الدرس في كتاب الاستغفار 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح الحديث أن أقل أهل الجنة منزلة يُقال له: تمنَّ، فيتمنى فيُعطى ما تمنى ومثله معه ومثله معه، مبيناً سعة نعيم الله للمؤمنين. وهذا يدل على كرم الله الواسع حتى لأدنى أهل الجنة.
يروي أبو سعيد الخدري أن الله يسأل أهل الجنة عن رضاهم، فيؤكدون رضاهم بما أعطاهم، فيبشرهم الله بأن رضوانه عليهم أفضل من كل نعيم. ويؤكد الحديث أن الله لن يسخط عليهم أبداً بعد ذلك.
يعد رضوان الله تعالى على أهل الجنة من أعظم النعيم، حيث لا يسخط عليهم أبداً، ويُذبح الموت بين الجنة والنار فيُنادى: يا أهل الجنة خلود فلا موت. فيفرح أهل الجنة فرحاً عظيماً بينما ييأس الكفار من الخروج، ويخرج المؤمنون العصاة برحمة الله إلى الجنة.
يختم المتحدث بالدعاء إلى الله تعالى أن يرضى عنه، يغفر له، يتجاوز عن تقصيره، ويمنحه دخول الجنة والفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. داعياً الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى ضمن أحاديث باب بيان ما أعد الله للمؤمنين، أي من النعيم المقيم في الجنة: قال رحمه الله تعالى: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمنَّ، تمنَّى، قال: فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه ومثله معه». قال: رواه مسلم، رواه مسلم. وهذا الحديث كما سبق فيه إخبار وبيان لما أعد الله عز وجل للمؤمنين في الجنة، وهنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أدنى، مع أنه ليس فيها دني، لكن أدنى بمعنى أقل، أقلهم نعيماً وأنزلهم درجة، هو من يقال له: تمنَّ، فانظر كم سيتمنى، وهكذا يقال له: تمنَّ، فانظر كم سيتمنى، ثم بعد ذلك ربنا عز وجل يكرمه زيادة على ذلك فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، يعني هذا كل ما تمنيت، فيقال له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه ومثله معه. هذا يا إخوان يدل على فضل الله عز وجل وكرمه لأهل الجنة، فكيف بمن هم يتقلبون في درجات الجنة؟ كيف بمن تبوأ المنازل العالية والدرجات الرفيعة؟ فنسأل الله عز وجل من فضله. قال رحمه الله تعالى: قال: «وعن أبي سعيد الخدري سعد ابن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. ولبيك معناها: نجيبك إجابة بعد إجابة، ومنها قول الحاج والمعتمر في التلبية: لبيك اللهم لبيك، أي: أجيبك، ماذا أجيبك مرة بعد أخرى. قال: فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ما لم تعط أحداً من خلقك. قال: فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ أي: أفضل من هذا النعيم الذي تتقلبون فيه وتتنعمون به. قال: فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلَّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً». قال: متفق عليه. ومعنى «أحلَّ» أي: أنزل عليكم رضواني، فيرضى ربنا تبارك وتعالى عن أهل الجنة فلا يسخط عليهم بعده أبداً. ولهذا يا إخوان، ربنا عز وجل ينبه على هذا النعيم حين أن يذكر ما أعطى أهل الجنة من نعيم في الجنة، فيقول: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرِضْوَانُهُ﴾ سبحانه وتعالى على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم بعده أبداً. هذا يعتبر من أعظم النعيم الذي يكرم الله به أهل الجنة. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى بالموت في صورة كبش، ثم ينادى: يا أهل الجنة، قال: فيشرئبون، أي: ينظرون، وينادى: يا أهل النار، قال: فيشرئبون وينظرون، فيذبح الموت بين الجنة والنار، فماذا فيقال عندها؟ يا أهل الجنة: خلود فلا موت. لك أن تتخيل مدى الفرحة التي يفرحها أهل الجنة حين أن يسمع هذا النداء: خلود فلا موت. ويقال لأهل النار أيضاً: يا أهل النار: خلود فلا موت. وهنا يا إخوان ييأس أهل النار من الخروج من النار، والمقصود بأهل النار ها هنا الذين هم أهلها من الكفار والمشركين والملاحدة والذين ليس في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان. وأما أهل الإيمان وأهل التوحيد ممن هم من أهل المعاصي حتى ولو دخلوا النار، فإنه برحمة الله عز وجل وفضله يخرج من النار إلى الجنة. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يرضى عنا، وأن يغفر لنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، وأن يكرمنا بدخول الجنة، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى منها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.