الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشارح ببيان مطلع المنظومة الحائية لابن أبي داود داعياً إلى التمسك بحبل الله المتمثل في القرآن والسنة واتباع الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح. ويوضح أن هذا المنهج هو مصدر التلقي عند أهل السنة محذراً من البدعة لمخالفتها لهذا المصدر المعصوم.
يقرر المقطع أن البدعة هي كل محدث في الدين بلا أصل شرعي، وأن ترك الكتاب والسنة هو سبب افتراق الأمم بينما الاعتصام بهما يجمع الكلمة ويحقق الفلاح في الدارين. ويستدل بالآيات والأحاديث على أن التمسك بالسنة النبوية وطريقة السلف هو سبيل النجاة مبيناً معنى "ودن بكتاب الله" أي أقم دينك عليهما.
يؤكد المقطع أن الدين يؤخذ من القرآن والسنة الثابتة فقط، وأن ما لم يكن ديناً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون ديناً اليوم مستدلاً بقول الإمام مالك فيمن يزعم البدعة الحسنة. ويرد على فرقة القرآنيين الذين يكتفون بالقرآن ويردون السنة مبيناً بطلان مذهبهم وأن السنة مفسرة للقرآن ومبينة لمجمله.
يختم الدرس بتأكيد أن التمسك القوي بالكتاب والسنة في الدنيا يضمن النجاة من كل شر والفوز بالجنة في الآخرة. ويبين أن الربح في الدرجات العلى يكون بقدر قوة الاعتصام بهما وأن الدرس سيكمل في جلسات قادمة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال ابن أبي داود رحمه الله في بداية منظومته الحائية: «تمسك بحبل الله واتبع الهدى * ولا تكن بدعيًا لعلك تفلح * ودن بكتاب الله والسنن التي * أتت عن رسول الله تنجو وتربح». قوله: «تمسك بحبل الله واتبع الهدى»؛ في هذين البيتين الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير مما يضادها ويناقضها وهي البدع. وقد بدأ بهما المؤلف رحمه الله تعالى قبل بيان الاعتقاد ومسائله؛ لأننا ذكرنا أن هذه المنظومة منظومة في الاعتقاد ومسائل الاعتقاد، فابتدأها بهذين البيتين اللذين فيهما الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع. وفي ذلك بيان الطريقة التي عليها أهل السنة في كتب الاعتقاد، حيث جرت عادتهم في الغالب على البدء بهذا الأمر. فالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، وهذا يدل على تحديد المصدر الذي ينبغي أن يتلقى منه الدين وأصوله، ومن ذلك العقيدة. فابتداء العلماء بالدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة دليل وتوجيه وإرشاد إلى مصدر التلقي الذي تؤخذ منه العقيدة؛ فالعقيدة لا تؤخذ بالآراء، ولا بالأهواء، ولا بالبدع، وإنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وبالاعتصام بالكتاب والسنة. فلذلك بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بهذين البيتين لهذا المقصد. فأخذ العقيدة ليس لي ولا لك، ولا لمن هو أعلى منا، إنما تؤخذ العقيدة من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. فكأن المؤلف رحمه الله يقول: ما سيذكر من مباحث العقيدة إنما هو مأخوذ من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة، وهو المصدر الذي يؤخذ منه الدين ووحيه. فقوله: «تمسك» فعل أمر من تمسك يتمسك، ومعنى التمسك في اللغة: الأخذ بالشيء والاعتصام به. فالاعتصام بالله: التمسك والالتجاء إليه وحده سبحانه وتعالى، والاعتصام بالكتاب والسنة: التمسك بهما. فالتمسك بالكتاب والسنة بمعنى الاعتصام، والاعتصام بالكتاب والسنة بمعنى التمسك. والمؤلف رحمه الله أخذ ذلك من القرآن؛ إذ أن ربنا عز وجل أمرنا بالتمسك بالكتاب والسنة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾؛ يعني: تمسكوا بحبل الله. وحبل الله: أكثر المفسرين على أنه القرآن، على أن حبل الله هو القرآن، ويستلزم من ذلك أيضًا السنة؛ لأن من القرآن السنة، فالسنة داخلة في القرآن بنص القرآن. