الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 398، ألقاها
يتناول فضل ذكر الله عند الدخول إلى البيت أو النوم، حيث يبتدر الإنسان ملك وشيطان، فإذا ذكر الله طُرد الشيطان وكُلئ الإنسان بالملك. كما يبين أن عدم ذكر الله يعطي الشيطان فرصة للسيطرة على الإنسان ومبيته وطعامه.
عندما ينام الإنسان أو يستيقظ، يتنافس الملك والشيطان على التأثير عليه، حيث يحث الملك على الخير والشيطان على الشر. ذكر الله وطاعة الله تطرد الشيطان وتحفظ الإنسان.
يشرح معنى دعاء النوم والاستيقاظ ويبين فضله، ويشير إلى ضعف بعض الآثار حول هذا الدعاء، لكنه يشهد له ببعض الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
يشير إلى كفاية حديث البراء في إثبات الفطرة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب فضل الدعاء عند النوم: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: إذا دخل الرجل بيته أو أوى إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فقال الملك: اختم بخير، وقال الشيطان: اختم بشر. فإن حمد الله وذكره أطرده، وبات يكلأه. فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فقال مثله. فإن ذكر الله وقال: «الحمد لله الذي رد إلي نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حليما غفورا، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه» إلى قوله: «لرؤوف رحيم»، فإن مات مات شهيدا، وإن قام فصلى صلى في فضائل. هذا الأثر، أثر جابر رضي الله تعالى عنه، موقوف عليه من قوله، وهو أيضا ضعيف؛ لأنه من رواية أبي الزبير عن جابر، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مدلس، وقد رواه عن جابر بالعنعنة ولم يصرح بالتحديث. لكن لبعض ألفاظ هذا الأثر ما يشهد له من الأحاديث المرفوعة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رضي الله عنه: إذا دخل الرجل بيته أو أوى إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فقال الملك: اختم بخير، وقال الشيطان: اختم بشر. ثبت بالصحيح من حديث حذيفة رضي الله عنه - أو عن غيره - أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: لا مبيت لكم، لا مبيت لكم» - يعني قال لأصحابه - «فإذا قرب طعامه فذكر الله، قال: لا مبيت لكم ولا عشاء». وإذا دخل بيته فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء. فهذا الحديث يدل على أن الشيطان يدخل مع الإنسان بيته إذا دخل ولم يذكر اسم الله، يجد له مأوى ويجد له مسكنا. وهكذا إذا لم يذكر اسم الله عند طعامه وجد له طعاما. فإذا لم يذكر الله عند دخوله وعند طعامه أدرك الشيطان مع الإنسان مسكنه ومبيته وطعامه، أدرك المبيت وأدرك الطعام. وهنا يقول جابر رضي الله عنه: ابتدره ملك وشيطان، أي: إذا دخل بيته أو أوى إلى فراشه أراد أن ينام، ابتدره ملك وشيطان، يعني سارع إليه ملك وشيطان. فيقول الملك: اختم بخير، يعني اختم يومك واختم ليلتك بخير، بطاعة الله، بذكر الله إذا أوى إلى فراشه، فذكر الله، قرأ آية الكرسي والمعوذات وأتبع الأدعية الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيختم يومه بخير، اختم بخير. وأعظم ما يختم به ذكر الله وطاعة الله. وقال الشيطان: اختم بشر، اختم يومك بشر، بالغفلة عن ذكر الله والوقوع في شيء من المحرمات، ربما بسبب أو شتم أو غيبة أو سماع للغناء. بعض الناس ما ينام إلا بسماع الموسيقى وسماع الغناء، ينام على صوت الشيطان وعلى نغمات الشيطان، هذا يختم يومه بشر، يختم يومه بشر، فيكون بذلك مطيعا للشيطان ومبتعدا عن طاعة الرحمن جل وعلا. قال: فإن حمد الله وذكره أطرده، يعني أطرد الشيطان. إذا حمد الله وذكر الله صار في حفظ الله وفي حماية