الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 382، ألقاها
يشرح حديث أبي هريرة في بكائه لرؤية الحسن بن علي ويبين سبب هذا البكاء وعلاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم. كما يذكر بعض صفات أبي هريرة وحرصه على هداية أمه.
يصف تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته في تعامله مع الحسن بن علي، حيث يروي كيف كان النبي يلاعب الحسن ويظهر حبه له. كما يبين أن نزول النبي إلى السوق ليس فيه نقص.
يؤكد على أهمية إعفاء اللحية كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ويبرز فضل الحسن بن علي ومحبة آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام عند أهل السنة والجماعة. كما يبين أن حلق اللحية تغيير لخلق الله.
يدل على جواز الاحتباء في المسجد إذا أمنت العورة من الانكشاف، مبينًا أن الاحتباء هو جلسة معينة وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتاب الأدب المفرد: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: حدثني هشام بن سعد، عن نعيم بن المجمر، عن أبي هريرة، قال: ما رأيت حسنًا قط إلا فاضت عيناي دموعًا؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا، فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي، فانطلقت معه، فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع، فطاف فيه ونظر، ثم انصرف وأنا معه، حتى جئنا المسجد، فجلس فاحتبى، فقال: أين لكاع، ادع لي لكاع. فجاء الحسن يشتد، فوقع في حجره، ثم أدخل يده في لحيته، ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفتح فاه، فيدخل فاه في فيه، ثم قال: اللهم إني أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه. هذا الحديث ذكره الإمام البخاري، رحمه الله، في هذا الباب، في هذا الكتاب، كتاب الأدب المفرد، في باب الاحتباء. والحديث حديث حسن، وأصله في الصحيحين. أصله في الصحيحين من غير ذكر بعض الزيادات التي في هذا الحديث، كذكر دموع أبي هريرة إذا رأى الحسن، وهكذا أيضًا في ذكره لإدخال يده في لحيته، أو فاه في فيه؛ فهذه زائدة عما في الصحيح. وقد مر هذا الحديث في هذا الكتاب برقم 1152، وأعاده رحمه الله في هذا الموضع مع شيء من الاختلاف في الرواية التي قبله. فأبو هريرة رضي الله عنه يقول: ما رأيت حسنًا قط إلا فاضت عيناي دموعًا؛ الحسنا يعني الحسن بن علي بن أبي طالب، الحسن بن علي بن أبي طالب، حب رسول الله وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة، هو وأخوه الحسين رضي الله تعالى عنهما. فيقول أبو هريرة: ما رأيت حسنًا قط إلا فاضت عيناي دموعًا؛ يعني يبكي رضي الله عنه إذا رآه، وهذا من رقة قلبه، من رقة قلبه رضي الله تعالى عنه؛ أنه إذا رآه دمعت عيناه. ومن ذلك أيضًا أن أبا هريرة رضي الله عنه كان حريصًا على هداية أمه، فكان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام، ويسأله أن يدعو لها بالهداية. قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لأم أبي هريرة. فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رجع أبو هريرة -وكان يدعوها قبل ذلك فتاب- فلما دعا لها النبي عليه الصلاة والسلام رجع إلى بيته، فسمع خشخشة الماء، فأعلنت إسلامها رضي الله تعالى عنها. فكان حريصًا على هدايتها، وكان نبارًا بأمه رضي الله عنه. فذكر السبب الذي لأجله إذا رأى الحسن فاضت عيناه؛ فذكر أنه وجد النبي عليه الصلاة والسلام -أو النبي صلى الله عليه وسلم وجده- حين خرج عليه الصلاة والسلام يومًا من الأيام، فأخذ بيده، فانطلق به إلى السوق، فنظر فيه وطاف، ثم انصرف وهو معه، ثم جلس في المسجد فاحتبى، ثم قال: أين لكاع، أين لكاع. وفي الرواية، وفي ذكر هذا الحديث فيما تقدم في الرقم المذكور: أين لكاع، أين لكاع. واللكاع يطلق على معاني متعددة عند العرب؛ يطلق بمعنى الأحمق، وبمعنى العبد، وكذلك أيضًا بمعنى الذنب، ويطلق بمعنى الصغير، وهو المراد في هذا الموضع؛ بمعنى الصغير، أين لكاع؛ أي الصغير. فجاء الحسن يشتد -يعني يجري بسرعة- حتى وقع في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل يدخل يده في لحيته؛ أي في لحية النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يفتح فاه، فيدخل فاه في فيه؛ يعني من باب المداعبة والملاعبة له. