شرح القواعد المثلى  31

شرح القواعد المثلى 31

الدرس في شرح القواعد المثلى 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

اللازم الرابع والخامس: تقديم العقل على الوحي وجواز نفي الصفات الثابتة

يوضح المقطع أن اللازم الرابع من لوازم التعطيل هو جعل العقول المضطربة مرجعاً بدلاً من كلام الله ورسوله في معرفة الرب وصفاته. ويبين اللازم الخامس جواز نفي ما أثبته الله ورسوله من الصفات كالاستواء والمجيء والنزول بدعوى المجاز، مع الرد على هذه الدعاوى وإثبات بطلانها.

رد تأويل المجيء والنزول إلى المجاز وتقسيم المعطلة

يقرر الشيخ أن الأصل في نصوص الصفات حملها على الحقيقة ولا يصرفها إلى المجاز إلا بدليل من السياق، مستدلاً بآية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أن السياق لا يحتمل تأويل المجيء بالأمر. ثم يقسم أهل التعطيل إلى جهمية نفوا الأسماء والصفات، ومعتزلة أثبتوا الأسماء المجردة ونفوا الصفات، وأشاعرة أثبتوا بعض الصفات ونفوا الأخرى بعقولهم لا بالدليل.

تناقض الأشاعرة والماتريدية في إثبات الصفات ونفيها

يبيّن المقطع أن الأشاعرة والماتريدية أثبتوا بعض الصفات كالقدرة بدليل العقل ونفوا أخرى كالرحمة بحجة التشبيه، وهذا تناقض لأن القدرة ثابتة للمخلوق أيضاً. ويرد الشيخ ابن عثيمين بأن ما نفوه يمكن إثباته بنفس الدليل العقلي الذي استعملوه، مع ثبوته بالدليل السمعي.

