الخطبة بعنوان خطبة خسوف القمر، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بتاريخ 15 ربيع الأول 1447هـ الموافق 7 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الخطيب آيات قرآنية تبرز عظمة خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وسير الشمس والقمر بنظام محكم. يدعو العباد إلى التفكر في هذه الآيات الكونية والتوجه بالعبادة الخالصة لله وحده.
يروي الخطيب قصة كسوف الشمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف فزع إلى الصلاة وصلاها ركعتين بكل ركعة ركوعان وسجودان. يبين أن الكسوف آية من آيات الله يخوف بها العباد لا لموت أحد ولا لحياته، حاثاً على التوبة والتكبير والصدقة والتراحم.
يخاطب الخطيب المسلمين مشتكياً قسوة القلوب والغفلة عن الفرائض، وتهاون الناس في المحرمات وعدم تأثرهم بآيات الله الكونية. يذكر أن الله يرسل الآيات تخويفاً واعتباراً، مستدلاً بهلاك الأمم السابقة بسبب طغيانها، داعياً للاتعاظ والرجوع إلى الله.
يختتم المتحدث بدعاء جامع يسأل الله بأسمائه الحسنى أن يغفر ويرحم ويتجاوز عن التقصير، وأن يحفظ المسلمين وبلادهم من الفتن الظاهرة والباطنة. يختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا جل في علاه وهو أصدق القائلين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. ويقول ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. آياتٌ عظيمة وعبرٌ كثيرة، ربنا تبارك وتعالى يذكر بها العباد، يذكر بها العباد هذه الآيات وهذه كذلكم المخلوقات العظيمة. ربنا تبارك وتعالى يُرِي عباده عظيم خلقه وعظيم قدرته سبحانه وتعالى، ومن ذلكم اختلاف الليل والنهار، ومن ذلكم تعاقب الليل والنهار وتوالي الشمس والقمر. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، أي أنهما يجريان بنظام مقنن، ﴿فَلَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. أذه آيات عظام، جعل الله عز وجل الشمس ضياء والقمر نورًا، وقد يذهب الله عز وجل نور القمر أو ضياء الشمس، كل ذلك وغيره كثير لكي نتذكر، كل ذلك وغيره كثير لكي نعتبر، كل ذلك وغيره كثير لكي نخاف. قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، مرة واحدة، فخاف عليه الصلاة والسلام، كان يخشى أن تكون هي الساعة، كان يخشى أن تكون هي الساعة، فأمر المنادي: «الصلاة جامعة، الصلاة جامعة»، ثم فزع عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة، وكان إذا حزبه أمر فزع أو فزع إلى الصلاة. صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة عظيمة وصلاة طويلة، صلى ركعتين، أو صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، ورأى في تلكم الصلاة الجنة والنار، رأى الجنة ورأى من نعيمها، ومد يده ورآه الصحابة يفعل ذلك، أراد أن يأخذ عنقودًا من العنب، وأخبر أصحابه أنه لو أخذه لظلوا يأكلون منه إلى قيام الساعة، وهكذا رأى أناسًا يعذبون في النار، رأى عمرو بن لحي يجر قصبه في النار لأنه أول من سيب السوائب وأول من أتى بالأصنام إلى جزيرة العرب، رأى تلكم المرأة تعذب في هرة حبستها، لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذنوب ومعاصي، فبعد أن صلى خطب الناس عليه الصلاة والسلام وصحح المفاهيم، فكان مما قاله: «أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، آيتان من آيات الله، يخوف بهما عباده، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة». وكان مما وقع في ذلكم الوقت هو موت إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال بعض الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولا لحياته»، وبين عليه الصلاة والسلام الحكمة من هذه الآيات، وهو أن الله عز وجل يخوف بهما العباد، ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. رغب الناس في التوبة النصوح والاستغفار من الذنوب، حث الناس على التكبير وعلى الصدقة وعلى التراحم والإحسان وغيرها من الأمور العظام. أيها المسلمون، عباد الله، ألا وإنا مما نشكو إلى الله حالنا، نشكو قسوة في قلوبنا، نشكو قسوة في قلوبنا، نشكو غفلة عندنا، نشكو فرائض وواجبات كم فرطنا فيها، ونشكو ونشكو ذنوبًا ومحرمات كم تساهلنا في ارتكابها وفعلها. وكم من الناس، أيها الأحبة في الله، يرون هذه الآيات وهذه العظات ولا تحدث عندهم خوفًا ولا تحدث عندهم قلقًا، لربما تنكسف الشمس وينخصف القمر ومن يتركون الصلوات على حالهم، ومن يضيعون الجماعات على حالهم، هناك من يشربون المخدرات ويتعاطون الخمور والقات، ويتابعون القنوات والشاشات والمباريات والأفلام والمسلسلات، قل لي بربك ماذا نفسر هذا إلا الغفلة وقلة الخوف والاعتبار من هذه الآيات؟ وهذه كذلكم أيضًا الحوادث العظام، يتساهل الناس اليوم حين أن يرون وسائل الإعلام تنشر مثل هذه الأخبار بأنه سيقع كسوف أو خسوف في يوم كذا وتاريخ كذا، ويبدأ في ساعة كذا وينتهي في ساعة كذا، وكل ذلك أيها المسلمون عباد الله مما يجعل الناس لا يعتبرون ولا يتعظون ولا يخافون من مثل هذه الآيات. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، الشمس آية، والقمر آية، والنجوم آية، وهكذا غيرها من الآيات والعقوبات التي يرسلها الله عز وجل من أجل الاتعاض والاعتبار والاعتبار. فكم يرسل الرياح، وهكذا يرسل الطوفان والإعصار والفيضان، كم يرسل الصوائق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال، وهو شديد المحال. ألم نرى قبل أيام قليلة وليالي ليست عنا ببعيدة فيضانات وإعصارات وهكذا انخسافات؟ ألم نرى الطوفان الذي يدمر القرى ويذهب ضحيته المئات ولربما الألوف؟ هذه آيات وهذه عبر يذكر الله عز وجل بها العباد. فلنتذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. قال ربنا عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * عِرَامَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ويقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعَهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. هذه آيات وهذه عظات وعبر يجب على المسلم أن يتذكرها دائمًا وأبدًا. فأسأل المولى جل في علاه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أسأله بإسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، أسأله تبارك وتعالى أن يحفظنا ويحفظ بلاد المسلمين وأن يجنبنا المصائب والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.