التعليق على شرح الأربعين النووية  7

التعليق على شرح الأربعين النووية 7

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

البدعة في الدين والدنيا وشروط قبول العمل

يشرح المقطع حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» مبيناً الفرق بين البدعة الدينية المردودة والأمور الدنيوية المستحدثة الجائزة. ويؤكد أن قبول العمل مشروط بالإخلاص والمتابعة للسنة النبوية مع ضرب أمثلة للبدع المردودة.

رد الأعمال المخالفة للسنة وعدم كفاية النية الحسنة

يؤكد المقطع أن النية الحسنة وحدها لا تكفي لقبول العمل بل لا بد من موافقة السنة النبوية في العبادات والمعاملات. ويستدل بحديث «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» الذي يشمل المبتدع والتابع للبدعة.

تطبيقات حديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا في الفقه

يستعرض المقطع تطبيقات الحديث النبوي في بطلان الأعمال المخالفة للشرع كوضوء الماء النجس وبيع ما لا يملك وصلاة التطوع في أوقات النهي. وينقل عن الإمام مالك تحذيره من البدعة واعتبارها اتهاماً للنبي بالخيانة.

خاتمة الشرح والتأكيد على عظمة الحديث

يختتم الشارح بالتأكيد على عظمة الحديث النبوي واكتفائه بما أورده الشيخ في الشرح. ويختم بالقول: وإلى هنا والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فنشرح -إن شاء الله- ما ذكره الشيخ العثيمين، ونقرأ ما ذكره الشيخ العثيمين في شرحه للحديث الخامس. قال العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في شرحه للحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». قال -رحمه الله تعالى-: قال العلماء في هذا الحديث: إنه ميزان ظاهر الأعمال. وحديث عمر الذي في أول هذا الكتاب: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان باطن الأعمال. لأن العمل له نية وله صورة، فالصورة هي ظاهر العمل، والنية باطن العمل. وهذا قد تقدم معنا في الحديث الأول. فهذا الحديث يعد أصلًا من أصول هذا الدين، فهو ميزان للأعمال الظاهرة. فأي عمل لم يكن موافقًا للسنة فهو مردود على صاحبه. وحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، فأي عمل ليست فيه نية صالحة مخلصة فهو كذلك مردود على صاحبه. فشرطا قبول العمل: الإخلاص والمتابعة. الإخلاص دل عليه حديث عمر، والمتابعة دل عليه حديث عائشة. قالوا: في هذا الحديث فوائد: منها: أن من أحدث في هذا الأمر -أي الإسلام- ما ليس منه فهو مردود عليه. لقوله: «من أحدث في أمرنا»، فخرج بهذا أمور الدنيا. لأن الإحداث معناه الابتداع، والابتداع هو ما عمل على غير مثال سابق، شيء جديد. فإذا كان في الدين فهو مردود، أما في الدنيا فهذا مما أباحه الله. فهناك بدع دنيوية كثيرة ظهرت في آخر الأزمان، أو بعد زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، من أمور الدنيا. فهل نقول: هذه بدعة نتركها؟ الكهرباء، والمراوح، وهذه الفرش، وهذا الطيب، والسماعات... هذه أمور من أمور الدنيا، فلا نقول أنها بدعة فنتركها. «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» فخرج: لا من أحدث في أمرنا أي في الإسلام، في الدين. قال: من أحدث في هذا الأمر -الإسلام- ما ليس منه فهو مردود عليه. لأن معنى «رد»: رد بمعنى مردود. «رد» بمعنى مردود. يعني: من عمل، أو من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، أي: فهو مردود، فهو ماذا؟ مردود، يعني: غير مقبول. قال: فهو مردود عليه، ولو كان حسن النية. وينبني على هذه الفائدة: أن جميع البدع مردودة على صاحبها، ولو حسنت نيته. وهذا فيه رد على الذين يقولون: ممن يعملون البدع: «نحن أردنا بهذا وجه الله، نحن أردنا أن نتقرب إلى الله». فنقول: لو صدقتم في هذا، وأنكم ذو نيات صالحة، فإن هذه النية الصالحة أو النية المخلصة لا تكفي في قبول العمل، لا بد من اجتماع الشرطين معًا. فلا بد أن تجمعوا مع النية المتابعة، فلا ينفع كون العامل مخلصًا في قبول عمله، لا بد أن ينضم مع هذا الشرط شرط آخر وهو المتابعة. فما يعمل أهل البدع، مثلًا: أصحاب الموالد، يقول بعض الناس: «إيش تنكرون على هؤلاء؟ نيتهم طيبة». أو أصحاب الأذكار الجماعية، أو كذلك أصحاب الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، أو بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول: «هذا نيتهم حسنة، يريدون إظهار الفرح، ويريدون محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، نية حسنة، فكيف تنكرون عليهم؟» يقول لهم: ننكر عليهم لأنهم لم يتبعوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا العمل لم يكن مما كان يعمله النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو مما أمر به، فهو مردود على صاحبه. ولذلك جاء عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد الفجر، ويطيل في هذه الصلاة، يطيل في سجودها وركوعها وقيامها، فأنكر عليه سعيد بن المسيب. قال له: «لا تفعل هذا». فقال له هذا الرجل: «يا سعيد بن المسيب، أيعذبني الله على هذه الصلاة؟ تتنكر علي، الله عز وجل يعذبني على هذه الصلاة وأنا أصلي؟» فقال له ابن المسيب -وهذا من بديع أجوبته، رضي الله عنه وأرحمه الله-: «لا، لا يعذبك الله على الصلاة، وإنما يعذبك على مخالفتك للسنة». يعذبك الله على ماذا؟ على مخالفتك للسنة. فهذا فيه رد لهؤلاء الذين يقولون: «نحن نياتنا حسنة». يعبدون الله على الذكر في الجنازة، نحن نقول: «لا إله إلا الله» بصوت مرتفع، أفضل الذكر «لا إله إلا الله»، كيف تنكرون علينا؟ هل يعذبنا الله على قول «لا إله إلا الله؟» نجيب بهذا الجواب: لا يعذبكم الله على قول «لا إله إلا الله»، لكن يعذبكم على خلاف السنة، يعني: خالفتم السنة. والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». عرفتم هذا الآن، فما تكفي النية الحسنة في قبول العمل، وفي صحة ما يعمل العابد. ومنها: من فوائد هذا الحديث: أن من عمل عملًا صالحًا، ولو كان أصله مشروعًا، ولكن عمله على غير ذلك الوجه الذي أمر به، فإنه يكون مردودًا. بناء على الرواية الثانية في مسلم. يعني: قال: «من عمل عملًا»، فمن هنا: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». قالوا: من هنا «شرطية»، «من عمل عملًا»، و«عملًا» هنا نكرة، فقالوا: هنا تفيد العموم. من هنا تفيد العموم، فيكون أي إنسان يعمل عملًا ليس بمشروع فهو مردود عليه، فهو مردود عليه. ومعنى قول الشيخ: «فإنه يكون مردودًا بناء على الرواية الثانية في مسلم»؛ لأن الرواية الثانية في مسلم تبين أن الذي يبتدع العمل، يعني: يبتدع هذه البدعة، وهو الذي يحدثها، أو من عمل عملًا تبع فيه غيره ممن قد أحدثه قبله. فمثلًا: الرواية الأولى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» -إنسان مثلًا أحدث بدعة، هو أول من أتى بها، هذا يشمله حديث عائشة في الصحيحين؛ لأنه هو الذي بدأ بهذه البدعة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». لكن قد يأتي إنسان ويقول: «أنا ما أحدث هذا، هذا فعله آبائي، الآباء والأجداد كانوا يفعلون». مثلًا: المولد، يقول: «مه، أنا أفعل هذا، جدي وجدي وجدي جدي كانوا يفعلون هذا، فمَه، أنا الذي أحدث هذا، فلا إثم علي، أنا متبع لهؤلاء». فيقال له: أين تفر من الرواية الثانية؟ تشتغل للرواية الثانية: «من عمل عملًا»، أي إنسان يعمل عملًا ليس عليه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو مردود عليه، سواء كان هذا العمل هو الذي أحدثه، أو أحدثه غيره واتبع فيه غيره، فيشمله الحديث الثاني. فهذا معنى قول الشيخ: «ولكن عمله على غير ذلك الوجه الذي أمر به فإنه يكون مردودًا بناء على الرواية الثانية في مسلم». وعلى هذا: فمن باع بيعًا محرمًا فبيعه باطل. لأنهم بعض أهل العلم أخذ من هذا الحديث أن النهي يقتضي الفساد. النهي يقتضي الفساد. وهذا كما هو معلوم في أصول الفقه: إذا كان النهي يعود على أصل هذا المنهي عنه، أو على شرطه، أو على شرطه. فمثلًا: من باع بيعًا محرمًا، باع مثلًا بيع الغرر، أو باع مثلًا بيع اشترى ثمارًا قبل أن يبدو صلاحها، هذا من البيع المحرم. طيب، فنقول له: بيعك هذا باطل، لا ينعقد. لماذا؟ لأنه عُقِد على غير الوجه الشرعي، عُقِد على غير الوجه الشرعي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فقد نُهي عن أصل هذا البيع، فالنهي في ذات هذا البيع. فإذا كان النهي يعود على ذات هذا الشيء، أو على شرطه، فإنه يقتضي الفساد. وأنتم لو تقرؤون في مسائل الفقه تجد أن كثيرًا من العلماء يستدل بهذا الحديث على بطلان كثير من العبادات. لو قال قائل مثلًا: «أنا توضأت بماء نجس»، فنقول له: وضوءك باطل. لماذا؟ لأن من شرط الوضوء ماذا؟ أن يتوضأ بالماء الطاهر. أنت توضأت بماء نجس، فمن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. هذا دليل عام. قال: له هناك مسألة خاصة: إنسان قال: «أنا اشتريت مالًا أملك، اشتريت شيئًا ما أملكه، أو بعت شيئًا... عفوًا: بعت شيئًا ما أملكه، أنا بعت شيئًا ما أملكه». هذا البيع صحيح؟ فيقال له: هذا البيع غير صحيح. لماذا؟ لأن هذا البيع نُهي عنه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا العمل لم يرد في الشرع، بل جاء الشرع بخلافه. وهكذا تجد العلماء يستدلون بهذا الحديث في أبواب كثيرة من أبواب الفقه. ففي هذا المعنى الذي ذكره الشيخ قالوا: على هذا، فمن باع بيعًا محرمًا فبيعه باطل. ومن صلى صلاة تطوع لغير سبب في وقت النهي فصلاته باطلة. لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن صلاة التطوع في وقت النهي عند طلوع الشمس أو عند غروبها. ولذلك هنا قيد الشيخ قال: «من صلى صلاة تطوع»، خرج بهذا ماذا؟ صلاة الفريضة. وهل يتصور أن إنسانًا يصلي صلاة الفريضة في وقت النهي؟ نعم، يتصور هذا: إنسان نام عن الصلاة، نام من الليل متأخرًا، فنام إلى أن قرب وقت طلوع الشمس، فقام مسرعًا يتوضأ، فإذا الشمس قد طلعت. فهل نقول له: «لا تصل في هذا الوقت، انتظر إلى أن تطلع الشمس جيدًا؟» لا، قل له: صلِ؛ لأن هذه فريضة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». فأنت نمت هنا عن الصلاة، صلِّها إذا قمت. واضح هذا الآن؟ فهذا يتصور، ولذلك قيد: «من صلى صلاة تطوع»؛ لأن صلاة التطوع ليست بواجبة، فلا يجوز أن تصلى في وقت الكراهة الشديدة، وهي عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو عندما تكون الشمس في بطن السماء قبل الزوال، فهذا أيضًا مما جاء فيه النهي الشديد. قال: «ومن صام يوم العيد فصومه باطل، وهلما جرى»؛ لأنه جاء النهي عن صوم يوم العيد، عن صوم يوم العيد. قال: «لأن هذه كلها ليس عليها أمر الله ورسوله، فتكون باطلة مردودة، فتكون باطلة مردودة». والأمثلة على هذا كثيرة، وإنما هنا اختصر. وهذا الحديث حديث عظيم كما تقدم، وهو أصل الأعمال الظاهرة، تقاس على هذا الحديث، تقاس على هذا الحديث. ولذلك يقول الإمام مالك: «من ابتدع في الدين بدعة ظن أنها حسنة فقد اتهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيانة». لأن الله عز وجل يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. ثم قال: «وما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا». الشيء الذي لم يتعبد به النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقته وفي زمنه، هل يمكن أن يكون عبادة بعد زمنه؟ لا يمكن. لو إنسان قال: «هذا من الدين»، العمل، نسأله سؤالًا واحدًا: هل عمل هذا النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ هل أمر به؟ هل عمله أصحابه؟ فإن قال: لا، فاعلم أن هذا العمل بدعة في الدين، ما أنزل الله بها من سلطان، وهي مردودة على أصحابها. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولأن الله قد أكمل الدين. وكون الإمام مالك يقول: «قد خان الرسالة»، النبي -صلى الله عليه وسلم- قد خان الرسالة، لماذا؟ لأن الدين أكمل، فلما يأتي بزيادة كأنه يقول: «لا، الدين فيه نقص، يحتاج إلى تكملة». إذن لماذا؟ ما سبب هذا النقص؟ خيانة النبي -صلى الله عليه وسلم-. يلزم هذا، يلزم هذا. ولذلك ذكر العلماء مثل هذه العبارات التي فيها النهي الشديد عن البدع وعن المحدثات. فهذا حديث عظيم، ونكتفي بما ذكر الشيخ في هذا الشرح، وإلى هنا والله تعالى أعلم.