شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 73

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الاستشفاع بالله على خلقه وبيان ضلال القبورية

يناقش تحريم الاستشفاع بالله على خلقه ويبين ضلال القبورية في اعتقادهم بالتوسل بالأموات. يستدل على ذلك بحديث نبوي ويشرح معنى الاستشفاع.

التوسل والاستغاثة وحدودها الشرعية

يفرق بين التوسل المشروع والتوسل المبتدع الذي قد يصل إلى الشرك، ويبين أن التوسل بالأعمال الصالحة والدعاء مشروع. التوسل بالذات أو الجاه أو الحق بدعة.

التوسل بالصالحين ودعائهم وأمثلته من السنة

يشرح مفهوم التوسل بالصالحين ودعائهم ويستدل على جوازه من خلال أمثلة من السنة النبوية وعهد الصحابة، مثل استسقاء النبي يزيد بن الأسود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب لا يستشفع بالله على خلقه. قال عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: جاء عرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاء العيال، هلكت الأموال، فاستسقي لنا ربك، فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: سبحان الله، سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ويحك، تدري من الله؟ إن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه. وذكر الحديث، رواه أبو داود. هذا الحديث لا يصح، تفرد به بالرواية عبد الله باللهيعة، وهو ضعيف. وأما الباب، فقوله: لا يستشفعوا بالله على خلقه، فهذا معنى صحيح. ومعنى الحديث أيضا معناه صحيح، لا يستشفعوا بالله على خلقه. ومعنى لا يستشفعوا أي لا يدخل الله عز وجل واسطة على خلقه، لأن الله عز وجل بيده الأمر، بيده الأمر كله، فلا يحتاج أن ندخل الله عز وجل. ولهذا جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سبح، كما قلنا أنه ضعيف، لكن معناه صحيح. لماذا؟ لأن الله عز وجل بيده الأمور أصلا، فإذا قضى أمرا يقول له: كن فيكون، ما يحتاج لأن يدخل واسطة أو أن يدخله واسطة على خلقه، فشأن الله أعظم من هذا. فلهذا قال هذا الرجل: إنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، معناه نجعل الله عز وجل واسطة، كأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: معناه الحديث يقول الآن انقطعت السبل، ومعناه وجاع العيال ونهكت الأنفس وهلكت الأموال، فادع الله لنا أو فاستسقي لنا. ثم قال: فإنا نستشفع بالله عليك، معناه نجعل الله عز وجل واسطة إليك، كأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن ندعو الله عز وجل أن نجعله واسطة إليك. كيف واسطة إليك؟ مثلا الإنسان الآن إذا أراد مثلا من مسؤول أو كذا أمر يذهب إلى إنسان يعرفه، يذهب إلى إنسان يعرفه حتى يتوسط له. فالآن كأن هذا الرجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نتوسط بالله عز وجل عليك. وهذا غير صحيح، لأن الله عز وجل بيده الأمور، ما يحتاج إلى أنه يتوسط. وإنما يتوسط من ليس بيده الأمر. الآن مثلا على سبيل المثال، كما قلنا حتى يتضح الكلام، لو أنه مثلا مسؤول عنده شيء من الأمور، والآن مثلا أحدنا يريد مصلحة له عند هذا المسؤول، فهل مثلا يأتي بإنسان أعلى منه في نفس المقام معنا يستطيع أن يتصرف أكثر من هذا فيدخله واسطة على هذا؟ لا، ما يصير. معناه إذا كان ستدخل ذاك واسطة، خلاص يطلب منه، لأنه أيضا عنده المسؤولية وعنده الأمر أكثر من هذا الذي تريد. فهذا معنى الكلام، ولله عز وجل مثلا، فربنا جل وعلا ما يحتاج إلى أننا نجعل نجعله واسطة لأحد، لأن الأمر بيده، نطلبه منه أي أمر نطلبه منه، ما نحتاج أن نجعله واسطة. فلهذا قال: لا يستشفع بالله على خلقه، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن نجعل الله عز وجل واسطة بيننا وبين أحد من خلقه. وإنما العكس ممكن تجعل واسطة الخلق، مثلا أحد الخلق بيننا وبين الله في أمور شرعية. ليس على إطلاقه، ليس على إطلاقه، لأن الله عز وجل فصل في بعض الواسطات، أنه نفاها. مثلا قولنا عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، لا تجعل واسطة في الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل. وأيضا كذلك، وقال ربكم: ﴿دَعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فالله عز وجل في الدعاء والاستغاثة والاستعانة وكذا ما جعل الواسطة. ولهذا قال الشيخ: من جعل بين الله وبين خلقه وسائط يدعوهم ويستغيث بهم، فهو مشرك، فهو كافر بإجماع العلماء. الذي يفعل مثل هذا الفعل يجعل واسطة يدعوهم ويستغيث بهم، هذا يعتبر كافر، مثل ما يعتقد بعض القبورية يأتي إلى القبر ويقول: يا فلان، إني أستغيث بك وأفرج عني، وكذا من هذا القبيل. فهؤلاء الذين يعرفون الأدلة، مثلا سواء كانوا قالوها أو غيرهم، قالوا: هذا من باب التوسل. كيف من باب التوسل؟ قالوا: هذا التوسل الآن الإنسان لما يدعو الميت أصلا يعرف أن الميت ما سينفعه، وإنما يدعو الميت لأجل أن الميت يدعو الله. هذا يسمونه المجاز العقلي، سموه المجاز العقلي. فمعنى أن المجاز العقلي معنى الشيء ليس بظاهر، وإنما هو موجود في الذهن. الآن لما يدعو مثلا يقول: يا عيد روس، مدد، يا فلان، مدد. فهذا المدد الذي يطلبه من غير الله عز وجل، هم يقولون: هو ما يطلبه من غير الله، وإنما يريد أن هذا المقبور يدعو الله عز وجل له. طيب ليش هكذا يقول: يا فلان، أغثني، يا فلان؟ ويقول: وهذا التبرير يقولون: لا، هو ما يريد أنه يغيثه، وإنما يريد أن يدعو الله حتى يغيثه. فهذا مجاز عقلي كما يقولون. والقبورية لم يوفقهم الله عز وجل حتى في الألفاظ اللغوية، تجد عندما تقرأ كتب القبورية في مثل هذا الباب في مسألة التوسل والاستغاثة، تجد أنهم يخلطون بين الاستغاثة والتوسل، فيجعلون الاستغاثة نوع من أنواع التوسل. وهذا باطل، لا يوجد لا في لغة ولا في شرع. فالاستغاثة ليس التوسل، التوسل هو تجعل واسطة بينك وبين شخص آخر، هذا التوسل، وسيلة. لكن هذا مباشرة تدعوه، هذا ما هو وسيلة ولا توسل. مثلا إنسان غارق في البحر يقول: يا عيد الروس، يا فلان، يا كذا، يدعو مثلا مثل أهل مصر يدعون: يا البدوي، يا حسين. الشيعة، الآن يستغيث بميت، يستغيث بمقبور. فهذه الاستغاثة الآن، هل معنى ذلك أنه يريده أن يدعو له الله؟ هذا بعيد جدا. فهذه الاستغاثة ليس التوسل، التوسل تجعل واسطة بينك وبين فهم. خلطوا بين الاستغاثة والتوسل. حتى مرة قيل لأحدهم: طيب عرف الاستغاثة؟ قال: الاستغاثة هو الطلب من الغوث. أنا شوف عادهم يضبطون الألفاظ. قال: طلب من الغوث إلى الغيات، هذا غوث وذا غيات، مع أن الكلمة واحدة، الغوث والغيات واحدة. لكن هم الآن يريدون أن يبينوا أن هؤلاء الذين يدعون غير الله هم ما يريدون دعوتهم، ما يريدون التوسل. فيقولون: هو طلب من الغوث إلى الغيات. لكن في الحقيقة غير صحيح، هو الآن يطلب من هذا، ما يطلب منه أنه يدعو إلى الله عز وجل. حتى لو قلنا مثلا ما في قلنا: لا، سلمنا لكم أنه توسل. طيب الآن كيف يدعو إنسان مثلا غائب؟ الآن إنسان غارق في البحر يقول: يا عيد روس، يا محضار، يا كذا. واش دخل هؤلاء؟ كيف يسمعون لهذا؟ فهذا حتى وإن كان توسل، فهو شرك في الربوبية. لماذا؟ لأنه الآن يدعي أن هؤلاء يسمعونه في كل مكان. وهذا معناه أنه أعطاهم فعل الله عز وجل، هذا الأمر لا يكون إلا لله، هذا مختص به الرب جل وعلا، أنه يسمع الأصوات في أي مكان. فهذا الآن يجعل هذا الولي يسمع الأصوات في كل مكان، وإيضا كذلك يجعل له سمع كسمع الله، أعطاه صفة الله عز وجل. وهذا يعتبر شرك فيه في الربوبية والأسماء وصفات. لكن لو مثلا جاء إلى القبر وقال: يا فلان، ادعو الله لي. هذه المسألة محلا خلاف بين العلماء، هل هذا يشرك أو توسل؟ لأن كثيرا من هؤلاء، بل هي مسألة كما ذكرناها قبل مختلف فيها. هل صاحب القبر يسمع الذي يتحدث إليه؟ هل يسمع أو لا يسمع؟ على مثل إنسان يأتي إلى صاحب قبر يقول: يا فلان، كذا وكذا، يكلم. هل يسمع صاحب القبر أو لا يسمع؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يسمع. وما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لأهل بدر: ﴿إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ﴾، إنما أسمعهم الله عز وجل، كما قال قتادة: ليوبخهم، أسمعهم الله عز وجل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم الآن ليسمعون»، ولا دليل على أن الميت يسمع مطلقا، ليس هناك دليل. وإن كان بعض العلماء يقول هذا الكلام، لكنه قول غير صحيح. وإنما يسمع ما جاءت به الدلة، مثل السلام، مثل أيضا قرع النعال عندما يولي الناس، مثل هذه الأشياء جاءت بها الدلة نؤمن بها. أما أننا نقول: أنه يسمع مطلقا، فهذا يحتاج إلى دليل. بل لا دليل تدل على خلاف هذا. إنك لا تسمع الموت، هذا أصل. هم يقولون: لا، هذا مثال ضربه الله عز وجل لمن لا يسمع، لمن لا يسمع صوت غيره. فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، أي الذي قلبه ميت. أنك لا تسمعه. طيب الآن هذا مثال ضربه الله عز وجل. فالذي يضرب عليه المثال يكون أقوى منه، معنا المشبه به يكون أقوى من المشبه. فالآن مثلا لو قلنا: أن المراد هذا موت القلب، الذي يموت قلبه هذا لا يسمع، ولا يتعظ بما تقول. فمن باب أولى ما ضرب له المثال، وهو الميت. فالله عز وجل لما ضرب هذا المثال ضربه على الميت. فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، لأن الميت لا يسمع أصلا، الميت لا يسمع. فلهذا فالتوسل بالمخلوقات يكون في أشياء أجازها الشرع، مثل مثلا الدعاء الصالحين، هذا جاء به الشرع. مثل التوسل بالأعمال الصالحة، هذا جاء به الشرع. وهكذا. وأما التوسل بالذات، والتوسل بالجاه، والتوسل بالحق، فهذا ما نقول: أنه شرك، ما نقول: أنه شرك. وإن كان بعض العلماء أخطأ، فقال: شرك، هذا ليس بشرك، فهو بدعة. إنما هو بدعة. لماذا؟ لأنه لم يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن السلف. ما جاء عن أحد من الصحابة أنه قال: بحق النبي كذا وكذا، أو بجاه النبي كذا وكذا. نحن نؤمن بأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزلته عند الله عز وجل عظيمة. لكن هذا اللفظ لم يأتي في الشرع، لم يأتي عن أحد من الصحابة، ولا عن غيرهم، أنهم كانوا يقولون: بجاه النبي، هذه الكلمات متأخرة. إلا متأخرة، بعد ما ظهر هؤلاء المبتدعة. وإلا ما كان أحد يتلفظ مثل هذه الألفاظ. إذا توسلوا، توسلوا بالدعاء، بالإيمان، توسلوا بالعمل الصالح، كما جاء في الأحاديث. أما أنهم يتوسلون بذات النبي صلى الله عليه وسلم، أو بحقه أو بجاه، فهذا لم يثبت شيء فيه. طيب فهنا الآن الاستشفاع بالله عز وجل على خلقه، لا يجوز، لا يجوز أن يجعل العبد ربه جل وعلا واسطة بينه وبين خلقه. لأن الله عز وجل على كل شيء قدير، ما يتعاظمه شيء، ولا أيضا يستحيل عليه شيء جل وعلا، فهو على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء. فإذا أراد الإنسان شيء يطلبه من الله، كيف يجعله واسطة بينه وبين الخلق؟ يطلبه من الله، لأن الله عز وجل بيده الأمور. فهذا معنى هذا الباب، قال فيه مسائل: الأولى إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك. وهذا أيضا يدخل فيه أن العبد يستنقص عظمة الله، معنى هذا كما تقدم معنا في السبق الذي قبله. فيه أن العبد يتنقص الله عز وجل في عظمته. وإن كان هذا الأصل أنه كفر، لكن غالبا العبد يفعل هذا وهو لا يعتقد هذا، ولا يريد، ولا يتعمد أنه يستنقص في عظمة الله. لكن يظن أن هذا صحيح، وهو ليس صحيحا، لأن هذا فيه استنقاص من عظمة الله عز وجل. أمعنا عدم فيه، أو سوء الأدب مع الله؟ ممكن تقول هكذا: سوء أدب مع الله، لأن الله عز وجل مقامه عظيم، فكيف يستشفع به إلى خلقه؟ الثاني: تغير عرف في وجه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الكلمة، أي النبي صلى الله عليه وسلم غضب. لماذا؟ لأنه لأن هذه الكلمة منكرة، كيف يستشفع بالله؟ لكن كما قلنا: الحديث لا يصح. الثالث: أنه لم ينكر عليه قول: نستشفع بك على الله، هذا صحيح. نستشفع بك، نجعلك واسطة بيننا وبين الله، أنك تدعو لنا، تدعو لنا أن الله عز وجل ينزل علينا المطر، ينزل علينا الغيث. فنحن نستشفع بك في هذا، فلم ينكر عليه هذه اللفظة، تدل على جواز التوسل لله عز وجل بالدعاء، بدعاء الصالحين. وأيضا يتوسل بأعمالهم الصالحة، يتوسل مثلا بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام، بالإيمان به، هكذا. الرابع: التنبيه على تفسير: سبحان الله. لو قال قائل: ما الفرق بين أن نتوسل بالإيمان بالله، أو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ومحبته؟ وبين أن نتوسل بحقه وجاهه؟ ما الفرق بين هذا وهذا؟ لو قال مثلا قائل: ما الفرق بين التوسل بالإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام ومحبته؟ وبين التوسل مثلا بإجاهه وبحقه؟ نحن قلنا الآن: هذا بإجاهه وحقه غير مشروع. توسل بالإيمان والمحبته، بالإيمان، أيوه، توسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بعباده، ليس بذات النبي، بذات النبي، وجهه، بفتنة. معنى أنه لفظ غير شرعي. لكن هذه ألفاظ شرعية، جاءت بها الأدلة. أننا نتوسل بالإيمان بالرسول الله، نتوسل بمحبته، نتوسل بالأعمال الصالحة، هذا جاء في الشرع. لكن التوسل بحق النبي، بجاه، بكذا، هذا لم يأت به الشرع. فلهذا قال العلماء: أنه بدعة. لكن هل هو شرك؟ لا، ليس بشرك، ليس بشرك. ومن قال: أنه شرك، فقد أخطأ. أن المسلمين يسألون الله عز وجل، إذا أخطأ، إذا أرادوا أن يستسقوا، يسألون الله، أو يطلبون من الرجل الصالح أن يدعو الله. وقد كان السلف يفعلون هذا، بل النبي صلى الله عليه وسلم كان مثل ما جاء في الصحيحين، في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب، فدخل رجل عرابي، وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وهلكت الأنفس، وجاع العيال. فدعو الله عز وجل أن يستسقي لنا، أو أن يسقينا. فدعو الله عز وجل أن يسقينا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس: فما نزلنا إلا وقد جاءت السحب. وإن كان ليس في السماء قزعة، معنى يقول: لما كنا نصلي الجمعة، ما في سحب أبدا، حتى القزعة، هذه السحب التي تأتي وتجمع وهي بعيدة، ما في. معنى السماء صافية. لما خرجنا من الجمعة، لذا السماء ملبدة بالغيوم وتمطر. قال: فجلسنا حتى الجمعة الأخرى، فجاء رجل أعرابي، هو أو غيره، أنا أشك: هل هو نفسه أو واحد آخر، أو أنه الشك من بعض الرواة. المهم أنه جاء رجل آخر، وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، معنى تقطعت السبل. معنى أمطار سبوع كامل، أمطار وخربت في البيوت. فدعو الله عز وجل أن يزيلها عنا. فقال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم في الضراب ومنابت الشجر وكذا». فتحولت بعد ذلك الأمطار من المدينة. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا دعا، وتوسل الصحابة بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. ولما جاء في عهد عمر، كان يتوسلون بدعاء العباس، فقال عمر: إنا كنا نتوسل بنبيك صلى الله عليه وسلم، وإن الآن نتوسل بعم نبيه. ما قال مثلا: نذهب إلى القبر أو نتوسل به وهو ميت، لا. قالوا: الآن نتوسل بعم نبيه. فلو كان جائز مثلا يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبره، لا. قال عمر: أننا نتوسل بالنبي، ما في داعي نأتي بغيره. لكن قال: نحن نتوسل بعم نبيه. قم يا عباس، أنا قم فدعه لنا، حتى نتوسل بهذا الدعاء. أولا لصلاح العباس رضي الله عنه، وكذلك لقربه من النبي عليه الصلاة والسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه كثيرا، يحب العباس كثيرا. حتى أنه لما جاء الأنصار في العقبة، كان العباس كافر، كان كافر معنا قبل أن يسلم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعله معه، وهذا يدل على محبة العباس للنبي عليه الصلاة والسلام. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطمئن له، وإلا فهو كان كافر. وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله يأتي معه ويحضر، كان هذا الأمر سري، الأنصار الذين كانوا معهم معنا جاءوا من أصحابهم. ما جعلهم يعرفون أنهم التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. فالمهم أن العباس قال عمر: إن كنا نتوسل إليك بنبينا، فسقنا. نحن الآن نتوسل بعم نبيك. فقال: قم يا عباس. وجاء في رواية في غير الصحيح: أنه دعا. وأيضا جاء في عند ابن عساكر وغيره: أن معاوية رضي الله عنه أيضا لما قحط الناس، جمع أهل الشام، وقال: أين يزيد بن الأسود؟ أنا لما جمعوا، أراد أن يصلي الاستسقاء، وصلى الاستسقاء. ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد بن الأسود، فقال: تعال يا بكاء، وادع لنا. أنا يزيد بن الأسود معروف، كان رجل عابد ومن العلماء. فقال له: تعالوا ادعوا. فدعا يزيد بن الأسود، فأمطروا. طيب فهذا التوسل الجائز الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.