الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ ابن عثيمين حديث ابن عمر الذي شبه الإسلام بالبناء على خمسة أركان، مبيناً فائدة تكراره بعد حديث جبريل لتأكيد التوحيد والأركان، مع الإشارة للزيادة اللفظية "بني الإسلام على خمس".
يشرح حديث ابن مسعود عن أطوار خلق الجنين (نطفة، علقة، مضغة) كل أربعين يوماً، ونفخ الروح بعد مائة وعشرين يوماً، وما يترتب من أحكام لغسل وتكفين وصلاة السقط، وكتابة الملك للرزق والأجل والعمل والشقاوة أو السعادة.
يؤكد أن الأعمال بالخواتيم، فيجب الخوف من سوء الخاتمة وعدم الاغترار بالأعمال الصالحة، لأن فساد النية قد يحول عمل أهل الجنة إلى عمل أهل النار، وأن العاصي لا يقطع رجاءه من الله فقد يتوب في آخر عمره.
يفسر قرب الأجل بأنه دنو الأجل لا دخول الجنة، ويوضح أن الميت يعيش حياة برزخية ثم يبعث ويحاسب على أعماله في الدنيا.
الحمد لله، وصلاة وسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه للحديث ابن عمر: انتهينا من الحديث الثاني، صح من شرح الحديث الثاني. قال: هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بمنزلة البناء الذي يظلل صاحبه ويحميه من الداخل ومن الخارج. من أين أخذ هذا؟ من قوله: «بني»، فشبه هذه الأركان بالبناء، وهو بناء معنوي. فلذلك من لم يأتِ بهذه الأركان الخمسة فلا إسلام له، لا إسلام له. لماذا؟ لأنه لم يأتِ بتلك الأركان. فما من بناء إلا وله أركان. فمثلًا هذا المسجد له قوائم وأركان أساسية، إذا لم تُبنَ تلك الأركان لم يُبنَ ذلك المسجد، وإذا بُني بغير هذه الأركان سرعان ما ينهد ويتساقط. فهكذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأركان بالبناء، فقال: «بُني الإسلام على خمس»، فهو بمنزلة البناء الذي يظلل صاحبه ويحميه من الداخل ومن الخارج. وهكذا الإسلام يحمي صاحبه حماية معنوية. قال: وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بُني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وقد تقدم الكلام على كل هذه الأركان الخمسة في حديث عمر بن الخطاب الذي قبل هذا، فليرجع إليه، لأن تكرار مثل هذا فيه تطويل، فاكتفى بذكر ما تقدم. فهذه الخمسة الأركان ذكرت في حديث عمر، حديث جبريل. فشرح العلامة ابن عثيمين هذه الأركان في ذاك الموضع. وهذا فيه فائدة، وهي أن المسألة التي ربما تتكرر، أو الشرح الذي ربما يتكرر، فالكاتب يكتفي بشرحه في أول موضع يمر عليه؛ لأن فيه تكرارًا وإطالة. فيه تكرار وإطالة. فمثلًا لما جاء الشيخ ابن عثيمين عند حديث جبريل، ما قال: «وهذه الأركان الخمسة ستأتي في حديث ابن عمر سنشرحها هناك»، لا، شرحها في الموضع الأول. لماذا؟ لأن هذا الموضع الطالب متشوق إلى شرح هذه الأركان وهذه الألفاظ، فيبتدئ بشرحها في هذا الموضع المتقدم، وما سيأتي من المواضع الأخرى يُحال إلى الموضع الأول الذي شرحت فيه هذه الفائدة أو ذكرت فيه هذه الفائدة. فأنت إذا كتبت أو ألفت وتكررت الفائدة، أو تكرر الحديث أو العبارة، فاشرح هذه العبارة في أول موضع يمر بك، في أول موضع يمر بك. سؤال: ما فائدة إيراد هذا الحديث مرة أخرى مع أنه ذكر في سياق حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ وهذا قد يرده البعض، قد يقول القائل: طيب، طالما أن هذا الحديث قد ذكر في حديث عمر، لماذا تكرره هنا مرة ثانية؟ لماذا يذكره؟ يكتفي بذكر حديث عمر، ففيه هذا الحديث وزيادة. فأجاب العلامة ابن عثيمين: قال: الجواب: الفائدة أنه لأهمية هذا الموضوع أراد أن يؤكده مرة ثانية، هذا من جهة. وهذا فائدة لغوية، وهي أن الشيء المهم يكرر من باب التوكيد والتأكيد. فذكر مثل هذه الأحاديث وتكرارها يدل على أهمية هذا الموضوع، إذ أن أصل الإسلام هذه الأركان، أصل الإسلام هذه الأركان. فناسب أن يكرر. ولذلك يذكر أهل العلم أن التوحيد لا يُهمل ولا يُترك، بل يكرر دائمًا وأبدًا. المعلم أو طالب العلم لا بد أن يكون له ولو درس واحد في التوحيد. لماذا؟ لأهمية هذا الباب. وهذا ما عليه العلماء، تجد العلماء من دروسهم اليومية لا بد أن يكون لهم درس في التوحيد، أن يكون لهم درس في التوحيد. لماذا؟ لأهمية هذا الباب. فتكرار أمور التوحيد ليس من باب السآمة ولا من باب الملل، إنما هو من باب أهمية هذا الموضوع، وترسيخ هذه الفوائد، وحفظ هذه العقائد. فهذا أمر يُنتبه له. هذا من جهة. قالوا: من جهة أخرى أن في حديث عبد الله بن عمر التصريح بأن الإسلام بُني على هذه الأركان الخمسة، أما حديث عمر بن الخطاب فليس بهذه الصيغة، وإن كان ظاهره يفيد ذلك. يعني أن حديث ابن عمر فيه زيادة على حديث عمر. ما هي هذه الزيادة؟ ذكر كون الإسلام بُني على خمس. هل هذا اللفظ ورد في حديث عمر؟ لم يرد في حديث عمر. فإذن هذه فائدة لم توجد في الحديث المتقدم، فناسب أن يذكر هذا الحديث. قال: وإن كان ظاهره يفيد ذلك، أنه قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وليس فيه التصريح بأنه بُني على هذه الخمس. إنما الذي جاء فيه التصريح هو حديث من؟ حديث ابن عمر. فاختصر العلامة الألبان... العلامة ابن عثيمين في شرح لهذا الحديث على هذا الشرح المختصر لتكرار ما تقدم من شرح هذا الحديث، وأحال إلى الحديث المتقدم. فنأخذ أيضًا شرح الحديث الرابع. قال رحمه الله تعالى في شرحه للحديث الرابع، حديث عبد الله بن مسعود: «إن أحدكم يجمع خلقه». قال: هذا الحديث فيه بيان تطور خلق الإنسان في بطن أمه، وكتابة أجله ورزقه وغير ذلك. لأن في الحديث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا» الحديث. ففيه ذكر خلق وتطور الإنسان في بطن أمه، وأنه يمر بهذه المراحل. قال: فيقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، الصادق في قيلِه والمصدوق فيما أوحي إليه. فلماذا أتى بهذه الصيغة؟ من باب التوكيد، ومن باب كذلك كما سيأتي أن هذه هي الأمور التي وردت في الحديث من أمور الغيب التي تحتاج إلى تصديق. فقوله: «الصادق في قيلِه» يعني فيما يقوله عليه الصلاة والسلام، فهو صادق لا يقول الكذب. وهكذا «المصدوق» أي من سمعه فإنه يصدقه لأنه يوحى إليه، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ومن الإيمان بنبي محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أخبر فهو المصدوق لأنه يوحى إليه. فهذا معنى قوله: وهو الصادق المصدوق، الصادق فيما يقول، والمصدوق في من يسمعه. قال: وإنما قدم عبد الله بن مسعود هذه المقدمة لأن هذا من أمور الغيب التي لا تعلم إلا بوحي. فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا»، والنبي صلى الله عليه وسلم أمي، ومع هذا أخبر بهذه الأمور الغيبية، وجاء العلم الحديث يصدق ذلك. فالإنسان لا بد أن يمر بهذه الأطوار في بطن أمه، ما ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث. وهذا فيه علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، إذ أنه أخبر بهذه الأمور الغيبية، فجاء العلم الحديث والطب الحديث وأكدوا هذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كفار وهم كفار ومشركون، ولم يدخلوا في الإسلام، ومع هذا قرروا هذا الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام في مدة أكثر من ألف وأربعمائة عام، ألف وأربعمائة عام. قالوا في الحديث: أن الجنين قبل أربعة أشهر لا يُحكم بأنه إنسان حي، لأن متى تبين فيه الحياة؟ بعد أربعين وأربعين وأربعين: أربعين نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة. إذن أربعين في ثلاثة: مائة وعشرون. كم شهر؟ مائة وعشرون: أربعة أشهر. أربعة أشهر، صح. لأنه قال في الحديث: «ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح». فإذن متى تنفخ الروح؟ بعد مرور هذه المراحل الثلاث التي كل مرحلة تستغرق كم؟ أربعين يومًا. واضح. فهذا معنى قوله: وفي الحديث أن الجنين قبل أربعة أشهر لا يُحكم بأنه إنسان حي. نعم، قد يكون متخلق، قد يكون ماذا؟ متخلق، لكن ما تنفخ فيه الروح إلا بعد هذه الفترة، أربعة أشهر. قال: وبناءً على ذلك لو سقط قبل تمام أربعة أشهر فإنه لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه، لأنه لم يكن إنسانًا بعده. وعلل العلماء هذا لأن الإنسان المكرم هو الذي تنفخ فيه الروح، وهو الذي يعني يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه. فهذا استنباط من بعض الفقهاء، وذهب إلى هذا العلامة ابن عثيمين: أن الجنين إذا سقط قبل أن تنفخ فيه الروح، يعني قبل الأربعة الأشهر، فإنه لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه، تُحفر له حفرة ويوضع ويوضع في هذه الحفرة بدون تغسيل ولا تكفين ولا صلاة. أما إذا كان بعد هذه الفترة فنعم يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه، ويدعى لوالديه أن يكون لهم ذخرًا. قال: وأنه بعد أربعة أشهر تنفخ فيه الروح ويثبت له حكم الإنسان الحي، فلو سقط بعد ذلك فإنه يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه كما لو كان بعد تمام تسعة أشهر، لأن الروح قد نُفخت فيه. قال: وفي الحديث أن للأرحام ملكًا موكلًا بها، لقوله: «ثم يُرسل إليه الملك»، أي الملك الموكل بالأرحام. وقد تقدم معنا في الإيمان بالملائكة أن من الملائكة من يقوم بأعمال، فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بكذلك نزول القطر من السماء، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم الموكل بالنار، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم الموكل بكذلك الأرحام، كما في هذا الحديث: «ثم يُرسل إليه الملك». قال: وفيه أيضًا يعني هذا كله من فوائد هذا الحديث. قال: وفيه أيضًا أن أحوال الإنسان تُكتب عليه وهو في بطن أمه، من رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد. وهذا فيه الإيمان بقضاء الله وقدره. فالإنسان وهو في بطن أمه قد كُتب أجله، يعني متى سيموت؟ هل بعد ما يخرج من بطن أمه، أو وهو في بطن أمه قبل أن يخرج منها، أو سيموت بعد سنة أو سنتين أو عشر أو عشرين أو سبعين؟ كل ذلك يُكتب وهو في بطن أمه. وهو في بطن أمه كذلك الرزق يُكتب: هل سيقوم من الأغنياء؟ هل سيقوم من الفقراء؟ هل سيكون من ذوي الكفاف والوسط؟ هل يكون من الأثرياء؟ إلى غير ذلك، كل ذلك يُكتب وهو في بطن أمه. وكذلك عمله: هل سيعمل يعمل بأعمال أهل الجنة أو يعمل بعمل أهل النار؟ وما هي الأعمال التي سيعملها؟ كل ذلك يُكتب وهو ماذا؟ وهو في بطن أمه، وهو في بطن أمه. وكذلك شقي أو سعيد: هل هو من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؟ كذلك يُكتب وهو في بطن أمه. وهل معنى هذا أن الإنسان يترك العمل لأن كل شيء قد كُتب عليه وهو في بطن أمه؟ لا. قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال الصحابة: «فلم العمل يا رسول الله؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، فكل ميسر لما خُلق له». أنت إذا كنت من أهل السعادة فستوفق لأعمال أهل السعادة، وإن كنت من أهل الشقاوة سيكون عملك من عمل أهل الشقاوة، من عمل أهل الشقاوة. قال: وبيان حكمة الله عز وجل، وأن كل شيء عنده بأجل مقدر وبكتاب لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا واضح. قال: وأن الإنسان يجب أن يكون على خوف ورهبة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. ولذلك بعضهم بوّب لهذا الحديث كما في هذا الكتاب: «الخوف من سوء الخاتمة». فالإنسان لا يغتر بعمله، لا يغتر بعمله. فرب إنسان كان يعمل بعمل أهل الجنة، ففي آخر حياته وقبل أن يهجم عليه الموت، فإذا به يعمل بعمل أهل النار والعياذ بالله، فيختم له بسوء. أعاذني الله وإياكم من سوء الخاتمة. فالإنسان هذا الحديث يجعله في خوف ورهبة، وأن يحذر من أن يعمل الأعمال السيئة، لا سيما بعدما وفق للأعمال الحسنة، بعدما وفق للأعمال الطيبة الحسنة. فالنبي صلى الله عليه وعليه وسلم يقول كما في حديث جابر: «إنما الأعمال بالخواتيم»، الأعمال بآخر ما يعمل الإنسان في حياته، لا بأول أو أثناء حياته، لا، في آخر حياته. فهذا يجعلك في خوف من المعاصي والذنوب. ما يدريك يا عبد الله أنك تعمل بمعصية الله فيختم لك بها والعياذ بالله، يختم لك بهذه المعصية؟ فهذا يجعلك في بعد ومنأى عن المعاصي وعن كذلك الذنوب والكبائر. فما تدري متى يهجم عليك الموت، متى يهجم عليك الموت. فيحرص المسلم على الاستمرار والاستقامة على طاعة الله سبحانه وتعالى. قالوا: أنه لا ينبغي لإنسان أن يقطع الرجاء، فإن الإنسان قد يعمل بالمعاصي طويلًا ثم يمن الله عليه بالهدى فيهتدي في آخر عمره. وهذا لأهل المعاصي. فالعاصي لا يقطع رجاءه بالله سبحانه وتعالى، لا يقول: أنا قد عملت المعاصي وقتلت وزنيت وشربت الخمر وفعلت كذا وكذا، فيقطع الرجاء. لا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة». ما يدريك ما أن تترك هذه المعاصي وتستقيم على الطاعة إلا وتأتيك الخاتمة الحسنة وأنت على هذه الطاعة؟ وقد مر معنا قريبًا في... العمال بالنيات، حديث ماذا؟ حديث ذاك الرجل، أو في موضع آخر، ليس في شرح حديث عمر، موضع آخر. ذاك الرجل الذي قتل مائة نفس، قتل مائة نفس، ولما أرشده العالم أن يترك أرض المعصية ويذهب إلى أرض كذا، فإن فيها أناسًا صالحين يعبدون الله، خرج هذا الرجل، فجاءته الوفاة والمنية، ولم يعمل خيرًا قط. ما عمل خيرًا قط. انظر: طالت حياته وهو في معاصي وكبائر وقتل مائة نفس، فلما تاب وعلم الله سبحانه وتعالى صدقه، وهو لم يعمل خيرًا قط، هو الآن خارج لأن يعمل الصالحات ويعبد الله مع أولئك القوم الصالحين، مع أولئك القوم الصالحين، فجاءته المنية وهو في الطريق، في وسط الطريق، فتخاصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة. فقالت ملائكة العذاب: هذا ما عمل خيرًا قط، نحن أحق به. وقالت ملائكة الرحمة: إنه أتى تائبًا، أتى تائبًا، فنحن أحق به. فهكذا اختصموا فيه، فالله سبحانه وتعالى أرسل إليهم ملكًا في صورة رجل، فقاسوا بين الأرضين، فوجدوه أقرب إلى الأرض الطيبة الصالحة، فأخذته ملائكة الرحمة. انظر في آخر حياته. وهكذا الإنسان ما يقطع رجاءه. إذا عندك معاصي أو ذنوب، ارجع إلى الله، وماذا؟ علق رجاءك بالله سبحانه وتعالى. ما يدريك تكون على أعمال طيبة وأعمال صالحة تكون سببًا في سعادتك وفي أن يختم لك بها. قال: فإن قال قائل: ما الحكمة في أن الله يخذل هذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار؟ فالجواب: يعني كيف هذا الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، يصلي، يصوم، يتصدق، يتطوع نوافل وكذا، ثم بعد ذلك في آخر حياته يعمل الأعمال السيئة فيختم له بها؟ كيف؟ ما الحكمة من هذا؟ قال الشيخ ابن عثيمين: فالجواب أن الحكمة في ذلك هو أن هذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة إنما يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإلا فهو في الحقيقة ذات طوية خبيثة ونية فاسدة، فتغلب هذه النية الفاسدة حتى يختم له بسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك. بل قد وردت بعض ألفاظ هذا الحديث: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس». إذن هذا الذي يعمل الأعمال الصالحة، أعمال أهل الجنة، يعملها ليس عن إخلاص، بل عنده سريرة سيئة، عنده سريرة سيئة. فهذه السريرة السيئة سبب في انتكاسته وفي كذلك رجوعه عن الأعمال الصالحة إلى الأعمال السيئة. وإلا فمن علم الله سبحانه وتعالى صدقه وإخلاصه، يوفقه للاستمرار على ذلكم الصلاح وتلكم النية الحسنة إلى أن يتوفاه الله. ولكن هذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة ثم يعمل بعمل أهل النار لم يكن صادقًا ومخلصًا في ذلك، بل عنده نية فاسدة وعنده نفاق، والعياذ بالله. قال: وعلى هذا فيكون المراد بقوله: «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع»، قرب أجله، لا قرب به من الجنة بعمله. يعني الإنسان إذا مات انقطع عمله، فلا يُحاسب الإنسان إلا على ما عمل في آخر حياته. فالمعنى: حتى ما يكون بينه وبينها، الذراع، يعني إذا قرب أجله. ليس معنى أنه قرب دخول الجنة، وإلا فهو في حياة برزخية ثم يبعث ثم يحاسب بما عمل في هذه الحياة الدنيا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر