الدرس في شرح العقيدة الواسطية 70، ألقاها
أهل السنة والجماعة يؤمنون بالأحاديث الواردة عن الصفات كما يؤمنون بالقرآن، ويعتبرون أنفسهم وسطًا بين فرق الأمة في مسائل الإيمان. هم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله.
أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية والوسط بين فرق الضلال، وذلك لتمسكهم بالمنهج الصحيح. الأمة الإسلامية أيضًا وسط بين الأمم السابقة في تعاملها مع الأنبياء.
أهل السنة وسط بين المبتدعة في باب الصفات وأفعال العباد، ينزهون الله ويؤمنون بخلق الله للعباد وأفعالهم. الآية ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ توضح خلق الله للعباد وأفعالهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إلى أمثال هذه الأحديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. قال الشارح رحمه الله: قوله «إلى أمثال هذه الأحاديث» إلى آخره، لما كان ما ذكره المؤلف من الأحاديث ليس هو كل ما ورد في باب الصفات من الأخبار، نبه على أن أمثال هذه الأحاديث التي ذكرها مما يخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن حكمه كذلك، وهو وجوب الإيمان بما يتضمنه من أسماء الله وصفاته. ثم عاد فأكد معتقد أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يؤمنون بما ورد به السنة الصحيحة من صفات، كإيمانهم بما أخبر الله في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال: «بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم»، سيدنا بيان الشيخ رحمه الله تعالى لهذا المعنى، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج». قال الشارح رحمه الله: «ثم أخبر عن أهل السنة والجماعة بأنهم وسط بين فرق الضلال والزيغ من هذه الأمة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم السابقة»، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، ومعنى «وسطا» عدولا خيارا، كما ورد في الحديث. قال: «فالأمة التي هي أمة الإسلام وسط بين الأمم، وسيأتي بيان وسطيتها بين الأمم في كلام الشارح، إشارات إلى ذلك، وكذلك الفرقة الناجية وسط بين فرق الضلال في هذه الأمة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وسيأتي لهذا مزيد بيان». فالحاصل أن الفرقة الناجية وسط، وأن الأمة وسط، وأهل السنة والجماعة حقيقة هم الذين يمثلون الإسلام الوسط الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم هم الآخذون بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان. قال رحمه الله: «فهذه الأمة وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك»، فمن الأمم من غلا في المخلوقين وجعل لهم من صفات الخالق وحقوقه ما جعل، كالنصارى الذين غلوا في المسيح والرهبان، ومنهم من جفى الأنبياء وأتباعهم حتى قتلهم ورد دعوتهم، كاليهود الذين قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل المسيح ورموه بالبهتان. وأما هذه الأمة فقد آمنت بكل رسول أرسله الله واعتقدت رسالتهم وعرفت لهم مقاماتهم الرفيعة التي فضلهم الله بها، ولكنهم لم يغلوا فيهم، بل وضعوهم في منازلهم التي أنزلهم الله عز وجل إياها. قال رحمه الله: «ومن الأمم أيضا من استحلت كل خبيث وطيب، ومنهم من حرم الطيبات غلوا ومجاوزة، وأما هذه الأمة فقد أحل الله لها طيبات وحرم عليها الخبائث»، فأكلوا الطيبات التي أحلها الله لهم واجتنبوا الخبائث التي نهاهم الله عز وجل عنها. قال رحمه الله: «فكذلك أهل السنة والجماعة متوسطون بين فرق الأمم المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم»، فهم وسط في باب الصفات بين من ينفيها ويعطل الذات العلية عنها، وبين أهل التمثيل المتشبهة الذين شبهوا الله بخلقه ومثلوه بعباده. قال: «فأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء الجهمية النفاة وبين أهل التمثيل المتشبهة»، فنزهوا الله عما يستحق التنزيه، وأثبتوا لله جل وعلا ما أثبته الله جل وعلا لنفسه على الوجه اللائق بالله جل وعلا، فكان إثباتهم من غير تمثيل، وتنزيههم تنزيها من غير تعطيل. قال العلامة محمد بن عبد العزيز بن مانع في تعليقه على هذه العبارة: «اعلم أن الناس اختلفوا في أفعال العباد هل هي مقدورة للرب أم لا»، فقال جهم واتباعه وهم الجبرية: إن ذلك الفعل مقدور للرب لا للعبد، وكذلك قال الأشعري واتباعه: إن المؤثر في المقدور قدرة الرب دون قدرة العبد. وقال جمهور المعتزلة وهم القدرية: إن الرب لا يقدر على عين مقدور العبد، واختلفوا هل يقدر على مثل مقدوره، فأثبته البصريون، ونفاه الكعبيون. قال أهل الحق: «أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة وهي مخلوقة لله تعالى، والحق سبحانه منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه»، فالجبرية غلوا في إثبات القدر فنفوا فعل العبد أصلا، والمعتزلة نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله. قال: «والله خالقهم وخالق أفعالهم كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾»، وما ها هنا إما أن تكون مصدرية فيكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، وإما أن تكون ما موصولة ويكون التقدير: والله خلقكم والذي تعملونه. والله أعلى وأعلم.