التعليق على كتاب التوحيد 114

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 114، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب ما جاء في كثرة الحلف وربطه بتوحيد الله وتعظيمه

يشرح المقطع معنى الحلف وحكم الإكثار منه، مبيناً أن كثرة الحلف تدل على ضعف تعظيم الله في القلب وهو منافٍ لكمال التوحيد. ويستدل بقوله تعالى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ التي تتضمن ثلاثة معانٍ: عدم الإكثار من الحلف، عدم الحنث، وأداء الكفارة، مع ذكر أحاديث تحذر من الحلف الكاذب والدائم في البيع والشراء.

شرح حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة وبيان معنى جعل الله بضاعته

يفسر المقطع حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، مبيناً أن العقوبة تتضاعف لضعف دواعي المعصية فيهم، ويوضح أن "جعل الله بضاعته" يعني كثرة الحلف بالبيع والشراء استخفافاً باليمين أو كذباً لأكل المال الحرام. كما يناقش الفرق بين لفظي "خير أمتي قرني" و"خير الناس قرني" مرجحاً الثاني للألباني لشموله الأمم السابقة.

فضل القرون الثلاثة وخصائص من بعدهم وآداب الأيمان والشهادة

يشرح المقطع أحاديث تفضيل القرون الثلاثة الأولى وتحذير من صفات من بعدهم كخيانة الأمانة وشهادة الزور ونكث العهود، مع توضيح معنى "القرن" وحديث "تسبق شهادة أحدهم يمينه". ويذكر تأديب السلف لأبنائهم على صدق الشهادة، مستخلصاً سبع مسائل فقهية منها حفظ الأيمان، وذم كثرة الحلف، وتغليظ العقوبة على من لا داعي لذنبه.

ضرب الصغار على الشهادة والعهد تأديباً وتعليماً

يشير المقطع إلى أن السلف كانوا يضربون الصغار على الشهادة والعهد كوسيلة للتأديب والتعليم على صدق القول والوفاء بالعهد. ويختتم المتحدث حديثه عند هذه النقطة مع الشكر والخاتمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال الشيخ المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب ما جاء في كثرة الحلف". والحلف هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وذلك بأحد حروف القسم: وهي الباء، والواو، والتاء. يسمى هذا حلفًا، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم وهي الباء، والواو، والتاء. وقوله: "باب ما جاء في كثرة الحلف"، يعني الإكثار من ذلك، ويريد الحلف بالله؛ لأن الحلف بغير الله من الشرك. لكن يريد هنا كثرة الحلف بالله، والتهاون والتساهل في ذلك. فما مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؟ لماذا ذكره الشيخ هنا في كتاب التوحيد؟ المناسبة: أن كثرة الحلف بالله تدل على ماذا؟ تدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الله. الإنسان إذا استهان بشيء وخف تعظيمه به، فإنه يكثر من الحلف به. فهذا يقتضي ضعف هيبة الحلف بالله، وتعظيم الله تعالى من تمام التوحيد. صح، تعظيم الله عز وجل من تمام التوحيد، فمن تعظيم الله عدم كثرة الحلف. فإن من يكثر من الحلف، هذا يقتضي أن هيبة تعظيم الله عز وجل في قلبه قد ضعفت، وهذا دليل ضعف التوحيد. فمن تمام التوحيد تعظيم الله سبحانه وتعالى، هذا هو مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. ومعنى "احفظوا أيمانكم": احفظوا حلفكم. وحفظ اليمين له ثلاثة معانٍ: المعنى الأول: حفظها ابتداءً، وذلك بعدم الحلف، أو بعدم كثرة الحلف. فحفظ الأيمان يعني التقليل منها، وعدم الإكثار منها. هذا معنى. ومعنى آخر من معاني حفظ الأيمان: حفظ وسطها، وذلك بعدم الحنث فيها. وما معنى الحنث؟ يعني التراجع، إلا في حالات: إذا رأى أنها خير، إذا رأى التراجع خيرًا. أما إذا استوى الأمران، فمن حفظ الإيمان ألا يرجع عنها. مثال على سبيل المثال: حلف ألا تذهب إلى السوق لأن هذا يضعف من إيمانك مثلًا، ولست محتاجًا تلك الحاجة للذهاب، يمكن تأخذ حاجتك من أطراف كانت بعيدة من السوق. طيب، فمن حفظ الإيمان ألا يرجع عن ذلك. لكن لو حلف على شيء، ورأى أن الرجوع عنه خيرًا، فهذا لا بأس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». واضح. فهناك معنى آخر من معاني حفظ الإيمان، وهو عدم الرجوع فيها. ومن حفظ الإيمان كذلك: حفظها انتهاءً، وذلك في إخراج الكفارة بعد الرجوع عنها. فهذا أيضًا من معاني حفظ الإيمان، فلا تؤخر ولا تتساهل في كفارة اليمين إذا رجعت عن اليمين، بل تسارع وبادر إلى إخراجها. فهذا أيضًا من تمام حفظها. تريد تقول: "الأيمان" بالفتح، لا "الإيمان" بالضم. أما "الإيمان" فهو الإيمان في القلب. لا، هذا صبغ اللسان. هو "احفظوا أيمانكم" بالفتح. فهذه ثلاث حالات، وهي ثلاثة معانٍ من معاني حفظ الأيمان: في أولها، وفي وسطها، وفي آخرها. فكل هذه المعاني تشملها الآية. ووجه الشاهد من هذه الآية: أن الله عز وجل أمرنا بحفظ الأيمان، بمعنى عدم الإكثار منها، عدم الإكثار منها. وهذا مطابق للترجمة، مطابق للترجمة. فما جاء في كثرة الحلف أنه منهي عنه بنص هذه الآية. واضح. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة». أخرجهما، يعني في البخاري ومسلم. هذا الحديث، وقوله: "الحلف"، المراد به الحلف الكاذب، يقيد بهذا؛ لأن فيه عقوبة. وأما الحلف الصادق فليس فيه عقوبة. فقوله: "الحلف" يعني الحلف الكاذب، فهو منفقة للسلعة. ومعنى "منفقة للسلعة": يعني ترويج لها، وسبب في سرعة إخراجها وبيعها؛ لأن الناس يصدقون، يعظمون الله، فلما يحلف البائع، سرعان ما يشترون هذه السلعة، يشترون هذه السلعة. فمعنى "منفقة": يعني ترويج لهذه السلعة. لكن ما هي العقوبة؟ "ممحقة للبركة". ومعنى "ممحقة للبركة": يعني أنها سبب لعدم البركة في هذا الكسب، في هذا المال الذي أدخله صاحبه من الحلف الكاذب. لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. فالمحق هنا بمعنى عدم البركة، وعدم الانتفاع بهذا المال. فمعنى "ممحقة للكسب": يعني متلفة له، متلفة لهذا الكسب. ففيه هذه العقوبة، وفيه التحذير من الحلف الكاذب. وكأن المؤلف ذكر هذا، ويريد أن يقول: إن كثرة الحلف ربما تؤدي في آخر أمره إلى الكذب. إن استهان بالحلف، وأكثر من الحلف، فربما يسوقه الأمر إلى الكذب. فلذلك أورد المؤلف هذا الحديث، وهو فيه يعني استدلال غير صريح لما أراد؛ لأن هنا قلنا: الحلف هو الحلف الكاذب، وهو ما أراد. هذا أراد كثرة الحلف بالصدق، ليس بالكاذب. ولكن قد يقال: كثرة الحلف، وإن كنت صادقًا، تؤدي إلى الكذب. وهذا واقع: من يحلف كثيرًا، تجده في نهاية أمره يكذب، ويحلف كاذبًا؛ لأنه استسهل هذا الأمر، استسهل هذا الأمر. قال: وعن سلمان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه». رواه الطبراني بسند صحيح. والحديث هذا صححه الشيخ الألباني عليه رحمة الله. وجاء بعد الصيغ، ومنها هذه الصيغة. ومعنى الحديث: "ثلاثة لا يكلمهم الله"، يعني ثلاثة أصناف لا يكلمهم الله. ونفي الكلام هنا دليل على إثبات أصله. فهذا الحديث استدل به أهل السنة على إثبات الكلام لله عز وجل. وهذا مثل استدلالهم بإثبات الرؤية بقول الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فلما كان الكفار يعاقبون ويعذبون بعدم رؤيتهم لله، فالمؤمنون يرون ربهم. صح. وهؤلاء العصاة لما عاقبهم الله عز وجل بأنه لا يكلمهم كلام رضا، دل ذلك على أن الله عز وجل يكلم المؤمنين كلام رضا. فالكلام هنا المراد به كلام الرضا. وأما كلام الغضب والتوبيخ، فهذا لا