الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول معنى الذمة في الإسلام وتفسير ذمة الله وذمة نبيه، حيث تشير إلى العهد أو الاتفاق أو المال الذي يكون في ذمة الشخص. ويوضح أن ذمة الله وذمة نبيه تعني الحماية والضمان.
يتناول المقطع الثاني كيفية التعامل مع المعاندين والكفار في الحرب، حيث يبدأ بالدعوة إلى الإسلام ثم الهجرة، فإن رفضوا يسألون الجزية، فإن رفضوا يقاتلون. ويشرح كيفية التعامل معهم عند الحصار والصلح.
يشرح المقطع الثالث والرابع مفهوم الذمة وذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين، ويبين أهمية الاستعانة بالله في القتال والفرق بين حكم الله وحكم العلماء. كما يوضح الشروط المفروضة على غير المسلمين وتطبيقاتها العملية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه. باب ما جاء في ذمة الله وذمة النبي، الذمة المراد بها ما يتكفل به الشخص، أو ما يتكفل به من عقد أو عهد أو اتفاق، أو مال يكون في ذمته، أنه مطالب به أو متكلف به. فلهذا فذمة ذمة الله عز وجل، أي أن الله عز وجل متكفل به، فهو في حفظه وكلاءته، وكذلك في ذمة نبيه. ولهذا استدل المؤلف بقول الله جل وعلا: «وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم»، فالعهد يعتبر في الذمة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم»، أي أن كل من تكفل بإنسان فهو كأن الأمة كلها تكفلت به. يعني مثلا أنه يريد الكافر إذا أدخل إنسان كافر في ذمته، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم هاني: «لقد أجرنا من أجرتِ يا أم هاني». فإذا استأمن مسلم كافرا فإنه يدخل في أمان الأمة كلها، فهو في ذمة أمة النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم»، أدنى واحد منهم إذا أمن إنسانا فهو داخل في ذمة المسلمين معا. قال عن بريدة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: «اغزو بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزو ولا تغلوا»، ولا تغلوا: أي لا تأخذوا من الغنيمة قبل أن تقسم. قال: «اغزو ولا تغلوا»، ومعنى لا تغلوا: لا يكون منكم الغدر والخيانة في اتفاق تعقدونه بينكم وبينهم، فتغلوا. ولا تمثلوا: أي لا تقطعوا أطراف العدو ثم تتركونهم، فهذا يسمى مثلة. ولا تقتلوا وليدا: أي صغيرا. وإذا لقيت عدوك وجاء في رواية: «ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا»، على المرأة أيضا لا تقتل في الحروب إلا إذا شاركت في الحرب، فإنها تقتل. قال: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال»، هذا من وصية النبي صلى الله عليه وسلم للأمير. إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أي قبل أن تقاتلهم. مثل ما قال أيضا لعلي رضي الله عنه: «انفذ على رسلك»، لما أرسله إلى خيبر. «انفذ على رسلك، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا أو هكذا، أو قال: فادعهم إلى ثلاث: ادعهم إلى الجزية، أو قال: ادعهم إلى الإسلام، ثم إلى الجزية، ثم الحرب». قال: «فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وقف عنهم». ثم ادعهم إلى الإسلام، أول ما تدعوهم أو لا قبل أن تحاربهم، ادعهم إلى الإسلام، بين لهم الإسلام، اقرأ عليهم القرآن، وكذا. فإن أجابوك فاقبل منهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، إذا قبلوا الإسلام ادعهم إلى الهجرة، لأن الهجرة كانت واجبة. بل الله عز وجل لم يعذر بعض الناس لعدم هجرتهم، مثل بعض من كان في مكة الذين تتوفاهم الملائكة وهم ظالمي أنفسهم. قالوا: «فيما كنتم؟» قالوا: «كنا مستضعفين في الأرض». قالوا: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟» فالله عز وجل لم يعذرهم لأنهم استطاعوا أن يخرجوا من مكة لكن بقوا في مكة. قال: «وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين»، فلا مثل ما يعيش المهاجرون تعيشون أنتم. لا يقول مثلا: «كيف أذهب إلى بلاد ليست بلادي؟». قال: «فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين». الخصلة الثالثة: إذا لم يقبلوا الهجرة يكونون مثل أعراب المسلمين، معنى الذين يكونون في البدو، ما يشاركون في الحروب ولا يشاركون في كذا. يكونون في عند معنى مثل يكونون في البدو في قرى، لكن لا يحصلون على شيء من الفيء ولا من الغنيمة ولا من غيره. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يكونوا في الغنيمة والفيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين»، إذا جاهدوا أخذوا ما يأخذ المسلمون من غنائمهم. قال: «فإن أبوا فاسألهم الجزية»، إذا أبوا الإسلام وأبوا أن يكونوا مع المسلمين فاسألهم الجزية. فإن أجابوك فاقبل منهم. والجزية هذه ليست لكل مشرك، وإنما هي لأهل الكتاب ومن كان مثلهم كالمجوس على الصحيح. قال: «فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم». وإذا حصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك. إذا أرادوا أن يخرجوا باتفاق وبصلح، مثلا الآن يقولون: «نحن في ذمتكم، سنخرج من الحصن». هذا عند الحصار، أحيانا عندما يحاصر أناس ما عندهم طعام، تجد أنهم ما عندهم طعام ما عندهم شراب، يضطرون إلى الصلح. فيخرجون يقول لهم مثلا: «نتفق معكم، لكن على ذمتكم أنكم لا تفعلون كذا ولا تفعلون كذا، ونكون على صلح». فهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخرجهم على ذمة الله وذمة رسوله»، لأنك لا تعرف هذا الأمر. ولكن أخرجهم على ذمتك، لأنه قد يخفر الإنسان الذمة. يخفر كيف؟ يخالف، مثلا يقول لهم: «اخرجوا، خلاص نتفق معكم»، ثم يقتلهم. يظن أن هذا حرب، مثلا مثل ما خرج بعض القبائل لما جاءهم خالد بن الوليد، فخرجوا على أنهم مسلمون، فكانوا يقولون: «صبعنا»، ما يقولون: «أسلمْنا»، هم على عادة العرب أن الذي يخالف دينه يقال له: «صابع». فكانوا يقولون: «صبعنا، صبعنا»، فخالد رضي الله عنه ظن أنهم مستهزئون وأنهم ما أسلموا، فقام وقتلهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من هذا الفعل، وقال: «إني أبرأ إلى الله مما فعل خالد»، معنى أن هذا ليس علي، أنا ما أمرته بهذا. لكن خالد رضي الله عنه ظن أنهم يستهزئون وأنهم لم يسلموا. فالمهم لهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أنهم يخرجهم في ذمته وذمة أصحابه، لا يخرجهم في ذمة الله وذمة رسوله، لأن ذمة الله لا تخفر ولا ذمة نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: «ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه». مثلا لو إنسان مثلا يقول: «نتفق على شيء، نريد شهود»، يقول: «لا، الله شاهد». يقول: «طيب، نريد ضامن»، يقول: «الله ضامن»، فيرضى الآخر. فهنا جعل الذمة في ذمة الله، ويظن هذا الشخص مثلا أنه يستطيع أن يخفر، وهذا يكون جرم عظيم من جعله في ذمة الله ثم خفر، فهو يعتبر شيء من عدم تعظيم الله عز وجل. ولهذا أدخله المؤلف في كتاب التوحيد، من هذا الباب، لأنه الذي يفعل مثل هذا الفعل فهو ليس معظما لله، يظن أن هذا شيء سهل. يقول مثلا: «هات لنا كفيل»، يقول: «الله بيننا كفيل». يقول: «طيب، هات شاهد»، يقول: «الله شهيد»، ثم يخفر. بل قد يكون في نفسه أنه يخفر هذا وأنه لا يستمر، وهذا غير صحيح، وأيضا هو من عدم تعظيم الله عز وجل. قال: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا». لا تقول لهم: «انزلوا على حكم الله عز وجل»، إلا إذا كنت تعلم حكم الله في هذه المسألة. لكن تنزلهم على حكمك، مثلا تحكم بهم كذا وكذا، هذا إذا لم يعرف الأمير حكم الله في هذه المسألة. قال: «فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين، ذمة الله وذمة نبيه أعظم. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا»، معنى الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا، معنى: قال: «أنزلهم على ذمتك، لا تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله». قوله: «اغزو بسم الله في سبيل الله»، المراد أن الغزو يكون بالاستعانة بالله جل وعلا، ويكون أيضا هذا الغزو يكون في سبيل الله. الرابع: قوله: «قاتلوا من كفر بالله»، لأن هؤلاء هم الذين استحقوا القتال. أما المسلم لا يستحق القتال إلا إذا خفر ذمته، وأيضا إذا ترك العهد الذي بينه وبين المسلمين. لهذا أجمع الصحابة أن المسلم يقاتل إذا ترك شيئا من شعار الإسلام، مثل أن يترك الصلاة أو الزكاة. قاتلهم أبو بكر لما تركوا الزكاة. إذا تركوا العهد، قالوا: «نحن ما سنؤذن، سنصلي لكن ما نؤذن»، هذه شعيرة من شعار الإسلام، يقاتلون عليها. قال: «استعن بالله وقاتلهم»، لأن القتال إذا لم يستعن فيه بالله عز وجل سيوكل الشخص إلى نفسه، وهذا عين الخذلان. الفرق بين حكم الله وحكم العلماء، هناك فرق، ليس كل حكم يقول به العلماء فهو حكم الله، قد يحكم هذا العالم أو القاضي بحكم لا يصيب حكم الله عز وجل. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أن يوافق حكم الله أم لا، هذا عند الاضطرار، مثل هذه المسائل مثل الحروب وكذا، حتى لا يكون مثلا يتوقف أمر مهم جدا الآن، مثلا يريدون الصلح، كيف يصطلح بينهم؟ سيذكرون له شروط، هل هذه الشروط يقبلها ولا يقبلها؟ قد يكون ما يعرف حكم الله فيها، فلهذا ينزلهم على حكمه. يقول لهم مثلا: «أنا سأقبل هذه الشروط، لكن إذا خالفت حكم الله فإني رافضها». ولا يقول مثلا: «هذه الشروط لأنها حكم الله»، لأنه هو الآن الأمير على جيش، فيقول: «هذه الشروط نقبلها»، كأنه يريد أننا أهل الإسلام نقبل هذه الشروط كأنها حكم الله، هذا خطأ، لأنه قد يكون شيء من هذه الشروط باطل. مثلا فيه إباحة شيء من المحرمات، فيه كذا أو تجر على بعض المحرمات أو غيرها مما يكون بين الناس. مثلا قد يشترطون مثلا: «أنكم لا تؤذون في القمر، لا تفعلوا كذا»، مثل ما فعل اليهود مع عمر رضي الله عنه لما عمل معهم الاتفاق، فكانوا يطلبون أشياء، يقول لهم: «لا»، وأحيانا ما يذكرون أشياء يذكرها لهم وميزهم حتى في اللباس، فهذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه في هذا، وأخذ الناس من بعده هذه الشروط بينهم وبين الكفار.