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه. هذا الحديث فيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من تواضعه؛ فكان من تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه يخرج إلى السوق بنفسه، يخرج إلى السوق بنفسه، يسعى عن السلع، ويسوم بسومها، ويشتريها بنفسه؛ يشتريها بنفسه. كما في هذا الحديث أنه خرج معه، فطاف وإياه في السوق؛ السوق بني قينقاع، كانت من الأسواق المشهورة قبل الإسلام. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى السوق؛ يدل على أن هذا الأمر ليس فيه بأس، أن ينزل الرجل الفاضل العالم، أو أهل الفضل إذا خرجوا إلى الأسواق؛ ليس هذا من قصه بحقهم. فكونهم يبيعون أو يشترون أو يقضون حوائجهم بأنفسهم؛ هذا مما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وغيرهم من أهل العلم والفضل. وأما إنكار المشركين؛ هذا من جهلهم، وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لماذا ينكرون نزول النبي عليه الصلاة والسلام إلى السوق؟ هذا من جهلهم، وإلا ليس فيه هذا شيء؛ ليس فيه شيء لا منقص ولا نقص ولا عيب. بل هو من كمال خلقه وتواضعه؛ أنه يقضي حاجته بنفسه. وكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم؛ يبيعون ويشترون ويتاجرون في الأسواق؛ أبو بكر رضي الله عنه كان تاجرًا، عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وغيرهم من الصحابة، وهم أهل الفضل الذين لهم منزلة والشرف ورفعة عظيمة؛ ما كان ذلك نقصًا في حقهم. وكذلك تجد التابعين من بعدهم من السلف، ومن المحدثين؛ كانوا أهل أعمال وحرف؛ أهل أعمال وحرف. فتجد في تراجم كثير من المحدثين: هذا يقال له الزيات؛ أنه يبيع الزيت، ويجلبه مثلًا من بلدة إلى بلدة، وذاك البزاز الذي يبيع الثياب، وذلك يقال له الحذاء؛ لأنه يبيع الأحذية ويصلح الأحذية، وغير ذلك من هذه النسب التي نسب إليها بالحرف التي كانوا يعملون بها؛ فليس في هذا عيب. بل الأنبياء قبل النبي عليه الصلاة والسلام كانوا أهل حرف؛ كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: زكريا كان نجارًا، وداود كان حدادًا. فليس في هذا الأمر عيب، ما إذا حرص العبد على لزوم الأحكام الشرعية في مسألة السوق والبيع والشراء؛ فهذا أمر مباح. وكذلك أيضًا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام ورحمته وشفقته؛ أنه لما جاء الحسن رضي الله عنه يشتد، وقع في حجره، وجعل يدخل يده في لحيته، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعه يتركه، ولم يمنعه من ذلك؛ هذا من رحمته عليه الصلاة والسلام وشفقته. وكذلك أيضًا فيه دليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ذا لحية؛ وهذه سنة الأنبياء، هذه سنة الأنبياء والمرسلين؛ كما أخبر الله عز وجل بقصة موسى وهارون، قال: ﴿يَمُوسَى أَتَأْخُذُ بِلِحْيَتِي وَبِرَأْسِي﴾. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذا لحية؛ بل كثيفة، حتى صح في الحديث أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم باضطراب لحيته. وأمر عليه الصلاة والسلام بإعفائها وتوفيرها؛ إعفوا اللحى، وفروا اللحى، أرخوا اللحى، خالفوا المجوس؛ في حديث كثير؛ يأمر عليه الصلاة والسلام بإعفائها؛ بل إعفاؤها من الفطرة؛ إعفاؤها من الفطرة؛ في حديث عائشة: الفطرة عشر، ومنها إعفاء اللحية؛ إعفاء اللحية؛ فحلقه تغيير للفطرة التي فطر الله عز وجل عليها الرجال؛ تغييرها من تغيير خلق الله، ومن اتباع الشيطان؛ كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾. وهذا من تغيير خلق الله؛ من الذي خلق اللحية؟ الله سبحانه وتعالى. فأنت عندما تحلقها؛ تغيير خلق الله، وتتبع الشيطان في ذلك؛ وهي زينة الرجال؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: اللحية زينة الرجال. نعم، الله عز وجل زين الرجال باللحية. وكذلك أيضًا فيه فضيلة للحسن بن علي رضي الله عنهما؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيه: اللهم إني أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه يحب الحسن؛ اللهم إني أحبه، فأحببه؛ سأل من الله جل وعلا أن يحب الحسن، وأن يحب من أحبه. ففيه فضيلة للحسن بن علي رضي الله عنهما؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام يحبه، وأنه دعا الله عز وجل أن يحبه؛ لمحبة النبي عليه الصلاة والسلام له، وفضل من أحب الحسن، وفضيلة لمن أحب الحسن؛ فإن من أحبه أحبه الله؛ من أحب الحسن بن علي أحبه الله؛ اللهم إني أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه؛ يعني من يحب الحسن فأحبه؛ فمن أحبه أحبه الله؛ من أحبه أحبه الله. وهذا فيه بيان ما كان عليه أهل السنة والجماعة من العدل والوسطية في آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهم يحبون آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ محبة معتدلة؛ محبة معتدلة؛ يحبونهم لفضلهم، ولقربهم من النبي عليه الصلاة والسلام، ولكونهم أيضًا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن هذه المحبة لا تجعلهم يرفعون فوق منزلتهم، فيغلون في محبتهم، أو يجعلون لهم ما هو لله جل وعلا؛ من ادعاء علم الغيب، أو كذلك أيضًا بالتقرب إليهم بالاستغاثة، أو الذبح، أو الدعاء، أو غير ذلك من أنواع العبادة؛ خلافًا للروافض الذين يغلون في آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ في الحسن والحسين وعلي. وفي المقابل النواصب الذين أسبغوا العداء لآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ فسبوهم وتنقصوهم. فأهل السنة وسط بين الطائفتين؛ فهم يحبون الحسن والحسين وغيرهما من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ محبة شرعية؛ محبة شرعية. نعم، فلهم يعني محبة زائدة على سائر الصحابة؛ لقربهم من النبي عليه الصلاة والسلام، ولكونهم من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فأبو هريرة كان إذا رأى الحسن فاضت عيناه؛ لما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه بهذا الدعاء: اللهم إني أحبه، فأحببه، وأحب من يحبه. وفي رواية: أنه قال: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي؛ بعدما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. وهذا من محبته للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أحبه، وجعل محبته مقدمة على غيره؛ بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد محبته لله؛ محبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وطاعة للنبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا أهل السنة يحبون آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. الشاهد من هذا الحديث هو قوله: فاحتبى. قال: فأخذ فطاف فيه ونظر، ثم انصرف أنه معه حتى جئنا المسجد، فجلس فاحتبى؛ هذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في باب هذا الباب؛ باب الاحتباء؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام احتبى؛ جلس في المسجد فاحتبى؛ يدل هذا على مشروعية الاحتباء؛ كما مر معنا أن ذلك مشروع مع أمن انكشاف العورة.