يدل عليه الحديث؛ لأن الله عز وجل يكلم أهل النار، ولكن هذا كلام غضب وتوبيخ، وليس كلام رضا ورحمة. واضح هذا الآن. فقوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله"، يعني كلام رضا. وقوله: "ولا يزكيهم"، التزكي هنا بمعنى التوثيق والتعديل، التوثيق والتعديل. فيوم القيامة لا يوثقهم، ولا يعدلهم، ولا يشهد عليهم بالإيمان. نعم، ولا يشهد عليهم بالإيمان. وكذلك "لهم عذاب أليم"، يعني تتضاعف لهم العقوبة، فلست كغيرهم ممن يفعل نفس هذا الفعل؛ لأن دواعي فعل هذه المعاصي ممتنعة أو ضعيفة لديهم، ومع هذا ارتكبها. فمن هم هؤلاء؟ قال: "شيخ زان". والشيخ هو الذي اختلط سواد شعره ببياضه لكبر سنه، يعني كبير في السن، قد شاب شعره لكبر سنه. وهو تصغير "أشمط"، وهذا من باب التصغير له والاحتقار. طيب، فدواعي الزنا في حقه ضعيفة. إنسان كلما كبر، كلما قلت شهوته ورغبته في هذه المعاصي، ومع هذا هو يرتكب هذا الشيء. فهذا ليس كالشاب الذي يزني، عقوبته أعظم. عوقب بهذه العقوبات. نعم، فهذا معنى قوله: "شيخ زان". فدواعي هذه المعصية ضعيفة لديه، ومع هذا فعلها، فتضاعف عليه العقوبة. "وعائل مستكبر". العائل: يعني الفقير. إنسان فقير، ما عنده ما يستدعي الكبر. فقير، وليس برئيس، ولا وزير، ولا شيء. ومع هذا، ما شاء الله، طارح نفسه في السماء، يتكبر على العباد. والكبر يكون إما برد الحق، وإما بغمط الناس، كما جاء في الحديث: يعني احتقارهم وازدراؤهم. فهذا دواعي الكبر ضعيفة. فما الذي دفعه إلى هذا؟ ليتكبر صاحب المال، أو صاحب الجاه، أو صاحب الرئاسة، هذا الذي يعني دواعي الكبر ربما متوفرة لديه، ومع هذا حرم عليه. وهذا فقير، ما عنده ما يدفعه إلى ذلك، ومع هذا يتكبر. فهذا وذلك، وهذا ليس وجه الشاهد الذي يريده. هو الثالث: "ورجل جعل الله بضاعته". حسنت. "ورجل جعل الله بضاعته"، يعني جعل هو، ورفض الجلال مفعول أول، وبضاعته مفعول ثاني؛ لأن "جعل" تنصب مفعولين. ومعنى "جعل الله بضاعته": يعني جعل الحلف بالله بضاعته. جعل الحلف بالله بضاعته، يعني يحلف في بيعه وشرائه، في ترويج سلعه وبضائعه. فهذا معنى قوله: "جعل الله بضاعته"، يعني جعل الحلف بالله بضاعة له، بضاعة له، دائمًا يحلف. ولذلك قال: "لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه". والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها. كيف حلف على ذاتها؟ مثلًا يقول: "والله إن هذه السلعة كذا وكذا"، يعني بذات هذه السلعة. مثلًا معه سيارة، تمام، أو معه أرز، أو معه مواد غذائية، أو نحو ذلك، فيحلف على ذات هذه البضاعة، بمعنى أن هذه البضاعة كذا وكذا، يعني بأنها هي سيارة، وهي كذا، وليست فيها نقص، ولا فيها عيب، ولا فيها شيء. وقد يكون الحلف بنوعها، كأن يقول مثلًا: "هذا من حديد"، أو "هذا من خشب"، أو "هذا من ذهب"، أو بنوع هذه البضاعة يحلف. أو بوصفها، كأن يقول مثلًا: "هذه جيدة، وهذه ممتازة، درجة أولى، أصلية"، أو نحو ذلك، ويحلف على هذا. أو يكون بقيمتها، كأن يقول: "والله إني اشتريتها بمئة، أو اشتريتها بمليون"، يحلف في القيمة التي اشتراها بها. هذا لا داعي له في البيع والشراء، وإن كان صادقًا. وإن كان صادقًا، والذي يحلف في الحقيقة، في النهاية إذا عرفه الناس، يشمئزون منه، ويبتعدون عنه. يقولون: هذا يحلف، وهو يعني يمرر بضاعة دائمًا بالحلف، ربما لا يثقون به، ربما لا يثقون به. وما وجه الشاهد من هذا الحديث؟ مطابق للترجمة: "جعل الله بضاعته"، يعني دائمًا وهو يحلف، يكثر من الحلف. ولماذا جاءت في حقه هذه العقوبة؟ لأنه إن كان صادقًا، فكثرة أيمانه تشعر باستخفافه واستهانته باليمين، ومخالفته لقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. هذا إن كان صادقًا. وإن كان كاذبًا، فجمع أربعة أمور محظورة: الأمر الأول: الاستهانة، إذ حلف بالله كاذبًا. والثاني: كذبه، وآثم على هذا الكذب. والثالث: أكله المال الحرام، فيحلف كذبًا فيأخذ مالًا حرامًا. والرابعة: أن يمينه غموس، لأنه يعلم أنه كاذب، واليمين الغموس تغمس صاحبها في جهنم، والعياذ بالله. فاستحق هذا العذاب. قال: "وفي الصحيح"، يعني في الصحيحين، صحيح البخاري ومسلم. قال: عن عمران بن حسين رضي الله عنه قال: «خير أمتي قرني». الشيخ الألباني يقول: اللفظ الصحيح: «خير الناس قرني». وفرق بين اللفظين من حيث ماذا؟ لو قال: "خير أمتي قرني"، معناه هنا أن الأمة هنا خاصة بغير الأمم التي قبلها، سواء كان أمة الدعوة أو أمة الإجابة. يعني الناس الذين في زمنه عليه الصلاة والسلام، صحيح. وهذه الأمة هي خير الأمم، هي خير الأمم. فلَفظة "الناس" تشمل كل الناس، الأمم التي قبلنا كلهم، كل الأمم التي قبلنا يشملهم هذا اللفظ. وقد ورد هذا اللفظ، فصحح العلماء أن يقال: "خير الناس قرني". وبعضهم وجه "خير أمتي"، قالوا: طالما أن هذه الأمة هي خير الأمم، فإذن قرن الصحابة هو خير الناس. لكن هذا باللازم. فلَفظة "الناس" هي الثابتة، وهي التي صححها جماعة من أهل العلم، منهم الشيخ الألباني: "خير الناس قرني". «ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري، أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا؟ «ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن». وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه، في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». شوف، جاء بلفظ "الناس". «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته». وهذا هو وجه الشاهد من الحديث. طيب، قوله: "خير الناس قرني"، القرن مأخوذ من الاقتران، والمراد: الطائفة المقترنة بشيء من الأشياء، كعصر، أو كذلك وصف معين. وشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يرجح أن القرن معتبر بمعظم الناس. أيش معنى "بمعظم الناس"؟ يعني مثلًا: الصحابة جعلهم أهل العلم قرنًا؛ لأنهم كلهم صحابة بهذا الوصف، غالب هذا القرن صحابة. طيب، مع أن فيه من التابعين، فيه من التابعين، وفيه من المخضرمين. من هو المخضرم؟ المخضرم: الذي أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام وآمن، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يسمى مخضرمًا، يسمى مخضرمًا. فهو ليس بصحابي، ومع هذا في قرنهم يعيش. فعلى غالب الناس يسمى قرنًا. كذلك على قرن التابعين، لأن غالبهم تابعيون، فيقال له قرن. فهذا معنى "غالب". "خير الناس قرني"، يعني قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم، والذين بعدهم. ذكر ثلاثة قرون هنا، شك من عمران، لكن جاءت روايات الجزم بأنها ثلاثة. نعم، كما في حديث ابن مسعود. وقوله هنا: «ثم إن بعدكم»، يعني بعد القرون الثلاثة المفضلة، «قوم يشهدون ولا يستشهدون». اختلف العلماء في هذا. أولاً: معنى قوله "يشهدون"، يعني بمعنى يبادرون إلى الشهادة دون أن تطلب منهم. وهذا معنى قوله: "ولا يستشهدون"، لا تطلب منهم، ولا يحتاج إليها، فهم يعني يسبقون طلبها، يسبقون طلبها. هذا قول. وقول آخر: أنهم يؤدون الشهادة بغير علم، فهم يشهدون شهادة الزور. "يشهدون ولا يستشهدون"، يعني لا يوثق بهم، ولا يرغب في شهادتهم، ومع هذا يشهدون زورًا وكذبًا. «ويخونون ولا يؤتمنون»، يعني موصوفون بالخيانة، موصوفون بالخيانة. «وينذرون ولا يوفون»، يعني يلزمون أنفسهم النذر، وإلزام النفس بعبادة ما، فلا يوفون بهذا النذر. «ويظهر فيهم السمن». هذه العبارة أشكلت على بعض أهل العلم؛ لأن السمن قد يكون بغير قصد، بل قد يكون عالم من العلماء وهو سمين، فكيف هذا؟ قالوا: تحمل هذا على أنهم يتعمدون ذلك، فيأكلون من الأكل، ومن الشراب، ومن الأشياء التي تسمنهم. وهذا ربما وقع في هذا الزمان هنا، حتى خلطات الآن للسمنة، صح؟ فمن تعمد ذلك، فإنه مذموم، فإنه مذموم. فبعض أهل العلم حمله على ذلك. وهذا الحديث إلى هنا ليس فيه وجه الشاهد، وإنما أراد الرواية الأخرى. وهذه الرواية الأخرى، والتي فيها: «ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته». ومعنى هذا: أنهم يستخفون بالحلف والشهادة، لكثرة شهادتهم، ولكثرة حلفهم، فأحيانًا يسبق حلفهم، وأحيانًا تسبق شهادتهم. هذا معنى قوله: «ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه»، يعني يشهد قبل أن يحلف، أو يحلف قبل أن يشهد، لاستهانتهم بهذا، بهذين الأمرين. وهذا فيه مطابقة للباب، مطابقة للباب. فإن من صفات هؤلاء: كثرة اليمين، كثرة اليمين، حتى أن يمينهم تسبق شهادتهم، تسبق شهادتهم. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. قال: قال إبراهيم: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار». يعني كان السلف يؤدبون أبناءهم، فإذا سمعوا من أحدهم... فإذا سمعوا من أحدهم أنه شهد شهادة زور، أو أنه كذلك يعني لم يفي بعهد، ونحو ذلك، ضربوه، من باب التعليم، من باب التعليم. ولو كان... ولو كانت هذه الشهادة في أمور تقع بين الصغار. أحيانًا ربما يأتي الصغير يشتكي، يقول: "أنا رأيت فلان فعل كذا"، تقول له: "تشهد؟"، يقول: "نعم، أشهد"، وهو كذاب. أنت تعلمه، وتبين له خطورة الشهادة كذبًا. ووجه هذا: أن يعني السلف كانوا يؤدبون أولادهم في الشهادة والعهد، ومن ذلك الحلف، أو كثرة الحلف، فإنه يدخل في معنى الشهادة، أو في معنى العهد. هذا هو وجه الشاهد من هذا، والله أعلم. قال: فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان، الوصية بحفظ الأيمان في الآية: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، فلا يكثر الإنسان من الحلف إلا في حالات لا بد منها، في حالات لا بد منها، إذا علم أنه إذا لم يحلف يتهم، أو كذلك إذا لم يحلف يضيع حقه، أو نحو ذلك، فلا بأس أن يحلف. وقد حلف النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يستحلف، يعني لم يطلب منه الحلف، كما في حديث المرأة المخزومية التي سرقت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». الثاني: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة، وهذا من الحديث، حديث أبي هريرة، فعرفنا معنى ذلك. الثالث: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه، وهذا في حديث سلمان، فعد من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. الرابع: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي، قلة الداعي، وهذا في الشيخ الزاني، والعائل المستكبر، يعني قلة الداعي في الكبير ليس كالشاب في قوة الداعي إلى ذلك، وكذلك الفقير ليس ك الغني، فيضاعف لهم العقوبة. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون، يعني يبادرون إلى الحلف والشهادة، ولم تطلب منهم. السادسة: التنبيه على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم، وهذا في حديث عمران وابن مسعود. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون، وهذا أيضًا في حديث عمران. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد، وهذا من باب التأديب والتعليم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى، والله تعالى، والله تعالى. شكرًا، شكرًا.