الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 98، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع تقسيم أسماء الله الحسنى إلى قسمين: ما يختص به الله تعالى ولا يجوز التسمي به كاسم "الله" و"الرحمن"، وما يشترك فيه الخلق ك"الرحيم" و"السميع" بشرط عدم ملاحظة الصفة الإلهية في التسمي، مستدلاً بحديث أبي شريح في النهي عن كنية "أبو الحكم" لملاحظته صفة الحكم في نفسه.
يستعرض المقطع إثبات اسم "الحكم" لله عز وجل والفرق بين الحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم يروي قصة أبي شريح الخزاعي الذي كان يكنى بأبي الحكم فغير النبي ﷺ كنيته إلى أبي شريح لابنه الأكبر، معللاً ذلك باختصاص اسم "الحكم" بالله وبأن كنيته كانت لصفة الحكم التي كانت فيه.
يوضح المقطع جواز التسمي بأسماء الله الحسنى ك"الحكم" و"العزيز" إذا لم يُقصد بها معنى الصفة الإلهية، مستدلاً بعدم تغيير النبي ﷺ لأسماء صحابة سُمّوا "الحكم"، أما إذا لوحظ معنى الصفة فيمنع لكونه مزاحمة لأسماء الله، وينقل عن ابن عثيمين نقده لعبارة "ولو لم يقصد معناه" مؤكداً أن العبرة بالقصد والملاحظة.
يتناول المقطع معنى الصفة في سياق الكنية، ويشير إلى قاعدة اختيار أكبر الأبناء للكنية كما فعل النبي ﷺ مع أبي شريح، مع التنبيه إلى أن هذا الأمر قد سبق بيانه في مواضع أخرى من الشرح.
الحمد لله، صلى الله عليه وسلم، ورسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام المجدد محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك". فقوله: "باب احترام أسماء الله تعالى"، أي: وجوب احترام أسماء الله تعالى. فهذا أمر واجب؛ لأن احترامها احترام لله، احترامها احترام لله عز وجل، بل واحترامها من تعظيم الله، احترامها من تعظيم الله. فمن احترامها: لا يسمى أحد باسم مختص بالله سبحانه وتعالى. لذلك قال: "وتغيير الاسم لأجل ذلك"، يعني: لأجل هذا الاحترام، لأجل هذا الاحترام. وهنا نذكر تفصيلًا في تغيير الاسم لأجل احترام الله عز وجل. وهذا التفصيل: أن أسماء الله من حيث التسمي بها تنقسم إلى قسمين، تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يصح التسمي به مطلقًا، فلا يصح إلا لله. فهذا لا يسمى به غيره، مثل: "الله"، لا يجوز لأحد أن يسمي نفسه "الله". هذا لا يجوز. كذلك "الرحمن"، لا يجوز أن يسمي أحد اسمه باسم الله "الرحمن". وكذلك "رب العالمين"، "رب العالمين" من أسماء الله الخاص به، وما أشبه ذلك. هذا القسم الأول. والقسم الثاني: ما يصح أن يسمى به غير الله، ولا يختص به ربنا سبحانه وتعالى، مثل: "الرحيم". فلان اسمه "الرحيم" مثلًا، كما وصف الله نبيه بالمؤمنين: "رؤوف رحيم". مثل: "السميع"، "البصير"، ونحو ذلك. لكن جواز التسمي بهذه الأسماء لا بد فيها من ملاحظة الصفة. فإن سمي بها الإنسان ملاحظين في ذلك الصفة، أي: أنه يتصف بهذه الصفة، كالرحمة أو الحكم أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز. يعني: ما نجعل هذا الاسم مجرد اسم محض؛ لأن الأسماء لا يلاحظ فيها الصفات. الأسماء في الغالب لا يلاحظ فيها الصفات. فقد إنسان يسمى "صالح" وهو طالح فاسد، وقد إنسان يسمى مثلًا "رحيم" وهو ظالم قاسٍ، وقد إنسان يسمى "الحكم" وليس له في الحكم شيء. وقس على هذا. فينظر في الأسماء التي يجوز التسمي بها من أسماء الله: إن سمي بها الإنسان مع ملاحظة الصفة، أي: أنه يتصف بهذه الصفة، فهذا لا يجوز. وإن جعل هذا الاسم اسمًا مجردًا جامدًا لا علاقة له بالصفة، جاز ذلك. وسيتبين هذا من الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله. قال: عن أبي شريح رضي الله عنه أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم". فقال: أي أبو شريح، إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: "ما أحسن هذا". فما لك من الولد؟ قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: "فأنت أبو شريح". رواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. معنى هذا الحديث، وسيتبين من خلال شرحنا لهذا الحديث التفصيل الذي ذكرناه في جواز التسمي باسم من أسماء الله وعدمه، وعدمه. فأبو شريح كان يكنى أبا الحكم، كنى أبا الحكم. فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وظاهر هذا الحديث أن نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الصحابي عن التسمي بهذا الاسم؛ لأنه كان يعلم مكانة هذا الرجل في قومه، وأنه كان يحكم بين قومه. فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن كنيته هذه لوحظ فيها الصفة. ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم". ما معنى "إن الله هو الحكم"؟ يعني: المستحق أن يكون حاكما على عباده. ويأخذ من هذا الحديث إثبات اسم "الحكم" لله من أسماء الله عز وجل. "الحكم" من أسماء الله عز وجل، "الحكم". فقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن الله هو الحكم"، يعني: المستحق أن يكون حاكما على عباده. وأما قوله: "وإليه الحكم"، أي: حاكما بالفعل، حاكما بالفعل. فهو الذي يحكم فيهم، ففعله نافذ فيهم، سواء كان الحكم الكوني أو الحكم الشرعي. وما الفرق بين الحكمين؟ الحكم الكوني: ما كان... ماذا... ما حكم به الله عز وجل، سواء أكان هذا الشيء... نعم، هذا أخذناه كثيرًا. الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وبين الحكم الكوني والحكم الشرعي. الحكم الكوني، الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، هذا يتكرر معنا كثيرًا يا إخوة. عندك يا رأفة تذكر شيئًا؟ عندك يا أخان آدم؟ عندك؟ نعم، نعم، لابد أن يقع. نعم، الحكم الكوني لابد أن يقع، مثل الإرادة الكونية. تمام. أما الشرعي فقد يقع وقد لا يقع. تمام. فالله عز وجل حكم في عباده، لكن هل العباد يفعلون هذا ويقع منهم هذا الحكم؟ لا. لكن حكم الله عز وجل الكوني يقع ولا محالة. فهمتم هذا الآن؟ وكذلك الفرق الآخر: نعم، الحكم الشرعي يحبه الله، والحكم الكوني قد لا يحبه الله، قد يحبه وقد لا يحبه. فقوله: "وإليه الحكم"، كما تقدم، يعني: حاكم فيهم بالفعل. فبرر، فبرر، وذكر السبب في كنية قومه له بذلك. فقال: "إن قومي إذا اختلفوا في شيء"، تنازعوا في شيء، "أتوني"، يعني: ليحكم بينهم. فهو كالحكم بين قومه. "فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين"، لأنه ذو مكان وذو منزلة بين قومه، ذو مكان وذو منزلة بين قومه. فبمجرد أن يحكم بينهم، بمجرد أن يحكم بينهم، يرضى كلا المتخاصمين، يرضى كلا المتخاصمين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن هذا". الإشارة في هذا تعود إلى إصلاحه بين قومه. يعني: ما أحسن أن تصلح بين قومك، وليس الإشارة هنا تسميته بهذا الاسم. فأنتم هذا الآن... يعني قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أحسن هذا"، يعني: ما أحسن هذا الفعل منك، وهو الإصلاح بين قومك، وهذا شيء طيب. فليس الإشارة هنا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه ذلك الاسم، وإنما الإشارة إلى ماذا؟ إلى إصلاحه بين قومه. ثم قال له: "فما لك من الولد؟" يعني: كم معك من الولد؟ فذكر له ثلاثة. والظاهر أنه ما عنده إلا هؤلاء الثلاثة؛ لأن الولد يشمل الذكر والأنثى. فقلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال لهم: "فمن أكبرهم؟" من أكبر هؤلاء الثلاثة؟ فقلت: شريح. قال: "فأنت أبو شريح". وهذا فيه: أولاً: جواز التكني. ثانيًا: أن الكنية تكون باسم الولد الأكبر، باسم الولد الأكبر. فلماذا النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن أكبر أولاده؟ حتى يكنيه به، حتى يكنيه به. طيب، فهل أنت ولدك الأكبر أبو طاهر؟ أنت طاهر، ولدك الأكبر معك ولد اسمه طاهر، وأين هو؟ مسلم من أم كافرة، ادعُ له بالهداية. نعم، فيكنى بالابن الأكبر، الأكبر. طيب، ما هو وجه الشاهد من هذا الحديث؟ وجه الشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم غير كنية أبي شريح من "أبي الحكم" إلى "أبي شريح". لماذا غير هذه الكنية؟ لأمرين اثنين، لأمرين اثنين: الأمر الأول: أن الحكم هو الله. الأمر الأول: أن الحكم هو الله. فلما تقول: "يا أبا الحكم"، كأنك تقول: "يا أبا الله". هذا أمر. والأمر الثاني: أنه لوحظ فيه معنى الصفة، وهي الحكم. لأنه ما كني بهذا إلا لصفة فيه، إلا لصفة فيه. واضح هذا الآن؟ فمن أجل هذه الصفة نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإلا لو أن إنسان سُمّي "الحكم" جاز هذا، إذا لم يلاحظ فيه معنى الصفة. ولذلك ذكر الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أن بعض الصحابة ممن يسمى "الحكم"، فذكر منهم على سبيل المثال: "الحكم بن الحارث السلمي"، هذا الصحابي. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما غير اسمه. لماذا؟ لأنه لم يلاحظ في هذا الاسم الصفة. فلم يسمى "الحكم" لأنه يحكم مثلًا بين قومه. أضح هذا الآن؟ وكذلك ممن ذكر ممن سُمّي بـ "الحكم" من الصحابة: "الحكم بن عبد الله الثقفي"، "الحكم بن عبد الله الثقفي". وهذا صحابي أيضًا، ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه "الإصابة في معرفة الصحابة". "الحكم بن سعيد"، "الحكم بن الحارث السلمي" لا، هذا كآخر... "معاوية بن الحكم"، هذا "الحكم بن الحارث السلمي" هذا آخر، و"الحكم بن عبد الله الثقفي"، وأيضًا في آخر: "الحكم بن سعيد بن العاص". ثلاثة ذكرهم الحافظ من الصحابة في "الإصابة". فلماذا لم يغير النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم؟ لأنه لم يلاحظ في ذلك الصفة. فهمتم هذا الآن؟ لو أن إنسان غلبت عليه الرحمة بالأيتام والفقراء فسُمّي بـ "الرحيم"، ما يجوز هذا. لماذا؟ لأن لوحظ فيه معنى الصفة، والرحيم هو الله. مع أنه لو كان مجرد اسم جامد لم يلاحظ فيه معنى الصفة لجاز ذلك. عرفتم الآن الفرق؟ كذلك "العزيز": "عزيز"، "عزيز". إذا كان أرادوا به أنه ذو عزة، أنه "عزيز" في قومه، أو "عزيز" في بلده، أو كذا، فسَمّوه ولاحظوا معنى هذه الصفة، أيضًا لا يجوز. لكن لو سُمّي به مجرد اسم وهو ليس بعزيز، إذا ما فيه شي، لم يلاحظ فيه معنى الله... سواء كان الاسم أو الكنية. قد إنسان مثلًا يلقب "أبا عزيز" بعد ما يكبر لأنه عزيز في قومه مثلًا، أو "رحيم"، أو نحو ذلك من هذه الأسماء. إذا لوحظ فيها معنى الصفة، هذا لا يجوز. وليس التسمي بها لا يجوز مطلقًا، وإنما لهذا المعنى. ويدل عليه الحديث، ويدل عليه الحديث: إذا لوحظ هذه الصفة، إذا لوحظ... لكن هم يطلقون هذا الحكم ليس كاسم مستمر فيه، يعني: ما يجعلون هذا مثلًا في كل مكان ينادون: "تعالي الحكم"، "تعالي كذا"، وإنما "الحكم" يعني في المباراة، من "الحكم"؟ مثل القاضي. تمام. يعني يقال له "قاضي" لأنه يقضي بين الناس، وهو اسم ليس ملازمًا له، وإنما وقت القضاء. وهكذا "الحكم" إذا أطلق في وقت معين، لا بأس. لكن إذا استمر على ذلك وعُرف بهذا، فهذا هو الذي يُنهى عنه. قال: فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء لا وصفاته، ولو لم يقصد معناه. الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله انتقد على المؤلف: "ولو لم يقصد معناه". لأنه قال: "احترام أسماء لا وصفاته". طيب، يجوز التسمي بها إذا لم يلاحظ معنى الصفة؟ فقوله هنا: "ولو لم يقصد معناه"، كأنه حرم المصنف تحريمًا مطلقًا، يعني: ولو لم يلاحظ فيه معنى الصفة؛ لأنه قال: "ولو لم يقصد معناه". فالله أعلم. الصواب أن احترام اسم الله وصفاته إذا قصد ولوحظ معنى الصفة كما تقدم، يقال هكذا. قال: الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الاسم إذا كان فيه شيء من ذلك فهو من سوء الأدب مع الله، ومن عدم احترام أسماء الله، فيغير كما غير النبي صلى الله عليه وسلم. فمثلا لو إنسان يقال له مثلًا "أبا..." مثلًا، أو مثلًا يقال له "الرحيم"، ولوحظ فيه هذا المعنى، فيقال له: "لا، لا تسمى بهذا، يمكن نغيرك إلى صفة أخرى". فمثلا أنت مثلًا "أبو الأيتام"، ما شاء الله، اسم طيب، بدل "الرحيم"، وكذا. تُغيّر لأن هذا فيه مزاحمة لأسماء الله. فالله عز وجل هو الرحيم، وليس أنت. فلوحظ هنا معنى الصفة، لوحظ هنا معنى الصفة. قال: الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. وهذا تقدم. طيب، نكتفي بهذا. وإله، وإله، وإله، وإله، وإله، وإله.