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فإذا حبل الله هو القرآن والسنة. فقوله: «تمسك بحبل الله» أي: اعتصم بهما، وعض عليهما بالنواجذ، ولا تحيد عنهما قيد أنملة. ولذلك جاء عن بعض السلف أنه قال: «إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر من الكتاب والسنة فافعل، أو بنص من الكتاب والسنة فافعل». فحث السلف الصالح على الاعتصام بالكتاب والسنة. قال الإمام الزهري رحمه الله: «الاعتصام بالسنة نجاة، الاعتصام بالسنة نجاة». فهذا معنى قوله: «تمسك بحبل الله» أي: بالكتاب والسنة، بالكتاب والسنة. فحبل الله ووحيه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يشمل القرآن والسنة. وكذلك جاء في السنة ما يدل على الحث على الاعتصام بالكتاب والسنة، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية الذي هو عند الترمذي وغيره، وفي آخره: «وإياكم ومحدثات الأمور»، وفي آخره قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». فهو بمعنى الاعتصام بالكتاب والسنة، هي بمعنى الاعتصام بالكتاب والسنة. وكذلك جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا»، وذكر من هذه الثلاث: «وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، ولا تفرقوا. فإذن المؤلف أو الناظم أخذ هذا من القرآن ومن السنة: «تمسك بحبل الله» فبمعنى الاعتصام بالكتاب والسنة، بالكتاب والسنة. ولما كان الاعتصام بالكتاب والسنة لا يتم إلا بالتعلم؛ إذ كيف تعتصم بشيء وأنت تجهله؟ هذا لا يكون صحيحًا، فلا بد من العلم. فقال المؤلف: «واتبع الهدى»، «واتبع الهدى». ما هو الهدى؟ الهدى هو العلم، الهدى هو العلم النافع الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 33، الصف: 9، الفتح: 28]. فما هو الهدى في هذه الآية؟ فسره المفسرون بالعلم النافع، ودين الحق فسره العلماء والمفسرون بالعمل الصالح، بالعمل الصالح. فمعنى قوله: «واتبع الهدى» يعني: اتبع العلم النافع الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما نقرأ في كل سورة، في كل ركعة من ركعات صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، فما هو الصراط المستقيم؟ هو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم الذين علموا وعملوا، علموا وعملوا. ولذلك حذرنا ربنا من طريق المغضوب عليهم والضالين. فمن هم المغضوب عليهم؟ هم الذين علموا ولم يعملوا، علموا ولم يعملوا. ومن هم الضالون؟ هم الذين عملوا ولم يعلموا، عملوا على جهل وعلى ضلال. فإذا الموفق من جمع بين العلم والعمل، وهذا معنى قوله: «واتبع الهدى» أي: اتبع العلم الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والهداية هدايتان: هداية إرشاد وبيان، وهداية توفيق، فاللفظ يشمل المعنيين. «واتبع الهدى» أي: إذا دعيت إليه من قبل الرسل وأتباعهم فهذا يسمى هداية ماذا؟ هداية إرشاد وبيان. وهذا التقسيم دل عليه القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، هذا هداية ماذا؟ هداية الإرشاد والبيان. وقال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، الهداية هنا هداية ماذا؟ هداية بيان وإرشاد، هداية بيان وإرشاد. وأما هداية التوفيق فهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]، هذا هداية التوفيق، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، فقال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [القصص: 56]، فهذه هداية التوفيق. فالرسل وأتباعهم هم من يدل على هداية البيان والإرشاد، والله عز وجل هو الذي يوفق من يوفق من خلقه إلى هذه الهداية، فاللفظ يشمل المعنيين، يشمل المعنيين. فاتبع ما دعيت إليه من قبل الرسل وأتباعهم، واتبع كذلك ما أمرك الله عز وجل بالتزامه وتحقيقه من هداية التوفيق، فالمعنى أو اللفظ يشمل المعنيين، يشمل المعنيين. وقوله: «ولا تكن بدعيًا لعلك تفلح»؛ لما حدد مصدر التلقي حذر من مخالفته، حذر من مخالفته. لأن البدعي نسبة إلى البدعة، البدعي نسبة إلى البدعة، والبدعة هي ما أحدث في الدين مما ليس له أصل في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكأن المؤلف يقول: إن السبب الذي أوقع المبتدعة جميعًا في العقائد الفاسدة هو ترك الكتاب والسنة، وهو الذي معناه الابتداء في دين الله سبحانه وتعالى. فالذي يجمع ويؤلف القلوب هو التوحيد والاعتصام بالكتاب والسنة، والذي يفرق ويشتت الأمة هو البدع، سواء كانت عقائدية أو عملية، أو العملية. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، لما حث على الاعتصام حذر من الفرقة التي سببها ترك الاعتصام وهو الابتداء. فإذا لا يزال المؤلف يأخذ بداية منظومته من الكتاب والسنة، وهذه طريقة الكتاب والسنة؛ فيحث الكتاب والسنة على الاعتصام بالكتاب والسنة، ويحذر مما يخالف ذلك وهو الفرقة والابتداء، كما في الآية، وكما في حديث العرباض قال عليه الصلاة والسلام: «فعليكم بسنتي» هذا فيه حث على الاعتصام بالكتاب والسنة، «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمم» يعني: لا تبتدعوا في دين الله. فهذه طريقة الكتاب والسنة: الحث على الاعتصام والتحذير من البدعة والفرقة، من البدعة والفرقة. فالذي يجمع الأمة هو الاعتصام بالكتاب والسنة، والذي يشتت الأمة ويفرق الأمة هو الابتداء في دين الله سبحانه وتعالى. فلذلك جمع القرآن والسنة بين الأمرين: الحث والتحذير، الحث على الاعتصام والتحذير من الفرقة والاختلاف. ولذلك أخبرنا ربنا عز وجل أن سبب افتراق من كان قبلنا من أهل الكتاب هو الابتداء في دين الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [آل عمران: 19، البينة: 4]، ﴿وَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19، الجاثية: 17]، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. فمع أن أهل الكتاب أنزل الله عز وجل إليهم التوراة والإنجيل إلا أنهم ابتدعوا في دين الله عز وجل فصار بينهم الاختلاف. وهكذا هذه الأمة إذا فارقت الكتاب والسنة والاعتصام بالكتاب والسنة دبَّ فيما بينها الفرقة والاختلاف. ثم قوله: «لعلك تفلح»؛ هذه نتيجة التمسك بالكتاب والسنة، وثمرة التمسك بالكتاب والسنة واجتناب البدع، ثمرة ذلك الفلاح. وما معنى الفلاح؟ قال العلماء: الفلاح كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة، كلمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة. فيشمل فلاح الآخرة وهو أعظم، وذلك بدخول جنة عرضها السماوات والأرض، ورضى الرب سبحانه وتعالى، والنظر إلى وجهه، وما في الجنة من نعيم مقيم، هذا فلاح عظيم. وأيضًا يشمل فلاح الدنيا، وذلك بالعيش الطيب الهنيء والحياة السعيدة، فهذا من الفلاح. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-8] الآيات. فالفلاح في الدنيا والآخرة إنما هو بالاعتصام بالكتاب والسنة، وبنبذ البدع واجتناب البدع، هذا هو الفلاح الحقيقي. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فالفوز والفلاح إنما يكون بطاعة الله عز وجل، بالاعتصام بالكتاب والسنة، هذه هي نتيجة الاعتصام بالكتاب والسنة: «لعلك تفلح». والسنة، و«لعل» يقول علماء اللغة: قد تفيد الترجي، وقد تفيد التوقع، وهنا أفادت الترجي ولم تفيد التوقع. التوقع يكون في الأمر المرهوب، والترجي يكون في الأمر المرغوب. فلما تقول: «لعلي أحج هذا العام» هذا يفيد الترجي، أو تقول: «لعلي أتصدق» فهذا يفيد الترجي. ولما تقول: «لعل العدو قادم» هذا يفيد ماذا؟ التوقع؛ لأنه أمر مرهوب وليس مرغوبًا. ففي هذا قوله: «لعلك تفلحون» رجاء من المؤلف. وذكر بعض العلماء أن سبب هذا الرجاء: لأن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يجزمون لأحد بفلاح إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جاء في القرآن أنه من أهل الفلاح. فأهل السنة لا يشهدون لأحد بجنة أو بنار إلا من شهد له الله ورسوله مما جاء في القرآن أو في السنة. ولذلك أتى المؤلف هنا بلفظ الرجاء: «لعلك تفلحون»، «لعلك تفلحون» ليفيد هذا المعنى. وهناك معنى آخر ذكره بعض أهل العلم في معنى الترجي هذا، وهو: حتى لا يغتر ذلك المتمسك بالكتاب والسنة بعمله، لا يغتر بما هو عليه، بما هو عليه من الاستقامة أو من التمسك؛ لأن الاغترار ليس من