر والسهولة. كما يشير إلى أن الله يحب أهل هذا الدين ويحب الخصال اليسيرة فيه.

تطبيق اليسر في مختلف مجالات الحياة الإسلامية

يتم توضيح مبدأ اليسر في الإسلام وتطبيقه في مختلف مجالات الحياة مثل العبادات والمعاملات والعقيدة. يشدد على أهمية فهم هذا المبدأ بشكل صحيح لتجنب التكلف أو التحريف.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفيه تعليق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». أورد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الحديث في معرض كلامه على فضل الإسلام، فذكر الآيات وذكر الأحاديث، ثم تتمة رحمه الله تعالى بهذا الأثر، ونبه عليه بقوله: وفيه، أي في صحيح البخاري، وذلك للعطف، وفيه تعليق، أي هذا الحديث الذي أورده البخاري من الأحاديث المعلقة. والحديث المعلق خلاصته هو أن يقوم المصنف بحذف مبادئ السند، أن يقوم المؤلف والمصنف بحذف مبادئ السند، كان يحذف شيخه أو شيخه ومن بعده، أو يحذف سائر السند فيرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. فهذه الطريقة عند المحدثين تسمى بالحديث المعلق. والحديث المعلق بهذه الصورة ليس على شرط البخاري، ليس على شرطه، لأن شرط البخاري أن يكون الحديث متصل السند إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث المعلق ليس من الأحاديث المتصلة، إذ أن فيه حذفًا في إسناده. ولهذا فمن الأحاديث المعلقة منها ما يكون ثابتًا صحيحًا، ومنها ما يكون ضعيفًا. واستطاع العلماء من باب الاستقراء أن يحكم على أحاديث الإمام البخاري المعلقة في صحيحه أن منها ما يكون صحيحًا ومنها ما يكون ضعيفًا، وذلك من حيث الرواية. فما رأوه أن البخاري رحمه الله تعالى علقه بصيغة الجزم، فهذا ثابت صحيح. وما أورده البخاري بصيغة التمريض، كان يقول: «روي عن...» من صيغة التهو الحكية، فإذا روى الحديث البخاري معلقًا بهذه الصيغة، تسميه العلماء بصيغة التمريض، فبهذا الحديث يكون ضعيفًا. وهذا الذي جنح إليه أكثر العلماء، وبنوا هذه القاعدة على الاستقراء التام لأحاديث البخاري رحمه الله تعالى وصنيعه في صحيحه. فقوله رحمه الله تعالى: وفيه تعليق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». وهذا الحديث رأى العلماء بعد الفحص عن إسناده أنه ثابت صحيح. بل البخاري نفسه رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث في كتاب آخر، وذلك في كتابه «الأدب المفرد». أورده هناك، والحديث ثابت، وقد ذكر العلماء له شواهد عدة، فقد ثبت من حيث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. هذا الحديث، إخواني في الله، أورده المؤلف في هذا الباب لبيان فضل الإسلام. فننظر في ما هي الحديث وما يتعلق بمعانيه. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». ما المقصود بالدين هنا؟ حمل العلماء من شراح الحديث كالحافظ بن حجر وجماعة من علماء التوحيد إلى أن كلمة الدين تحتمل على معنيين اثنين. ومن هنا تظهر فضيلة الإسلام. إما أن الدين هنا، أحب الدين هنا، الألف واللام قال علماء: تأتي بمعنى الجنس، فيكون بمعنى الأديان، فمعنى الحديث: أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة. والحنيفية السمحة وصف لدين الإسلام، فأحب الأديان عند الله جل وعلا الذي لها الحالة المرضية والتي يحبها الله أكثر من غيرها هي ملة الإسلام. هذا معنى الحديث: أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة. هذا المعنى الأول. المعنى الثاني: أن دقنا الدين هنا، الألف واللام بمعنى العهدية، وهو الدين الذي مغروز في الأذهان. إذا قرأ المسلم هذا الحديث وسمعه من رسول الله، ما الذي نعنيه بالدين؟ الدين الإسلامي. فمعنى الحديث: أحب الدين الإسلامي الحنيفية السمحة، بمعنى أن أحب خصال هذا الدين ما كان فيه السمحة، ما كان فيه الحنيفية السمحة. هذا معنى آخر لهذا الحديث. نأتي الآن إلى التفسير على المعنى الأول. لو قلنا أن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، أي أن أحب الأديان إلى الله جل وعلا هو هذا الدين. هذه فيه فضيلة، فضيلة الإسلام بأن الله سبحانه وتعالى ميزه عن غيره. وفيه كذلك إشارة، بما أن الله أحب هذا الدين، فإن الله قد أحب أهله. وهذه بشارة لكل مسلم بأنه محبوب عند رب العالمين. فمقتضى محبة الدين عند الله أن الله يحب كل من ينتمي إليه. وفي هذا الحديث إشارة إلى ميزة، والذي بها تحصل به الإسلام على هذه الرفعة العالية عند رب البرية، ألا وهي أنه قائم على الحنيفية السمحة. السمحة بمعنى اليسر والسهولة. فهذا مما تمتع وتميز به الإسلام عن سائر الملل والأديان. الملل والأديان التي كانت قبلنا جعل الله جل وعلا في شريعتها من التكاليف ومن المشاق ومن الآصار ومن الأغلال ما ليس قد وجد في ملتنا أبدًا. بل ديننا يقوم على اليسر، ما جعل عليكم في الدين من حرج. ما هناك حرج في ديننا. لو قارنا ديننا بدين من كان قبلنا لرأينا البون الشاسع والفرق الواضح. من كان قبلنا إذا أحدهم فعل ذنبًا وأراد أن يتوب، فسبيل التوبة أن يقتل نفسه. بينما هنا الإقلاع عن الذنب والإقبال على الله يكفيك. من كان قبلنا إذا وقعت النجاسة في ثوبه، ما هناك سبيل للتخلص من النجاسة إلا بقطر هذا المحل. أما في ديننا فحسبك يا عبد الله أن تدعكه بالماء، فإذا به تطهر. في من كان قبلنا ما كانوا يتمتعون بالغنائم، وإنما أحل الله الغنائم للأمة المحمدية لما رأى الله ضعفنا وعجزنا. وهكذا قصة يا عبد الله. من كان قبلنا ما يعرف التعبد بأداء الصلاة إلا في أماكن معدودة من البيع والكنائس والصوامع. أما في ملتنا فأي ممر أدركته الصلاة في بر في بحر في جو، فيصلي حيثما أدركته الصلاة. ما كان قبلنا يتمتع بهذه المزية. وهكذا فضائل عظيمة كلها تقوم على أن هذا الدين جعل الله فيه من اليسر والسهولة ما ليس في غيره. ولهذا كان محبوبًا عند الله، أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، أي أحب الأديان إلى الله هذا الدين لما تمتع به من السماحة. والمعنى الثاني: أحب الدين، أي أحب خصال هذا الدين ما كان فيه اليسر والسهولة، ما كان فيه اليسر والسهولة. فالمسلم، إخواني في الله، في تعبده لربه في شريعة الإسلام، لربما يخير بين أمرين أحدهما أشق أو أشد من الآخر. فأنت يا عبد الله إذا وصلت إلى هذا المحك بأنك إما أن تفعل هذا وإما أن تفعل ذاك، فاعلم أن دينك يأمرك أن تأخذ بالأيسر. أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، أحب الخصال عند الله في هذا الدين أنك تختار الأيسر الذي ليس فيه الكلفة وليس فيه المشقة ولا العنت. ومن نظر إلى قواعد هذا الدين تجد أن القواعد كلها منصب على تأصيل هذا الأصل العظيم: رفع الحرج. رفع الحرج في باب التعبد لله جل وعلا، كالقاعدة المعروفة: «لا ضرر ولا ضرار»، أو ما يسمى: «الضرر يزال»، بمعنى لا تجعل عليك ضرر. أو قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»، وقاعدة: «لا محرم مع ضرورة»، ومنه قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، أو «لا واجب مع عجز». إذا كان هناك عجز في أداء الواجب، فإن الواجب يسقط عند عجزك. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فهذه القواعد وغيرها كثير، إذا تتبعها المرء المسلم يعلم أن الله في دينه يأمر كل مسلم أن يتحلى بالرفق واليسر في تعبده لربه. بل هذا نبينا كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما». ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، مختار الأيسر. ولهذا ثبت عن رسول الله أنه قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه». فعطاك الله رخصة في فعلها، فتتبع الرخص، فإن الله يحبها لأن دينه قائم على هذا، قائم على السهولة وعلى اليسر وعدم الكلفة. لكن أنبه على أمر، إخواني في الله، أن هذا الدين يدعو إلى اليسر، لكن من أي باب؟ هل هذا الباب يدعو يعني مجاله واسع؟ لأن أي واحد منا يتعبد بالأيسر. حتى وجدنا من أبناء أمتنا من لربما يترك الواجبات بحجة أن الدين يسر. بعض الناس ما يصلي جماعة، حجته لأن الدين يسر. ليس هكذا. أو لو ربما يقدر في المعاصي فيستمع للغناء الفاحش. لماذا تفعل ذلك؟ يقول: الله دين يسر. ليس هكذا. دين يسر أنك تسقط الواجبات وتقع في المحرمات؟ يقول علماء: يسر الدين يكون بأمرين اثنين: إما بما دلت عليه الأدلة الشرعية بكتاب الله وبسنة رسوله، أو بأقوال العلماء المعتبرين. فتأوي العلماء المعتبرين تأتي مسائل اجتهادية، فيقول العلماء: والأيسر فعل كذا، والأيسر فعل كذا. هذا. أما أن يقول الأمر إلى أن التيسير يعود إلينا إلى أهوائنا، لضاع الدين. لضاع الدين كما نرى من كثير من الناس. فحري عبد الله أن تفهم هذا المعنى العظيم من معاني الإسلام. فدين الإسلام يقوم على اليسر، ودين الإسلام يقوم على اليسر، ويدعو إلى اليسر في كل مجالاته. في باب العبادة، افتح باب الطهارة، باب الصلاة، باب الزكاة، باب الحج، تجد فيه الرخص. الرخص تصفت عن الناس، عن المخطئ، عن الجاهل، عن النائم، عن المريض. تخص تأتي هذا في باب العبادة والتعبد لله. بل حتى في تعاملك مع الناس، فليكن دينك يأمرك بالسماحة، وذلك باتخاذ باب الرفق مع الناس. إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. لأن الرفق إذا نزع، ما هناك إلا العنت والشدة، والإسلام يبعد عن هذا وينفر منه. كذلك يا عبد الله اليسر كما يكون في عباداتنا وفي معاملات، يكون حتى في اعتقاداتنا. عقيدة المسلم مبنية على اليسر، ما فيها تكلف، ما فيها تكلف أبدًا. حجب بعض الناس ينتمي للأمة الإسلامية، ويعرف أن الإسلام دين يسر في كل خصاله، ثم إذ به يدخل العنت على الأمة في عقائدها. سلي عبد الله عن عقيدة الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، لو ربما ما يفهم عقيدتهم إلا الخواص منهم. أما الأتباع فما يدري ما يدركه عقيدة الأشاعرة والماتريدية. إنما يتبع، يقول: أنا أشعري. فإن سألتم عن عقيدتك في باب الأسماء والصفات، ما عبدك في باب الجبر والاختيار، ما يدري ما يعرف هذه الأشياء. لكن انظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية التي صفعها معاوية بن سفيان. معاوية كما في حديث معاوية: «سبحان حكم السلم»، قالها نبينا في آخر الحديث: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». قال: «أين الله؟» قالت: «الله في السماء». قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». هل في هذا إشكال؟ أعتقها فإنها مؤمنة. أين الله؟ الله في السماء. لكن إي سأجي أشعري ما تريد؟ أين الله؟ لو ربما أتاك بعبارات والله ما تخذ منها بفائدة: ليس بمنفصل، وليس بمتصل، وليس داخل العالم، وليس بخارج العالم، وليس ببعض بأعضاء ولا بأبعاد. لماذا التعقيد في العقيدة؟ دين يسر. وانظر لنبيك صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، انتهى الأمر. التوحيد واضح، العقيدة واضحة. لكن جاء التعقيد من هؤلاء الخلوف. فهم يا عبد الله، فديننا يدعو إلى خصال السماحة، إلى اليسر والسهولة. فهذا الحديث، قوله عليه الصلاة والسلام: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، فيه فضل الإسلام من جهتين. أولاها: فضل الإسلام على سائر الأديان، إذ أنه يتمتع باليسر والسهولة والسماحة ما ليس في غيره. وفيه فضل الإسلام ثانيًا على أهله، بأنه يدعوهم إلى خصال اليسر والسهولة والسماحة. هذا ما يتعلق، إخواني في الله، في هذا الحديث من مسائل. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.