الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع نشأة الإمام ابن أبي داود العلمية ورحلاته في طلب الحديث مع شدة فقره وعظيم همته في الكتابة. كما يذكر شيوخه وتلاميذه الكبار وأهمية قراءة سير العلماء لتحفيز الهمم.
يستعرض المقطع مكانة ابن أبي داود العالية من خلال ثناء الأئمة كابن القيم والدارقطني والذهبي والخطيب البغدادي. ثم يعرّف بمنظومته الحائية في العقيدة مبيناً سبب نظمها واسمها وعدد أبياتها وثبوت نسبتها إليه بالتواتر.
يتناول المقطع أسانيد حائية ابن أبي داود وشروحاتها القديمة والمعاصرة مع عناية العلماء بها لاشتمالها على عقيدة أهل السنة. كما يوضح فضل النظم في تسهيل الحفظ والفهم ويستعرض نصوصاً من المنظومة في أصول العقيدة ومنهج السلف.
يعلن المحاضر انتهاءه من شرح أول أبيات المنظومة ويختم المجلس بالدعاء والتسليم لله. ثم يوجه الشكر للمشاهدين على متابعتهم وحضورهم.
اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة. حائية ابن أبي داود، وهي أبيات قليلة لكنها حوت جل عقيدة أهل السنة والجماعة، فأحببنا أن نتدارسها في هذا الوقت، ولله الحمد والمنة. فإن هذه المنظومة -كما سيأتي في معلومات عامة عنها- قد اعتنى العلماء بشرحها، وطُبعت من الشروحات شروحات كثيرة، فإِن شاء الله نأخذ ما نراه مهماً من فوائد العلماء في شرحهم لهذه المنظومة. وقبل الشروع في هذه المنظومة أحببت أن أذكر ترجمة مختصرة لمؤلف هذه المنظومة، وهو ابن أبي داود. وابن أبي داود كنيته أبو بكر، واسمه عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، المعروف بابن أبي داود، وهو ابن الإمام المشهور صاحب السنن، سنن أبي داود. فهذا ابنه عبد الله بن سليمان، أبو داود اسمه سليمان بن الأشعث، وهذا اسمه عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن الأشعث. وُلد سنة ثلاثين ومئتين من الهجرة، يعني في القرن الثالث من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وُلد في بلده سجستان. وأبوه اعتنى به عناية فائقة، فرحل به بلاداً كثيرة يكتب الحديث لدى الشيوخ، فرحل به والده إلى بلاد كثيرة شرقاً وغرباً، وأسمعه من علماء ذلك الوقت، فسمع من علماء خراسان وأصبهان ونيسابور والبصرة وبغداد والكوفة، بل ومكة والمدينة والشام ومصر والجزيرة، حتى استوطن في بغداد رحمه الله تعالى، وانتهت إليه إمامة الحنابلة رحمه الله تعالى. وكان ابن أبي داود ذا همة عالية لطلب العلم، ولذلك بلغ هذه المنزلة، فمنذ صغره وهو في التحصيل والطلب، منذ نعومة أظفاره، لأنه نشأ من بيت علم، أبوه من المحدثين، فمنذ نعومة أظفاره وهو مشتغل بالعلم والطلب والتحصيل. ومما يدل على علو همته في طلب العلم ما رواه عنه تلميذه أبو حفص عمر بن شاهين، وهو من أبرز تلاميذ ابن أبي داود. يقول ابن شاهين رحمه الله: سمعت أبا بكر ابن أبي داود يقول: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، وهذا فيه أن المحدثين كانوا فقراء، وعانوا من أجل طلب العلم معاناة شديدة، معاناة شديدة. وصدق شعبة إذ يقول: «من طلب الحديث أفلس، من طلب الحديث أفلس»، لأن العلماء همهم وغايتهم جمع الحديث وكتابة الحديث. فيقول ابن أبي داود: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد، قال: فاشتريت به ثلاثين مداً بقلاً. الله ما هي البقل؟ الله ما تسمى اليوم بماذا؟ يا قناة آدم، البقل ما هي البقل؟ عند من بقل؟ بقل، بقل، البقل هي الفاصولية، يعني ما يقال له الآن الفاصولية، سُمّي بقلاً. فقال: اشتريت به ثلاثين مداً بقلاً، فكنت آكل منه مداً وأكتب عن أبي سعيد وعثمان ألف حديث كل يوم. يأكل مداً، المد هو ملء الكفين، ملء الكفين، كفيّن يسمى مداً، يسمى مداً، وصاع أربعة أمداد. فكان كل يوم يأكل مداً ويكتب ألف حديث. قال: فلما كان الشهر، يعني انتهى الشهر، حصل لي ثلاثون ألف حديث، ثلاثون ألف حديث ما بين منقطع ومرسل. ومعنى ما بين منقطع ومرسل: لأن أهل الحديث يجمعون جميع الأحاديث المروية، فيميزون بين صحيحها من ضعيفها، فيحفظون الصحيح والضعيف، لأن المرسل والمنقطع من قسم الحديث الضعيف. صح، حتى إذا حدث أحد بهذا الحديث في مقام الاستدلال، قالوا له: هذا الحديث لا يصح. فهم يميزون، لذلك الأئمة الكبار يسألون عن بعض الأحاديث، يقولون: هذا مرسل، هذا منقطع، هذا ضعيف، هذا صحيح. كيف يعرفون هذا؟ بسبب حفظهم لطرق هذا الحديث، وهل رواته متقنون ثقات أو غير ذلك. فكان التدوين والتمييز يكون بالحفظ، لا كيومنا هذا يكون بالكتابة والاعتماد على كتب المحققين من المحدثين، بل كانوا يحفظون ربما آلاف الأحاديث، آلاف الأحاديث، بل ملايين الأحاديث بين صحيح وضعيف، فإذا سئلوا ميزوا، لأنهم يعلمون أن هذا الحديث من طريق فلان وهو ضعيف، ولم يرد هذا الحديث إلا من هذا الطريق ومن هذا الوجه، فيحكمون عليه بالضعف. واضح. فمعنى قوله: حصل معي ثلاثون ألف حديث ما بين منقطع ومرسل، يعني أنه كان يحفظ من الأحاديث كي يميز بين صحيحها من ضعيفها، وهذا يدل على علو همته. وهكذا مما يدل على علو همته في طلب العلم. ونحن نذكر هذه التراجم، والتراجم مهمة جداً لطلاب العلم، إذ أنها من أعظم أسباب نشاطهم، وكذلك علو همتهم. فالعلماء ينصحون بالقراءة، قراءة طالب العلم في تراجم العلماء وما لاقوا من أجل هذا العلم. أنت ما وصل بك الحد إلى أن تشرب بولك من الجوع والظمأ، ما وصل بك الحال إلى أن تربط الحجارة على بطنك. فأحمد الله إن يوماً قل عليك الطعام، بدل ما تأكل خبزتين أكلت خبزة واحدة، نعمة، الحمد لله. من أجل طلب العلم، يوم رزحاف ويوم عسمك، نعمة، الحمد لله. أنت تأكل وتشرب، لكن أنت في غاية عظيمة، في غاية عظيمة، وفي طريق عظيم وهو طريق الجنة، فتصبر وتحتسب، وتتذكر ما كان عليه العلماء. هذا يأكل في اليوم مد بقل فقط، ما شيء خبز ولا شيء، في اليوم مد بقل، ما شاء الله، وحفظ هذه الأحاديث، وصار إماماً، انتفع الناس بعلمه. أبو هريرة كان يصرع بسبب الجوع، يصرع من شدة الجوع، لكنه أبو هريرة، حافظة الصحابة رضي الله تعالى عنه، وأكثر الصحابة جمعاً لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. فالقراءة في كتب العلماء وتراجم العلماء مما يشحذ الهمم، ومما كذلك يقوي العزيمة في طلب العلم. ومما يدل على علو همة ابن أبي داود قوله: حدثت من حفظي في أصبهان بستة وثلاثين ألف حديث. انظر، ستة وثلاثين ألف حديث، قال: ألزموني فيها سبعة أحاديث، فلما انصرفت وجدت في كتاب خمسة منها على ما كنت حدثتهم به. بمعنى أنه كان حافظاً رحمه الله تعالى، ولا يعتمد على الكتاب فحسب. وابن أبي داود يعد من الأئمة، ولذلك ذكروا له في ترجمته مشايخ كثر، بل ومن مشايخه أئمة أعلام. فمن مشايخ ابن أبي داود: إسحاق بن منصور الملقب بالكوسج، وهو من رجال البخاري، وهكذا محمد بن يحيى الذهلي، وهكذا محمد بن بشار الملقب ببندار، وهكذا محمد بن المثنى، ويعقوب الدورقي، وغيرهم من الأئمة. ومن أبرز هؤلاء الأئمة الذي أخذ عنهم أبوه الإمام المعروف أبو داود رحمه الله تعالى صاحب السنن. وهكذا له تلاميذ كثر، فمن تلاميذه الإمام الحاكم صاحب المستدرك، فهو من تلاميذ ابن أبي داود، وهكذا الدارقطني من تلاميذ ابن أبي داود، وهكذا أبو حفص عمر بن شاهين، فهو من أبرز تلاميذه، وينقل عنه كثيراً، متأثراً به كثيراً، وغيرهم من التلاميذ. وابن أبي داود على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأثنى عليه العلماء ثناءً عطراً رحمه الله تعالى، ومما يدل على ذلك هذه الحائية التي سندرسها إن شاء الله تعالى. ومما جاء من ثناء العلماء على هذا الإمام ما ذكره ابن القيم في نونيته، قال ابن القيم في نونيته: «وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى». من يريد الإمام ابن أبي داود، سماه إمام ابن الإمام، من يريد الإمام الثاني، أبوه أبو داود، فقال: «وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى حقاً، أبـي داود ذي العرفان، تصنيفه نظماً ونثراً واضحاً في السنة المثلى، هما نجمان». ويريد بالنظم هذه الحائية، هذه الحائية. ومما جاء في ثناء العلماء على ابن أبي داود ما ذكره تلميذه الدارقطني، قال: سألت أبا عبد الرحمن السلمي -يقول سألت الدارقطني عن أبي بكر ابن أبي داود- فقال: ثقة، ووصفه بأنه من الثقات، والدارقطني يعد من أئمة علماء الجرح والتعديل. وهكذا قال الحافظ أبو محمد الخلال: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق، إمام أهل العراق، وقد نصب له السلطان المنبر، وما كان في وقته بالعراق أسند منه، ولم يبلغ في الآلة والإتقان ما بلغ هو، فانتهت إليه الإمامة في عصره ووقته رحمه الله تعالى. وقال الخطيب البغدادي في الثناء على ابن أبي داود: كان فقيهاً عالماً حافظاً، وصفه بهذه الأوصاف الثلاثة. وقال ابن خلكان: كان أبو بكر بن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد، عالماً متفقهاً إماماً. وقال الذهبي في السير: وكان من بحور العلم، بحيث إن بعضهم فضله على أبيه. انظر، هكذا يقول الإمام الذهبي، بعض الأئمة فضل الابن على الأب مع علو منزلة أبيه وهو صاحب السنن. وقال الذهبي أيضاً: كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين، ما هو بدون أبيه، يعني ليس هو أقل من أبيه، ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، انتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد. وقال الذهبي أيضاً: والرجل من كبار علماء المسلمين، ومن أوثق الحفاظ. لا شك أن هذه كلمات جليلة وعظيمة في الثناء على هذا العالم الجليل. وقال السبكي عن ابن أبي داود: قال الحافظ ابن الحافظ، أحد الأجل، الحافظ ابن الحافظ يعني ابن أبي داود. وقال الذهبي: كان فقيهاً عالماً حافظاً، وغير ذلك، وإنما أردنا في ذلك الاختصار. ومما يدل على حفظه وإتقانه وعلمه وإمامته التصانيف التي صنفها، فله تصانيف عدة ومؤلفات كثيرة، منها كتاب المسند، ومنها كتاب الناسخ والمنسوخ، ومنها كتاب التفسير، ومنها كتاب القراءات، وغيرها من الكتب. وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة، وخلف ثمانية أولاد. فهذه ترجمة موجزة عن هذا الإمام مصنف هذه الحائية. ثم ننتقل إلى معلومات عامة عن هذه المنظومة، فهي قصيدة في العقيدة وأصول الدين. هذه المنظومة في العقيدة وأصول الدين، وبين فيها المؤلف عقيدته وما يدين الله عز وجل به. قد يقول قائل: وما هو الداعي إلى أن يبين عقيدته؟ فالجواب: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا في عافية من الفتن والأهواء والضلالات، فلم يوجد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام من يظهر عقيدة تخالف عقيدة أهل الإسلام. فلما ظهرت البدع والفرق الضالة، بل وربما في بعض الأزمان صار لها دعاة وأنصار، بل ودول تدافع عنها، كبدعة خلق القرآن، وبدع الخوارج من التكفير ونحو ذلك، فاضطر العلماء إلى أن يبينوا للناس عقيدتهم، حتى لا يغتر بعض الجهال بهؤلاء المبتدعة. وهذا حاصل حتى في يومنا هذا، إذا جاءت فتنة قالوا: ما سمعنا موقفاً للعالم الفلاني، يحبون أن يعرفوا موقفه من هذه الفتنة، فيبين العالم موقفه من هذه الفتنة وما يدين الله عز وجل به. وهكذا كان العلماء عند ظهور البدع والعقائد الفاسدة يبينون معتقداتهم، لا سيما ربما إذا تُهم أحدهم بعقيدة لم يعتقدها ولم يدن الله عز وجل بها، فإنه يجب عليه والحال هذه أن يبين عقيدته. فقال العلماء: إن ابن أبي داود كتب هذه الأبيات ليبين عقيدته، ليبين عقيدته. بل اتهمه البعض أنه ينصب العداء لآل البيت، فبين فضل علي وذكره في هذه المنظومة كما سيأتي معنا، فأُسكِتت الأفواه، وكذلك عُلم موقف هذا الإمام من آل البيت بالتصريح بهذه العقيدة، بالتصريح بهذه العقيدة. وهذه المنظومة تسمى الحائية نسبة إلى آخر حرف منها، وما يسمى بحرف الروي، فحرف الروي في هذه المنظومة هو الحاء، فسميت هذه المنظومة بالحائية، فيقال لها الحائية نسبة إلى حرف الروي، ويقال لها القصيدة الحائية أو المنظومة الحائية أو حائية ابن أبي داود، كل هذه الأسماء نسبة إلى الحرف الأخير منها. وإن كان التعبير بالمنظومة أدق في المصطلح أو في دقة اللفظ من مصطلح القصيدة، لأن القصيدة في الغالب تطلق للشعر الأدبي ونحوه، أما الشعر في العلم فجرى علماء الصلاح أنهم يطلقون عليه لفظ المنظومة، لفظ المنظومة. وهذا في كثير من المنظومات، فمثلا يقال: هذه المنظومة النونية، كنونية ابن القيم، أو الميمية كذلك لابن القيم، أو نحو ذلك. فالعلماء يذكرون هذه المنظومة بالحرف الأخير منها الذي يسمى الروي، هذا إذا كان كل أبياتها على حرف واحد، على حرف واحد. لكن إذا لم تكن على حرف واحد ما يسمونها بذلك، إنما يقولون مثلا ينسبونها إلى قائلها، مثل البيقونية، مثل السفارينية، مثل غيرها من المنظومات التي تنسب إلى قائلها. أكثر نسخ وروايات هذه المنظومة أنها تقع في ثلاثة وثلاثين بيتاً فقط، هذه أكثر النسخ، أن هذه المنظومة تقع في ثلاث وثلاثين بيتاً، لا تزيد على ذلك، وكثير من الشراح اعتمد هذه الروايات والنسخ لأنها الأكثر وهي الأصوب والله أعلم. وجاءت رواية ثانية أنها ستة وثلاثون بيتاً، لكن قالوا: ثلاث أبيات زادها أحد طلابه، وليست هي من زيادة ابن أبي داود. والرواية الثالثة أنها تقع في أربعين بيتاً، والزيادة كذلك من بعض الرواة، وهذه الزيادة بعد الأبيات المتعلقة بالعشر المبشرين بالجنة، بالعشر المبشرين بالجنة. فهذه القصيدة في أكثر النسخ، أو هذه المنظومة في أكثر النسخ تقع في ثلاث وثلاثين بيتاً لا غير. وأما نسبتها إلى المصنف فقد أثبتها له جماعة من المترجمين الذين ترجموا له، فتكاد أن تكون متواترة عنه هذه المنظومة، فذكرها أبو يعلى في طبقات الحنابلة ونسبها إليه، وذكرها الذهبي في السير بتمامها ونسبها كذلك إلى ابن أبي داود، بل قال الذهبي رحمه الله في كتاب العلو -لأن المؤلف ذكر عقيدة أهل السنة في العلو-: «وهذه القصيدة»، يقول الإمام الذهبي: «وهذه القصيدة متواترة عن ناظمها، رواها الآجري وصنف لها شرحاً، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة»، فتكاد أن تكون هذه المنظومة متواترة عن ناظمها. وقد رُويت هذه المنظومة بالأسانيد إلى ابن أبي داود، وقالها تلاميذه عن تلاميذهم إلى من صنف وكتب هذه القصيدة، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي في السير. وكما تقدم أن العلماء اعتنوا بشرح هذه القصيدة لأنها حوت مجمل معتقد أهل السنة والجماعة، فهذه المنظومة اعتنى العلماء بشرحها من عدد من العلماء قديماً وحديثاً، قديماً وحديثاً. فمن تلك الشروحات: شرح الآجري، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه السير، لكن هذا الشرح ليس بموجود. وشرحها ابن البناء الحنبلي، ذكر ذلك ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، وكذلك هذا الشرح ليس بموجود. وشرحها كذلك الإمام السفاريني، شرح هذه القصيدة، وشرحه مطبوع، سماه «لوائح الأنوار السنية»، لوائح الأنوار السنية، السنية يعني المضيئة، ولواقح الأفكار السنية يعني من السنة، شرح قصيدة أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية، وهذا مطبوع في مجلدين ومتداول في الأسواق، وإن كان في بعض الأخطاء التي نبه عليها بعض العلماء. وأيضاً من شروحات هذه القصيدة أو المنظومة شروحات العلماء المعاصرين، فقد جُمعت ثلاثة شروحات لهذه المنظومة في كتاب مجلد واحد: شرح للشيخ العلامة الفوزان، صالح الفوزان حفظه الله، وشرح أيضاً للشيخ سعيد بن وهف القحطاني المدخلي رحمه الله، وشرح أيضاً للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر حفظه الله. فهذه الشروحات موجودة في مجلد واحد يباع في المكاتب، وفيه من توضيح وكذلك تفكيك معاني هذه المنظومة، معاني هذه المنظومة. والعلماء يعتنون بالنظم في العلم لأن النظم أخف على النفس، أخف على النفس، وأسرع في الحفظ، وأبقى في الذاكرة، وهذا ما يسمى بالشعر التعليمي، فإن الشعر يكون على وزن، فربما يتغنى الطالب بهذه الأبيات فيحفظها، سرعان ما يحفظها، بخلاف المتون النثرية، فإنه يشق حفظها، صح، يشق حفظها لأنها نثر وسرد، بخلاف الشعر، وربما يمشي الشخص في طريقه ويعمل ويتغنى بهذه الأبيات، فيعني وجود ذلك من الوزن الشعري، ولسهولة ألفاظها سرعان ما تحفظ. فالعلماء اعتنوا بكتابة العلم بطريق النظم والشعر لأنه خف على النفس، وأسرع في الحفظ، وأبقى في الذاكرة، وأبقى في الذاكرة. وهذا كثير في متون بعض العلوم الشرعية، مثل هذه الحائية، مثل كذلك في علم العقيدة، كذلك سلم الوصول للشيخ حافظ حكمي، وهكذا في النحو مثلا الألفية، ألفية ابن مالك، يحفظها بعض الطلاب تضبط قواعد اللغة من نحوها وصرفها، وهكذا في المصطلح ألفية السيوطي. وأيضاً الأبيات التي سنتدارسها إن شاء الله بعد الأذان وهي البيقونية في علم المصطلح. فالعلماء كتبوا في العلم عن طريق النظم لأنه أسهل وأخف، أسهل وأخف. فإذا كان هذا الشعر على قافية واحدة على حرف روي واحد هذه تسمى منظومة، تسمى منظومة. وأما إذا كانت ليست على حرف واحد، بعضهم يسميها الأرجوزة، يسميها الأرجوزة، لأنها لا تتقيد بحرف روي واحد، كما تقدمت فيها البيقونية أو السفارينية أو نحوها مما لم يتقيد مؤلفوها بروي واحد، بروي واحد. هذا ما يمكن أن يقال في معلومات عامة عن هذه المنظومة، عن هذه المنظومة حائية ابن أبي داود. وإن شاء الله الآن نقرأ هذه القصيدة، حتى إذا حفظتموها تحفظونها بالنطق الصحيح، تحفظونها بالنطق الصحيح، ثم نشرع إن شاء الله في شرح أول أبياتها. نحن سنعتمد في شرحنا على ما جاء في أكثر النسخ، ثلاثة وثلاثين بيتاً، لا نزيد على ذلك، لأن هذا هو المعتمد في أكثر النسخ. فنقرأ ذلك إن شاء الله. قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى في منظومته المسماة بالحائية: تمسك بحبل الله واتبع الهدى *** ولا تقُ بدعاً لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التي *** أتت عن رسول الله تنجو وتربح وقل غير مخلوق كلام مليكنا *** بذلك دان الأتقياء وأفصح ولا تك في القرآن بالوقف قائلا *** كما قال أتباع لجهم وأسجح ولا تق للقرآن خلقاً قراءة *** فإن كلام الله باللفظ يوضح وقل يتجل الله للخلق جهرة *** كما البدر لا يخفى وربك أوضح وليس بمولود وليس بوالد *** وليس له شبه تعالى المسبح وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا *** بمصداق ما قلنا حديث مصرح رواه جرير عن مطر محمد *** فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه *** وكلت يديه بالفضائل تنفح وقل ينزل الجبار في كل ليلة *** بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله *** فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول ألا مستغفر يلقى غافرا *** ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم *** ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا وقل إن خير الناس بعد محمد *** وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح ثم عثمان الأرجح ورابعهم *** خير البرية بعدهم علي حليف الخير بالخير منجح وإنهم لرهط لا ريب فيهم *** على نجب الفردوس بالنور تسرح سعيد وسعد وابن عوف وطلحة *** وعامر فهر والزبير الممدح وقل خير قول في الصحابة كلهم *** ولا تقطع عرضاً تعيب وتجرح فقد نطق الوحي المبين بفضلهم *** وفي الفتح آيات في الصحابة تمدح وبالقدر خيره وشره أيقن *** فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيح هذا، بارك الله فيك، بناء على أن المنظومة أربعون بيتاً، نحن اعتمدنا على أن المنظومة ثلاثة وثلاثون بيتاً، لا تمسحه، ستجد هذا المتن في شرح الشيخ زيد صفحة سبعة وثمانية. نبهنا على هذا في معلومات عامة عن المنظومة، قلنا أكثر النسخ والروايات ثلاثة وثلاثون بيتاً، فنعتمد على ما جاء في أكثر النسخ، وهذا اعتمده كثير من الشراح. قال: ولا تنكرا جهلا نكيرا ومنكرا *** وللحوض والميزان إنك تنصح وقل يخرج الله العظيم بفضله *** من النار أجساداً من الفحم تطرح على النار في الفردوس تحيا بمائه *** كحب حُميل كحب حُميل السيل إذ جاء يطفح وإن رسول الله للخلق شافع *** وإن عذاب القبر بالحق موضح ولا تكفر أهل الصلاة وإن عصوا *** فكلهم يعصي وذو العرش يصفح ولا تعتقد رأي الخوارج إنه *** مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تق مرجئاً لعوباً بدينه *** ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية *** وفعل على قول النبي مصرح وينقص طوراً بالمعاصي وتارة *** بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح ودع عنك آراء الرجال وقولهم *** فقول رسول الله أولى وأشرح ولا تكُ من قوم تلهوا بدينهم *** فتطعن في أهل الحديث وتقدح إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه *** فأنت على خير تبيت وتصبح طيب، لعل الوقت قد جاء، فإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في شرح أول أبيات هذه المنظومة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.