شيم وصفات أهل الإيمان، وإنما هو من صفات أهل الكتاب الذين يعملون بلا علم ويغترون بهذه الأعمال. فهذا من الرجاء الممدود، والرجاء المحمود هو الذي يكون معه عمل، علم وعمل، فترجو من الله عز وجل أن يثيبك أحسن الثواب، أحسن الثواب. ثم قال المؤلف رحمه الله: «ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح». فقوله: «ودن» بكسر الدال فعل أمر من الفعل دان يدين دينا، والمعنى: أقم دينك على الكتاب والسنة؛ لأن الدين بمعنى الطريق الذي يدندن حوله صاحبه فيلازمه ويعاوده، ويقال: فلان يدين بكذا، يعني: يعمل بهذا الشيء ويلازمه ويكرر عمله، وإلى غير ذلك. فالمعنى: «ودن» أي: أقم دينك على الكتاب والسنة، وآمن وأطع وامتثل ما جاء فيهما، وذلك بتصديق الأخبار، وفعل الأوامر، وترك النواهي. فتعبدك لله عز وجل ودينك لله سبحانه وتعالى مبني على الكتاب والسنة. «ودن بكتاب الله» أي: بالقرآن وبما جاء في القرآن، «والسنن» جمع سنة، السنن جمع سنة، وهي الطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالسنن جمع سنة، والسنة هي الطريقة، ليست السنة في اصطلاح الأصوليين: امتثال أو العمل بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ليس على سبيل الوجوب وإنما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، لا، ليس المراد بالسنة في هذا الموضع ما اصطلح عليه الأصوليون، ما اصطلح عليه الأصوليون، وإنما المراد بالسنة هاهنا: الطريقة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام، التي تؤخذ مما صح عنه عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: «ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله»، ومعنى «أتت» يعني: ثبتت وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا بالسنن التي لم تثبت وإنما نسبت إليه عليه الصلاة والسلام وهي لم تثبت عنه عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: «التي أتت عن رسول الله» يعني: ثبتت وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فليكن دينك مأخوذًا من الكتاب ومن السنة، من الكتاب ومن السنة. وهذا ما فهمه علماء المسلمين من السلف والخلف، فأي أمر يتقرب به العبد إلى الله ولم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس بدين، فليس بدين. وهذا ما جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «من ظن أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد خان الرسالة». نعم، من ظن أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خان الرسالة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، ثم قال: «وما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا». هذه قاعدة عظيمة: «ما لم يكن يومئذ دينًا» يعني: ما لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام دينًا تقربوا به إلى الله، لأن من هو أعظم من دان لله عز وجل بالحق والدين الحق هو النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. فكيف نحن نزعم أننا نعمل عملًا نعده دينًا ولم يعمله النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ «ما لم يكن يومئذ دينًا» أي: في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، «لا يكون اليوم دينًا»، لا يكون اليوم دينًا. وهذا معنى قول المؤلف: «ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو وتربح». فأي أمر لم يكن عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فهو ليس من الدين، ولا يجوز لأحد أن يدين الله عز وجل به سبحانه وتعالى. وفي قول المؤلف هذا رد على القرآنيين الذين يأخذون بالقرآن فقط ويتركون السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الفرقة وإن كانت قليلة في هذا الزمان لكنها موجودة، موجودة في صعدة وصنعاء في البلاد اليمنية، وموجودة في غيرها من البلاد، الذين يأخذون بالقرآن ويشككون في السنة، تارة بحجة أنها آحاد، وتارة بحجة أنه قد دخلها الضعيف والموضوع ونحو ذلك، فقالوا: «حسبنا القرآن» يعني: يكفينا القرآن. وهذا مذهب باطل يرده القرآن والسنة. أما القرآن فقد قال الله عز وجل كما سمعت في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، فمن الإيمان بالقرآن العمل بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فأين يذهبون من هذه الآية وهم يقرؤون في القرآن؟ ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، فأين هم من هذه الآية أيضًا؟ فهذا هو الضلال بعينه. ثم نقول لهم: من أين لكم أن صلاة الفجر ركعتان، وأن صلاة الظهر أربع ركعات؟ هل ورد هذا في القرآن؟ هاه، هل هو موجود أن صلاة الفجر ركعتان في القرآن؟ السنة تبين مجمل القرآن وتفسر القرآن، ولا غنى للمسلم، لا غنى للمسلم عن السنة، مطلقة، مفسرة للقرآن، مبينة له. فكيف يزعم هؤلاء أنهم يكتفون بالقرآن؟ فهذا هو الضلال بعينه. هذا ما يرد عليهم من القرآن. وكذلك جاء ما يرد عليهم من السنة، فقد أخرج أبو داود في سننه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله، مثل ما حرم الله». فالذي يحرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يحرمه بوحي من الله، يحرمه بوحي من الله سبحانه. فهذا مذهب فاسد، مذهب فاسد يحذر منه. وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام مما يرد هذا المذهب: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه». ما المراد بـ «مثله معه»؟ السنة، المراد مثله معه أي: السنة. كما تقدم أن السنة تبين وتفسر وتوضح مجمل القرآن. وأما قوله: «تنجو»؛ لم يذكر المؤلف ممن تنجو، ليعم النجاة من كل شر وبلاء. قال: «ودن بكتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله تنجو»، تنجو من ماذا؟ هل ذكر المنجو منه؟ هاه، هل ذكره؟ لم يذكر ما هو هذا المنجو منه، ليدل ذلك على العموم. فمن اتبع ودان بالكتاب والسنة فينجو من جميع البلايا والشرور في الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]. فمن دان بالكتاب والسنة وعمل بهما وتمسك بهما نجا في الدنيا والآخرة. وكما قال الإمام الزهري كما سمعت: «الاعتصام بالسنة نجاة». وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 158]، فاتباع الكتاب والسنة سبب للفلاح، سبب للفوز، وسبب للنجاة. فهذا معنى قوله: «تنجو». «وتربح»؛ والربح هو زيادة على النجاح، فكأن النجاح هي رأس المال، النجاح هي رأس المال. مثلًا: من أدخل الجنة فهذا هو رأس ماله، وإن كان في الدرجات السفلى، أهم شيء أنه يدخل الجنة، صح؟ فهذا هو رأس المال، النجاح من النار، النجاح، النجاح من ماذا؟ من النار. لكن الربح هو الزيادة على النجاح، فيطمع من دخل الجنة في الدرجات العلا، فطمعه في الدرجات العلا هذا يسمى ماذا؟ ربح، يسمى ربح. ولذلك قال العلماء: أن النجاح لكل من تمسك بالكتاب والسنة، وأما الربح فيكون بحسب قوة الاعتصام بالكتاب والسنة. فكلما كان العبد، كلما كان العبد أشد تمسكًا واعتصامًا بالكتاب والسنة، كلما كان أرقى وأرفع في الدرجات العلا في الجنة، درجات العلا في الجنة. وهناك عبارة قيمة لأهل، لابن القيم عليه رحمة الله، في مرور الناس على الصراط، فقال: «مرور الناس على الصراط بحسب تمسكهم بالصراط المستقيم في هذه الدنيا، فمنهم من يمر كالبرق على الصراط، صح، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجواد الخيل، ومنهم من يمر حبوًا، ومنهم من يمر يزحف. كل هؤلاء يمرون على الصراط، صح، آه، كلهم يعني تتحقق في حقهم النجاة، ينجون من السقوط في النار، فيمرون على الصراط، لكن مرورهم يختلف، صح. فالذي يمر كالبرق ليس الذي يمر مثلًا كأجواد الخيل أو كالريح يكون أسرع. فما هو سبب هذه السرعة؟ بحسب التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة في هذه الدنيا. وكلما تمسك العبد تمسكًا صحيحًا قويًا بالكتاب والسنة كلما كانت نجاته وربحه أعظم في يوم القيامة، في يوم القيامة». فهذا معنى قوله رحمه الله: «تنجو وتربح». طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وشكرًا.