الله وفي كلاءة الله وفي رعاية الله، فيطرد الشيطان ويبعد عنه. قال: أطرده. وفي عمل اليوم والليلة: قال: فإن ذكر الله طرد الشيطان، وظل يكله، يعني يحفظه ويرعاه. فيصير العبد والمسلم إذا ذكر الله تحت حفظ الله جل وعلا، والله عز وجل يسخر له هذا الملك يكله ويحفظه ويبعد عنه الشياطين. قال: وبات يكلأه، يعني في ليلته تلك. قال: فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان فقال مثله. إذا استيقظ من نومه ابتدره الملك فيقول مثله، يعني ابدأ يومك بخير. ويقول الشيطان: ابدأ يومك بشر. ابدأ يومك بخير بذكر الله وحمد الله عز وجل على الإحياء بعد الموت، فتحمد الله جل وعلا: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه المصير». ثم تقوم لصلاة الفجر، وإن قمت قبل ذلك تتوضأ وتصلي ركعتين أو توتر، فتبدأ يومك بخير بطاعة الله وبعبادة الله. والشيطان يقول: ابدأ بشر، ابدأ بشر. بعض الناس - يعني - يقوم من نومه لا يعرف لصلاة الفجر قيمة ولا منزلة، يقوم ربما وقد طلعت الشمس ولا يبالي بتضييع صلاة الفجر، هذا من أعظم الشر الذي يبدأ به الإنسان في يومه، أن يضيع صلاة الفجر ولا يصليها في وقتها. فإذا كان مفرطا في هذا الأمر وفي هذه العبادة العظيمة، فما دونها من العبادات وأعمال البر من باب أولى أن يكون مضيعا لها، فيبدأ يومه بشر. قال: فإن ذكر الله وقال: «الحمد لله الذي رد إلي نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حليما غفورا، والحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه». يعني إذا أتى بهذا الدعاء فحمد الله وأثنى عليه بأنه رد إليه نفسه - أي روحه - بعد موتها - أي الموت الصغرى وهي النوم - ولم يمتها في منامها - أي لم يقبضها ويمسكها عنده فيمت - ماذا ولا ترجع إليه روحه. فأنت تحمد الله عندما تقوم من النوم تقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا». فالنوم موت صغرى. الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. التي يريد الله عز وجل القبضها قبضها عنده فأمسكها ومات الإنسان، فنام ولم يصبح إلا وهو جثة هامدة. وإذا أراد الله عز وجل له الحياة رد إليه روحه وأرسلها إلى أجل مسمى كتبه الله وقدره الله سبحانه وتعالى. فأنت تحمد الله عز وجل إذا استيقظت من نومك أن أحياك الله جل وعلا بعد أن أماتك. لكن ذكر هذا الفضل المرتب على ذلك بقوله: فإن مات مات شهيدا، هذا كما نعلم ورد في هذا الأثر، وهو ضعيف، فيحتاج له إلى ما يشهد له من الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن في حديث البراء: فإن مات مات على الفطرة، إن مات مات على الفطرة، يعني على فطرة الإسلام. قال: وإن قام فصلى صلى في فضائل، يعني وجد له فضائل وأجور وثواب. وأيضا يشهد له عموم هذا الفضل في حديث البراء، قال: وإن أصبحت أصبت خيرا، وإن أصبحت أصبت خيرا، يعني أصبت أجرا وثوابا وخيرا باتباعك لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الإتيان بهذا الدعاء وذكر هاتين الآيتين هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأثر كما علمنا أنه ضعيف، لكن معناه جملة صحيح، ويشهد له بعض الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا بعضها. فأشار بهذا الأثر الإمام البخاري رحمه الله بما ورد في هذا الأثر من فضل أن من ذكر الله عند نومه وذكر الله عند استيقاظه، فإنه إن مات مات شهيدا، وإن قام فصلى صلى في فضائل. لكن كما سمعنا الأثر فيه ضعف، فإنه رواية أبي الزبير عن جابر وقد عنعنها. لكن يكفي حديث البراء الذي مر معنا وذكره المؤلف رحمه الله في أول هذا الباب بقول النبي عليه الصلاة والسلام: فإن مات مات على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.