الرد على من يثبت القدرة وينفي الرحمة بحجة ظهور الآثار

يوضح الشيخ التناقض فيمن يثبت صفة القدرة لظهور آثارها في الخلق، وينفي صفة الرحمة مع أن آثارها ظاهرة كذلك في الخلق. ويختم بأن هذا هو مقصود كلام المؤلف، على أن تتمة الأوجه تؤجل للدرس القادم.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، وهو يبين أن مذهب أهل التعطيل يلزم منه لوازم باطلة، فذكر عدة لوازم. فذا وقفنا عند قوله: رابعًا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلههم، الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زبدة الرسالات. وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه. ويريد بهذا أن الذي يحرف ويدخل عقله في نصوص الصفات، كأنه يقول: المرجع في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل، وليس الكتاب والسنة. ليس كلام الله وكلام رسوله هو المرجع، وإنما المرجع في ذلك هو العقل، هو العقل. فهذا معنى قولي: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس، إذ لو كان مرجعًا للناس لرجعوا إليه في كل شيء، ومن أهم ذلك النصوص، ومن أهم ذلك الصفات، ومن أهم ذلك الصفات؛ لأن الصفات تتعلق بالاعتقاد. إذن قال: فيما يعتقدون في ربهم وإلههم، الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرع. أهم ما جاءت به الشرع هي معرفة الله، وأجل ما يعرف به الله هو أسماؤه وصفاته سبحانه وتعالى. فكيف هؤلاء يزعمون أن العقل به يعرف الله، وبه يثبت ما يثبت وينفى ما ينفى؟ وقوله: بل هو زبدة الرسالات، يعني: ما هو زبدة الرسالات؟ معرفة الرب سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. هذا من أهم ما جاءت به الرسالات، بل هو زبدة الرسالات. فهم يقولون: المرجع ليس كلام الله وكلام رسوله، بل تلك العقول. ولذلك وصفها بالعقول المضطربة المتناقضة، وهذا هو واقع أهل التحريف؛ تجد كلامهم يتناقض، فهذا يقول القول يناقض الآخر، وذاك يقول القول يناقض الثالث، وهكذا. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾. فوصف الشيخ هنا عقولهم بأنها مضطربة متناقضة. ثم قال: وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف. هذا شأن كل مبطل ومبتدع؛ إذا واجهه أهل الحق بالأدلة فهو بين إحدى أمرين: إما أن يكذب، وهذا ديدن أهل التحريف والعقلانيين، ديدنهم إما التكذيب وإما التحريف. فمثلًا: لو جئت عند الصوفية في قول الله عز وجل: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾، ما يستطيعون تكذيب الآية، فيقولون: الاستواء بمعنى الاستيلاء. طيب. أو ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، ما يستطيعون تكذيب الآية؛ لو كذبوا بالآية لكفروا، لكن ماذا يفعلون؟ يحرفون: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، جاء أمر ربك، فينكرون صفة المجيء. وهكذا في الأحاديث. العقلانيون إذا حاججتهم بحديث ردوا الحديث بحجة أنه آحاد، بحجة أنه آحاد. حديث الجارية: قالوا هذا حديث آحاد، فإذا لا يعمل به في باب العقائد. وهذا قاعدة باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان. الحديث إذا صح وإن كان آحادًا يعمل به، سواء كان في الآحاد أو في المتواتر الذي يدل على العلم واليقين. فهذا ديدن أهل الباطل. ما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، يعني: ليس بآية وليس بحديث متواتر، قالوا: هذا الحديث ضعيف، كذبوه، يعني ضعفوه. وإن لم يستطيعوا حرفوه، والتحريف يسمونه تأويلًا حتى يستساغ عند الناس، وعامة الناس، وهو في الحقيقة تحريف. وهذا هو لفظ القرآن: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾، فسماه تحريفًا. فهذا يلزمهم، يلزم أهل التعطيل، فيدل على بطلان الملزوم، وهو القول بالتعطيل. فالمعطل لا بد أن يلتزم بهذا، يقال له الآن: المرجع كلام الله ورسوله، كلام الله ورسوله، أو عقولكم، أو عقولكم؟ إن قال: كلام الله، يقول: أنت ما عملت بكلام الله، إذن المرجع عندكم العقول، ليس الكتاب والسنة. فيقال له: كيف تجعلون العقل دليلًا فيما يعتقده الناس في ربهم، فيما يعتقده الناس في ربهم؟ هذا واضح. قال خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي فيما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيقال في قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾: إنه لا يجيء. هذا لازم يلزم من قول أهل التعطيل، أنه يجوز لأي أحد أن ينفي ما أثبته الله بعقله. فالله عز وجل يقول: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، يقول: لا، ما جاء ربك، إنما جاء أمره. فهو كأنه يقول لنا: أن نثبت ما نشاء من الصفات، ولنا أن ننفي ما شئنا من الصفات. فيجوزون ذلك، وهذا لا يجوز. وفي قوله: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، قالوا: لا ينزل، لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، ومعنى مجاز يعني: لا يراد حقيقته. وابن القيم له كلام قيم في مجموعة من كتبه ينفي الجواز، المجاز في اللغة عامة، لا في القرآن، لا في السنة، ولا في كلام العرب، بل المعنى يتبين من السياق. الذين قالوا بالمجاز استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ ﴾، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾، فقالوا: كيف الجدار له إرادة؟ فهذا مجاز، والمراد: أراد الله أن ينقض هذا الجدار. فهم جعلوه من باب المجاز، وليس الأمر كذلك؛ لأن السياق يدل على هذا، السياق يدل على هذا. لكن في قوله: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، ما هو المانع من أن يفهم المعنى على ظاهره؟ يفهم المعنى على ظاهره. فالأصل كما تقدم أن اللفظ يجري على ظاهره. وأكد استدلوا بقول الله عز وجل كذلك في الخمر، قول الله عز وجل: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ ﴾، وسأل القرية، نعم في القرية، ﴿ وَسَأَلَ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾، ليس معنا يسأل القرية أهل، ﴿ جُدْرَانِ ﴾، ربما فهموا هذا، ولا في المراد أهل القرية؛ لأن السياق يدل على هذا، كما مر معنا، لو تذكرون، كما مر معنا لو تذكرون. فإذا لا مجاز في القرآن ولا في السنة. هم يقولون: إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز، ومعنى مجاز أن هناك تقدير، ليس ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ على حقيقته، إنما جاء أمر ربك، ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ بمعنى عندهم: جاء أمر ربك. طيب، لماذا ما نقول: جاء ربك حقيقة؟ ما المانع من ذلك؟ لأن ظاهر اللفظ يدل على هذا. فهم يقولون بالمجاز، فتوسعوا، وأرادوا بذلك نفي الصفات، أرادوا بذلك ماذا؟ نفي الصفات. قال: وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، يعني: صحة نفي ما دل عليه ظاهر السياق. وانظر إلى دقة تعبيره، فقال: عند القائلين به، يعني من هؤلاء. ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، هذا من أبطل الباطل: كونك تنفي ما أثبته الله أو أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: ويمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره، لأنه ليس في السياق ما يدل عليه. وكما تقدم أن اللفظ المشترك في اللغة كيف تعين أحد هذه الألفاظ بما يدل عليه السياق، كما مر معنا في أصول في التفسير في ذكر القرية، فقد يراد بالقرية ماذا؟ الأهل، وقد يراد بالقرية الجدران. كأي من قرية عتت عن أمر ربها، مراد به أهل القرية؛ لأن القرية ما تعنى تمتنع عن أوامر الله، وإنما أهل القرية. طيب، وقد تأتي القرية بمعنى الجدران. من يذكر يستحضر آية يراد بها المساكن؟ ما هي الآية؟ في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ مُهْلِكَ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾، القرية المراد بها المساكن؛ لأن الأهل قد ذكر، فيمتن لأن الأهل قد ذكر، فما سيكون المعنى: مهلك أهل هذه أهل القرية، لا، القرية المراد بها هنا المساكن، دل عليه السياق. صح، عرفنا هذا من أي؟ من السياق. وهكذا هنا لا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره، لأنه ليس في السياق ما يدل عليه. من أين أتوا بهذا؟ ما هناك في السياق يدل على المراد بالأمر، لأن الآية في سورة الفجر فيها ذكر ما يكون في يوم القيامة، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾. كيف جاء أمر ربك والملك صفًا صفًا؟ ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، على ظهر ما هذا التحريف الذي ذهبتم إليه؟ من أين أتيتم به؟ السياق ما يدل عليه. فلماذا ما يكون ظاهر السياق على ظاهره؟ ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، جاء ربك حقيقة كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: ولا يمكن انفكاك عنه بتأويل إلى أمره، لأنه ليس في السياق ما يدل عليه. ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء أيضًا. هنا سيذكر الشيخ الطوائف التي نفت الصفات، فمنهم من نفى الأسماء والصفات جميعًا، وهذا معنى قوله: أو تعدى إلى الأسماء أيضًا، يعني: نفى الأسماء والصفات. وهذا الجهمية، وهؤلاء الجهمية قالوا: ليس لله اسم ولا صفة، نفى الأسماء والصفات مطلقًا. ومنهم من قال: ومنهم من طرد قاعدته في جميع الصفات، يعني: ينكر جميع الصفات، وهؤلاء المعتزلة، وقالوا: أسماء الله هي أسماء مجردة، أسماء مجردة بدون معاني، فهي مثل الأسماء الجامدة، مثل الأسماء الجامدة التي لا صفات لها. هؤلاء المعتزلة. وهذا معنى قوله: ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، هذا يراد بهم المعتزلة، أو تعدى إلى الأسماء أيضًا، هذا يراد بهم الجهمية، فنفى الأسماء والصفات. ثم قال: ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، وهذا من التناقض، لماذا أثبت هذه الصفة ونفيت الصفة الأخرى؟ كل ذلك بسبب العقل، أدخلوا عقولهم، فأثبتوا بعضها ونفوا البعض الآخر، وهم كالأشعرية والماتريدية. الأشعرية أتباع أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري مر بثلاث مراحل كما ذكر ذلك العلماء عنه. فالمرحلة الأولى: مذهب المعتزلة، أنه ينفي جميع الصفات، منهج المعتزلة: نفي جميع الصفات وإثبات ماذا؟ الأسماء المجردة، وإثبات الأسماء المجردة. قالوا: ومكث على هذا المذهب أربعين سنة. هذا أبو الحسن الأشعري، المذهب الأول. المذهب الثاني: مذهب الأشاعرة، وهو إثبات بعض الصفات، منهم من جعلها سبعًا، ومنهم من جعلها عشرين، وهذا من تناقضهم، ما اتفقوا حتى على عدد الأسماء التي أثبتوها، فمنهم من ينقص ومنهم من يزيد، وكل ذلك بمقتضى العقل، لا الدليل، إنما بمقتضى العقل. فكذلك كان من مذهب أبي الحسن الأشعري، مذهب الصوفي، مذهب الأشاعرة، وهو المذهب الثاني الذي ذهب إليه وبقي عليه أتباعه، مع أنه تراجع في الأخير إلى مذهب أهل السنة والتزم مذهب الإمام أحمد، وإن كان هناك شوائب يسيرة بقيت عنده، ولكن في الجملة فإن أبا الحسن في آخر حياته صرح بأن مذهبه في الأسماء والصفات مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. ولما تقرأ في كلام الأشعرية والماتريدية في إثبات الصفات أو نفيها تتعجب، تتعجب. فمثلا يثبتون صفة القدرة، يثبتون صفة القدرة، لماذا يثبتونها؟ بمقتضى العقل، بمقتضى العقل. فقالوا: ماذا قالوا؟ القدرة تثبت لأن هذا ظاهر في آثار خلق الله سبحانه وتعالى. انظروا إلى الفلسفة، هذا كله من الفلسفة، هذا كله من الفلسفة. لماذا؟ قلنا لهم: تثبتون صفة القدرة، قالوا: لأن أثر هذه الصفة ظاهر في خلق الله عز وجل، فيجعل هذا مثلاً: قوته أعظم من ذلك، الجمل ليس كالذرة، والبشر ليس كالجمل، وكذا، فتتفاوت قدرات المخلوقين، فهذا يدل على قدرة الخالق، فنحن نثبت هذه الصفة. طيب، نقول لهم: لماذا لا تثبتون صفة الرحمة؟ لماذا لا تثبتون صفة الرحمة؟ فيقولون: لا، ما نثبت صفة الرحمة، لأن الرحمة فيها يعني الميلان والعطف إلى المرحوم، وهذا فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، تشبيه الخالق بالمخلوق، إذن ننفي هذه الصفة، ننفي هذه الصفة. وهذا في الحقيقة تناقض منهم، تناقض منهم. لماذا؟ لأنه أيضًا يقال لهم: يقال لهم: إذا قلتم أن الرحمة تستلزم ما ذكرتم من يعني العطف واللين ونحو ذلك، فيكون كذلك ربنا سبحانه وتعالى له رحمة ليست كرحمة البشر، كما أن البشر لهم قدرة أو ليست لهم قدرة، لهم قدرة، وأثبت الله عز وجل القدرة للبشر: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا ﴾، أثبت القدرة للبشر. فأنتم الآن تقولون: إن الله عز وجل نثبت له القدرة، لماذا قالوا؟ لأن هذا ظاهر في مخلوقات الله. طيب، الإنسان له قدرة أو ليست له قدرة؟ ماذا سيقولون؟ سيقولون: نعم، له قدرة. إذن نقول لهم: أنتم شبهتم قدرة الله بقدرة المخلوق، لأن المخلوق له قدرة. انظروا إلى التناقض. طيب، لماذا نفيتم صفة الرحمة؟ قالوا: لا، لأن الرحمة يتصف بها المخلوق، فكيف نثبت شيء يتصف بها المخلوق نثبتها للخالق؟ نقول لهم: تناقضتم، القدرة هل المخلوق يتصف بها؟ ماذا سيقولون؟ نعم. إذن نقول لهم: أنتم شبهتم الخالق والمخلوق. نظروا الآن وجه التناقض. ها، فهم في الحقيقة متناقضون في ما يثبتون من صفات وما ينفون من صفات، وذلك بسبب يعني جعل الدليل على الإثبات والنفي هو العقل، فوقعوا في هذه المتناقضات، فوقعوا في هذه المتناقضات. فهذا معنى قوله: ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية، كالأشعرية والماتريدية. والماتريدية هم أتباع محمد بن محمد المحمود، أبو منصور الماتريدي، والماتريدية هي قريبة من الأشعرية، ولكن اختلفوا كما قلنا في إثبات بعض الصفات ونفيها، في إثبات بعض الصفات، وإلا فالكل يثبتون البعض وينفون البعض الآخر. قال: أثبتوا ما أثبته بحجة أن العقل يدل عليه، كما مثلنا في صفة القدرة وصفة الرحمة، فهم ينفون الرحمة والمجيء والاستواء والعلو، كل هذا ينفونه بحجة أنها في المخلوق، وإذا قلنا بها شبهنا الخالق بالمخلوق. وإذا نظرت فإن الصفات التي أثبتها هي أيضًا في المخلوق، فيلزمهم كذلك تشبيه الخالق بالمخلوق على قاعدتهم الباطلة التي بنوا عليها نفي بعض الصفات. قال: ونفوا ما نفوا بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه، ينفيه أو لا يدل عليه، كما ذكرنا، لأنه يدل على التشبيه. فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتتم به ما أثبتتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي. ما معنى هذا الكلام الآن؟ هم مثلاً نفوا صفة، مثلاً كما مثلنا الرحمة، نفوا صفة الرحمة، لماذا نفوها؟ قالوا: لأن العقل ما يدل عليها. طيب، نقول لهم: يمكن إثباتها بالطريق العقلي الذي أثبتتم به ما أثبتتموه. فهم أثبتوا صفة القدرة بالعقل، قالوا: ماذا قالوا؟ أن قدرة الله ظاهرة في خلقه. طيب، فهذا ضعيف وهذا قوي، وهذا بالعقل، فيمكن نثبت صفة الرحمة بما أثبتوا به، بما أثبتوا به. فنقول لهم: الله عز وجل تختلف رحمته في خلقه، فالمؤمن رحمه رحمة خاصة إذ هداه للإيمان، والكافر رحمه الله عز وجل إذ يرزقه، صح، ويحفظه، لكن هذه الرحمة رحمة عامة ليست خاصة. فإذا كما أن القدرة تتفاوت، فكذلك رحمة الله تتفاوت. فلماذا أثبتتم ذاك ونفيتم هذا؟ إذن نستطيع مثلهم أن نثبت هذه الصفات التي أثبتوا، أثبتوها، أثبتوا غيرها من الصفات بالعقل، نستطيع أن نثبت ما نفوه بالعقل، مع أن السمع قد دل عليه. وفهموا نقطة مهمة جدًا: أن الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله يحاج هؤلاء القوم بما هم يستدلون به، وإلا فالشيخ لا يمكن أن يثبت صفة ما دل عليها السمع، ولذلك قال هنا: ماذا؟ يمكن يثبتها بالطريق العقلي الذي أثبتتم به ما أثبتتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي. إذن الحجة أو المعتمد في إثبات الصفة هو ماذا؟ هو الدليل السمعي، صح. لكن يستخدم الدليل العقلي لماذا؟ لمحاجة ومخاصمة هؤلاء القوم الذين ما عندهم إلا العقل. فنقول لهم: أيضًا مع أن السمع يدل على هذه الصفة، فكذلك العقل يدل عليها، كما مثلنا في القدرة والرحمة. أنتم تقولون: القدرة نثبتها لأنها واضحة آثارها في الخلق، فنقول: كذلك الرحمة واضحة آثارها في الخلق، إذن لماذا أثبتتم هذا ونفيتم هذا؟ فإنكم هذا الآن. فهذا معنى كلامه رحمه الله، وبهذا نكتفي، وما بقي من الأوجه نوجدها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر