الأخلاق عبادة وديانة

الأخلاق عبادة وديانة

المحاضرة بعنوان الأخلاق عبادة وديانة، المجلس الرابع من برنامج مهمات الدين الأول والذي كان بمسجد ابن عباس بزغفة يوم الأربعاء 8 صفر 1448هـ الموافق 22 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مكانة الأخلاق في الإسلام وفضل التحلي بها

يبيّن المقطع أن الأخلاق في الإسلام تعني التعامل الحسن مع الخلق، وهي عبادة عظيمة دعا إليها القرآن بأكثر من 1500 آية. رفع النبي ﷺ شأنها فجعلها من أثقل الأعمال في الميزان، وسبباً لبلوغ درجة الصائم القائم، وكمال الإيمان، وأعلى درجات الجنة، وقرب منزلة النبي يوم القيامة.

الارتباط الوثيق بين العقيدة والعبادات والأخلاق

يبيّن المقطع أن القرآن الكريم والسنة النبوية قرنا بين العقيدة الصحيحة والعبادات والأخلاق الفاضلة، مبينًا أن الأخلاق من أعظم العبادات وغاياتها. فساد العقيدة يؤدي إلى فساد الأخلاق، بينما الصلاة والصيام وسائر التكاليف الشرعية تهدف إلى تهذيب النفس والتحلي بمكارم الأخلاق.

الأخلاق ثمرة العبادات وروح الدين

العبادات في الإسلام شُرعت لتهذيب النفس واكتساب الأخلاق الفاضلة، فمن صام أو حج أو زكى ولم يتخلّق بالأخلاق الحسنة ذهب أجره. الدين كله خلق كما قال ابن القيم، وسوء الخلق يُبطل ثواب الطاعات، بينما حسن الخلق مع قلة العبادة ينجي صاحبه.

مكانة حسن الخلق في الإسلام وأثره في تأليف القلوب

يؤكد المقطع أن حسن الخلق من صميم الدين، وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين الدين والخلق في وصيته لولي أمر المرأة. الأخلاق الحسنة من أعظم أسباب الألفة والمحبة بين الناس وتأليف القلوب، مستدلاً بآيات قرآنية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع المخطئين بالرفق والرحمة.

دور الأخلاق الحسنة للتجار الحضارم في نشر الإسلام بآسيا

يُبرز المقطع كيف دخل الإسلام إلى شرق آسيا بفضل أخلاق التجار المسلمين، خصوصًا الحضارم، الذين أثروا في الناس بأمانتهم وصدقهم وحسن كلامهم. ويضرب مثالًا بسماحة الشيخ ابن باز وأخلاقه الرفيعة التي كانت سببًا في هداية كثيرين واستقامتهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الآباء الكرام، والإخوة الأفاضل، والأبناء الأعزاء، إن ديننا دين الإسلام دين عقيدة وعبادات وأخلاق ومعاملات وآداب وسلوكيات، فديننا دين شامل كامل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نأخذ بهذا الدين من جميع جوانبه، وأن لا نأخذ بجانب ونترك جانبًا آخر، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي: خذوا الإسلام من جميع جوانبه. فإذا علم هذا يا عباد الله، فلا بد أن نعلم شمولية هذا الدين، وأنه لا ينحصر ولا يقتصر على العبادات فحسب، ولا على العقائد فحسب، ولا على الأخلاق فحسب، بل هو شامل لكل هذه الجوانب. وكما علمتم أن مجلسنا هذا يتعلق بجانب من أهم الجوانب في ديننا، وهو جانب الأخلاق. فالأخلاق يا عباد الله من مهمات هذا الدين، ومن أرفع وأجل العبادات، فالأخلاق عبادة وديانة. أولا: ما معنى الأخلاق؟ الأخلاق هي التعامل مع الخلق. من أخطاء بعض الناس أنه يفهم العبادة بأنها أداء حقوق الله عز وجل، ولا يلتفت إلى أداء حقوق الخلق. فكما تقدم أن العبادة منها ما هو أداء حق الله عز وجل، ومنها ما هو أداء حق الخلق. فمن أداء حق الخلق التعامل معهم بالأخلاق الحسنة. فالأخلاق مع الخلق، وهذا هو مرتكز موضوعنا هذا: كيف تتعامل مع الناس بالأخلاق الحسنة، الأخلاق الفاضلة كخلق الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وكذلك الإحسان والحلم والإيثار، وكذلك الكرم والجود ونحوها من هذه الأخلاق التي دعا إليها الإسلام. فالأخلاق من أجل وأعظم العبادات التي ينبغي أن يتقرب بها العبد إلى الله، وأن يستشعر أن تحليه بهذه الأخلاق عبادة جليلة، بل هي من أعظم وأرفع العبادات. فالقرآن الكريم مليء بالحث على الأخلاق الفاضلة، فقد أحصى العادون أن القرآن الكريم اشتمل على ألف وخمسمائة وأربعة من آيات الأخلاق، ألف وخمسمائة وأربع آيات في القرآن الكريم تتحدث عن الأخلاق، وهذا يدلنا على أهمية هذا الجانب، وهذا الأمر من أمور الدين. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام رفع من شأن هذا الجانب وهو الأخلاق، وبين أن أرفع الناس عبادة وقربًا وأجرًا عند الله عز وجل هم أصحاب الأخلاق. جاء عند أبي داود من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». سبحان الله! يا من تظن أن الأجر في الصلاة والصيام فقط، اسمع إلى هذا الحديث، وتمعن: من يتحل بالأخلاق الفاضلة فإنه يدرك، أي يصل إلى درجة الصائم القائم. الصائم القائم، القائم يعني الذي يصلي، الذي يصلي. فهذا يدلنا على أن الأخلاق من أعظم ما يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى. بل إن العبد إذا تحل بالأخلاق الفاضلة يأتي يوم القيامة وقد ثقلت موازينه، ثقلت موازينه بهذه الأعمال الصالحة وهي الأخلاق. جاء عند الترمذي ويصححه العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من حسن الخلق». ما من شيء أثقل في الميزان، والله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. من أسباب ثقل الموازين الأخلاق الفاضلة. عبادة عظيمة يا عباد الله، وفلنا عنها، ولربما ما استشعرنا فضلها وأجرها عند أن نتحلى بشيء منها. وهكذا فإن الأخلاق الفاضلة دليل على كمال الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا». هذا أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا. انظروا يا عباد الله إلى منزلة هذه الأخلاق في ديننا. وهكذا فإن حسن الخلق يبلغ به العبد أعلى درجات الجنان، يبلغ به العبد أعلى درجات الجنان، كما جاء من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي ويحسنه العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أنا زعيم». ومعنى زعيم: أي ضامن. النبي صلى الله عليه وسلم يضمن لك يا عبد الله. قال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا». وربض الجنة هو أدنى الجنة، ربض الجنة هو أدنى الجنة. فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا». مراء: عن الجدال، لأن الجدال سبب للضلال، وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحًا». لمن ترك الكذب ولو كان مازحًا، الكذب لا يجوز حتى في المزاح. ثم قال عليه الصلاة والسلام، وهذا وجه الشاهد: «وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن...». هذا البيت الذي في أعلى الجنة قال: «لمن حسن خلقه». الله أكبر! لمن حسن خلقه. انظر منزلة حسن الخلق في هذا الدين، وأن صاحبه يتبوأ أعلى المنازل والدرجات في الجنة. ألا يدل هذا على أنه من أعظم العبادات العظيمة الجليلة؟ وهكذا جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود وصححه العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا». سبحان الله! أصحاب الأخلاق الفاضلة من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل يرافقون النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: «وأقربكم مني منزلة يوم القيامة». أقربكم مني منزلة يوم القيامة. انظروا يا عباد الله إلى منزلة الأخلاق في ديننا. وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى قد ربط في آيات كثيرة بين ذكر الأخلاق والعبادات والعقائد، قرنها في آيات كثيرة بالعقائد والعبادات، وهكذا بغيرها من أمور الدين، ليدل كذلك على أهميتها. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يبين هذا المعنى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. هذا بيان أخلاق المؤمن، أنه يتواضع لإخوانه، ما يتكبر، والتواضع من الأخلاق الفاضلة. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، ما يجارون السفهاء ولا يردون عليهم ولا يتسافهون معهم، بل يقولون: سلام عليكم، لا نبغي الجاهلين، يترفعون عن أخلاق هؤلاء السفهاء. فابتدأ الآية بالأخلاق، ماذا قال بعد ذلك؟ ذكر عبادتهم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. انظر: بدأ بالأخلاق، ثم ثنى بالعبادات، ثم ثلث بالتوحيد والعقيدة الصحيحة. فهذا يدلك أن هناك ارتباطًا وسياقًا بين الأخلاق وبين العبادات وبين العقيدة. فما يكفي يا عبد الله أن تكون ذا أخلاق ثم لا عقيدة لك. انظر، ربما بعض الكفار يتصنعون بعض الأخلاق، لكن هل ينفعهم هذا؟ ما ينفعهم هذا. وهكذا غيرهم ممن يدعي الإسلام وعنده خلل في العقيدة، مهما تصنع في الأخلاق فهذه الأخلاق لا تنفعه. فإذا كثيرًا ما يربط ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بين العبادات وبين الأخلاق. قال ربنا عز وجل في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، هذه عبادة، ثم ماذا قال؟ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، هذه أخلاق. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾، هذه عبادة. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، أخلاق الوفاء بالعهد والوعد. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾، أخلاق. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، عبادة. فكم من آيات قرنت بالعبادات الأخلاق، قرنت فيها بالعبادات، ليدل ذلك على أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الأخلاق والعبادات، فهي من أجل وأعظم العبادات. السورة التي سمعناها في صلاة المغرب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. ذكر العقيدة وهو التكذيب بالدين، ثم ذكر من أخلاقه السيئة، لأنه إذا فسدت العقيدة فسدت الأخلاق. خذها قاعدة: ما تجد صاحب عقيدة سليمة وعنده أخلاق رديئة، ما تجد هذا البتة. فلذلك قال في هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، يعني ينهر اليتيم، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، لا يحث على طعام المسكين، وهذا كل من الأخلاق السيئة. ويقابلها الأخلاق الحسنة وهي الرحمة بالمسكين والحث على القيام بأموره والتصدق عليه ونحو ذلك. فانظر كيف قرن ربنا سبحانه وتعالى بين العقائد وبين الأخلاق والعبادات. قال في تمام هذه السورة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، هذه عبادة تركوها، سهوا عنها، فتوعدهم الله عز وجل بالويل. فالشاهد من هذا أيها الإخوة أن هناك ارتباطًا وثيقًا جدًا بين العبادات والأخلاق، فالأخلاق من العبادات، الأخلاق من العبادات، ولا محالة. وهكذا فإن التكاليف الشرعية من الصلاة، من الصيام، من الحج، من الزكاة، كلها هذه التكاليف الشرعية غاياتها الوصول إلى أعلى وإلى أكمل الأخلاق، وإلى أكمل الأخلاق. ففي الصلاة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. انظر: من أعظم مقاصد وغايات الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذه من الأخلاق السيئة. فإذا كان الإنسان مؤديًا للصلاة كما أراد الله عز وجل، كما أمر الله سبحانه وتعالى، لا محالة أنه سيكتسب الأخلاق الفاضلة، فيبتعد عن الفحشاء، يبتعد عن المنكرات، ومنها الأخلاق السيئة. وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، فالصلاة سبب لتزكية النفوس، ومن تزكية النفوس التحلي بالأخلاق الفاضلة، التحلي بالأخلاق الفاضلة. وأما الأحاديث التي فيها بيان أن الصلاة سبب للأخلاق الفاضلة فهي كثيرة جدًا. فالصلاة سبب للصبر، ولذلك قرنها ربنا سبحانه وتعالى مع الصلاة في عدة آيات، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. نعم، فالصلاة سبب للصبر، الصلاة سبب لي الخشوع، لي الرحمة، لي كذلك الكلام الحسن، وكل ذلك من الأخلاق الفاضلة، كل ذلك من الأخلاق الفاضلة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. أي: صلاة تطهر العبد لما صدر منه من أخلاق سيئة. وهذه الآية لها سبب نزول: جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، احترقت أو هلكت. قال: وماذا؟ قال: قبلت امرأة لا تحل لي. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فقال: «أَوَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قال: نعم. فتلى عليه هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فانظر: هذه العبادات من أعظم غاياتها وأهدافها أن يتحل المسلم بالأخلاق الفاضلة. كذلك لو جئت في الصيام، ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؟ ومن أعظم التقوى ماذا؟ حسن الخلق. وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة عند أبي داود: «أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق»، فهو من باب عطف الخاص على العام، يعني ليس معنى أن حسن الخلق ليس من التقوى، لا، حسن الخلق من التقوى، لكن قاعدة عند أهل العلم أن الخاص إذا ذكر بعد شيء عام يدخل فيه هذا الخاص، هذا يدل على الاهتمام، أي أن من أعظم وأهم الخصال هذه الخصال التي ذكرت بعد العام. وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ما هي الصلاة الوسطى؟ صلاة العصر. طيب، صلاة العصر أليست هي من الصلوات؟ هي من الصلوات. إذن لماذا ذكرت بعدها؟ لأنها من أعظم الصلوات ومن أفضل الصلوات. طيب، فخصت بالذكر، فهذا من باب ذكر الخاص بعد العام. ومنه قول الله عز وجل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾. من هو الروح؟ جبريل. وأليس جبريل من الملائكة؟ نعم، جبريل من الملائكة. إذن لماذا ذكر؟ لأنه من أفضل الملائكة، جبريل، لأنه الموكل في نزول الوحي الذي به حياة الخلق، فخص بالذكر بعد العام. وهكذا في هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق». هذا يدل على أهمية حسن الخلق وأنه من أعظم خصال التقوى، من أعظم خصال التقوى. فقال الله عز وجل في آية الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ولذلك جاء في أحاديث كثيرة حث النبي صلى الله عليه وسلم الصائم على التحلي بمكارم الأخلاق أثناء صومه، لأن هذه هي الغاية من الصيام. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث»، هذا من الأخلاق السيئة، يعني يذكر الكلام البذيء الفاحش، «فلا يرفث ولا يصخب»، في لفظ: «ولا يجهل»، يصخب يعني يرفع صوته، فهذا أيضًا من الأخلاق السيئة. فإذن سبحان الله! هذه العبادات من أعظم غاياتها التحلي بالأخلاق الفاضلة، وهذا يدلك على أهمية الأخلاق، وأن الله عز وجل شرع لنا مثل هذه العبادات حتى نزكي أنفسنا، وحتى نربي أنفسنا على هذه الأخلاق. سمى ربنا عز وجل شهر رمضان، سمانا نبينا عليه الصلاة والسلام شهر رمضان بشهر الصبر، لأن من أعظم الأخلاق الذي يكتسبها العبد في شهر رمضان هو الصبر. قال عليه الصلاة والسلام: «صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن الودر». الصبر، فسماه عليه الصلاة والسلام شهر الصبر لأنه يعلم المسلم على الصبر، فهذه من غايات العبادات. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». إذا أنت صائم وتكذب وتشهد هذا الزور وتأتي بالكلام البذيء، إيش فائدة من هذا الصيام؟ أين ثمرته؟ أين منفعته؟ فإذا كل هذا يدلنا على أن هذه العبادات شرعت من أجل أن نكتسب هذه الأخلاق الفاضلة. نأتي إلى عبادة الحج، قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. ابتعد عن هذه الأخلاق السيئة. إذن الحج يعلمك الابتعاد عن الفحش في القول أو في الفعل وهو الرفث، وفسر بالجماع. وهكذا يعلمك البعد عن الفسق وهو كل ما يخرج العبد عن طاعة الله عز وجل، ومنها الأخلاق السيئة. فانظروا كيف شرع الله عز وجل هذه العبادات حتى نزكي أنفسنا بهذه الأخلاق الفاضلة. قال عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». اشترطا في هذا الأجر وفي هذا الثواب التحلي بهذه الأخلاق، التحلي بهذه الأخلاق: «لم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». فهذا يدلنا على هذا المعنى، بارك الله فيكم، أن العبادات شرعت لهذه الغايات العظيمة وهي التحلي بالأخلاق. لو جئنا أيضًا إلى الزكاة، ألم يقل ربنا عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾؟ فالزكاة طهرة للقلوب، فهي تورث في القلب الرحمة، وتورث في القلب كذلك العطف على الفقراء والمساكين، وعلى الكرم والجود، فكل ذلك يكتسب المسلم بها الأخلاق الفاضلة. وهكذا إذا جلسنا نعدد يا عباد الله ما يكون من العبادات من هذه الغايات العظيمة ومنها التحلي بالأخلاق الفاضلة، لطال بنا المقام، ولكن حسبنا ما ذكرنا في هذا المقام. كذلك نرجع إلى مسألة أخرى تتعلق بأهمية الأخلاق في الدين. عرفنا أن الأخلاق عبادة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى. الآن ننتقل إلى الشطر الثاني من هذا العنوان، وهو أن الأخلاق ديانة، أي دين، دين، دين يدين العبد به لربه سبحانه وتعالى. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه مدارج السالكين: يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «الدين كله خلق، فمن سبقك في الخلق فقد سبقك في الدين». انظر: جعل ابن القيم الدين كله خلق، كله الدين خلق. ما تستطيع أن تتعامل مع الناس إلا بالأخلاق الفاضلة: بالصدق، بالوفاء بالعهد، بالحلم، بكظم الغيظ، بالصبر. فالدين كما ذكر كله خلق. فمن تحلى بالأخلاق ولو لم يكن عنده تلك العبادات الكثيرة، فإنه يسبق ذاك المتعبد الذي قد ساءت أخلاقه، الذي قد ساءت أخلاقه. «من سبقك في الخلق فقد سبقك في الدين». هكذا يقول رحمه الله تعالى. فما الفائدة أن تكون ذا عبادات كثيرة ثم لا أخلاق لك؟ فهذه الأخلاق سبب لذهاب أجر عباداتك، سبب لذهاب أجر عباداتك. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث مسلم، حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، ما عنده شيء، جيبه فاضي، ما عنده شيء من المال، هذا المفلس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة»، يأتي بعبادات، صلاة، بصيام، بصدقة، يأتي وقد شتم هذا. انظر الآن: أخلاق سيئة، أخلاق سيئة، جاء وقد شتم هذا، وسب هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا. إيش هذه الأخلاق السيئة؟ قال: «فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». والعياذ بالله! بسبب أيش؟ هذا بسبب سوء خلقه، بسبب سوء خلقه. فصدق ابن القيم رحمه الله تعالى: الدين كله خلق. فمن سبقك في الخلق فقد سبقك في الدين. حديث يحسنه العلامة الألباني، ذكره الإمام أحمد في مسنده، خرجه الإمام أحمد في مسنده: أن رجلًا قال: يا رسول الله، يذكر أن امرأة تكثر... انظر: تكثر من الصلاة والصيام والصدقة، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، تؤذي جيرانها بلسانها، يعني عندها سوء خلق، لأن الأذى قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل. فهذه تؤذي جيرانها بلسانها، يعني تسبهم، تفتري عليهم، تجهل عليهم بلسانها، ولحو ذلك. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا خير فيها، هي في النار». سبحان الله! ذكروا من أوصافها أنها تكثر من الصلاة ومن الصيام ومن الصدقة، ومع هذا لما كانت سيئة الأخلاق قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، لا خير فيها، هي في النار». وفي نفس الحديث قالوا: يا رسول الله، وإن امرأة لا تكثر لا من الصيام ولا من الصلاة ولا من الصدقة، ولا تؤذي جيرانها بلسانها. قال: «هي في الجنة». هذا يدلنا على هذا المعنى، أن الدين ما يقتصر على العبادات فقط. تجد إنسان لربما محافظ على الصلاة، له من حظ من صلاة الوتر أو من صلاة الضحى أو من صيام الاثنين والخميس، لكن إذا جئت في باب الأخلاق صفر، ما عنده خلق، ما يتعامل مع الناس في بيعه وشرائه، تجد منه الكذب، تجد منه الغش، تجد منه التدليس، في غضبه ما يدري ما يخرج من رأسه، مستعد أن يخاصم وأن يفجر في الخصومة، وأن يسب، وأن يلعن، وأن يفعل ويفعل. فهذه الأخلاق تضره، تضره هذه الأخلاق. فانظر أين أنت منها يا عبد الله في تعاملك مع جيرانك، مع إخوانك، مع كذلك أولادك وزوجتك، كيف هذه الأخلاق في بيعك، في شرائك، في تعاملك؟ فهذه الأمور يا عباد الله مهمة جدًا من صلب ديننا، وهو الاعتناء بأمر الخلق، وهو من الدين، بل كما ذكر ابن القيم هو كل الدين. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أراد أن يخطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم موجهًا للأولياء: «من جاءكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه». هل معنى هذا أن الخلق ليس من الدين؟ كما تقدم معنا في الحديث: «تقوى الله وحسن الخلق»، فإن حسن الخلق من الدين، وإنما خص بالذكر من باب ذكر الخاص بعد العام. «من جاءكم من ترضون دينه وخلقه»، الخلق من الدين، لكنه ذكر وخص هنا لأنه من أعظم أمور الدين. ولذلك كما تقدم ربما الخاطب تجد عنده دين بمعنى عبادات، وربما لحية، وعنده يعتبر من أهل الاستقامة، لكن عنده أخلاق سيئة، طبيعة سيئة، شدة انفعال، وكذلك ما عنده حلم، ما عنده صبر. فلابد لولي أمر المرأة أن يراعي الأمرين، أن يراعي الأمرين: الدين، محافظة على الصلاة، البعد عن المحرمات، وكذلك الأخلاق: كيف تعامله مع الناس، كيف لسانه في الخطاب، هل يسب، هل سريع الانفعال والغضب، هل كذا وكذا. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الدين وبين حسن الخلق، بين الدين وبين حسن الخلق. فهذا يدلنا يا عباد الله على أن الأخلاق من صميم ديننا، وأن المسلم ينبغي أن يعتني بهذه الأخلاق. كذلك فإن الأخلاق يا عباد الله من أعظم أسباب ترابط المجتمع، ومن أعظم أسباب الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع، فإن التعامل مع الناس بالحسن مما يكون سببًا في ذلك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. لا تعامل السيئة بالسيئة أبدًا، من أساء إليك أحسن إليه، فمهما كانت العداوة بينك وبينه فبالمعامل الحسن معه وبالأخلاق الفاضلة تنقلب العداوة إلى ألفة ومحبة، هذا في الغالب. فصدق الله عز وجل: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. والناس تميل إلى صاحب الخلق الحسن، من يحسن إليها فإنها تميل إليه وتحبه. أحسنت إليهم بالقول، أحسنت إليهم بالفعل، أحسنت إليهم بالمال والخدمة، فإن الناس تميل إليك وتحبه وتقدرك. وكما قال القائل: «أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم»، فطالما استعبد الإنسان إحسان. لما تحسن إلى الناس فإن الناس يميلون إليك وتملك قلوبهم. ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؟ يعني لو كنت ذا أخلاق سيئة، فظ القلب، قاسي القلب، وسيئ اللسان، لنفر الناس منك. فانظروا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كانت دعوته، كيف كانت رحمته، كيف كانت أخلاقه. يقول أنس رضي الله عنه كما في الصحيحين: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس خُلقًا أو خَلْقًا». عليه الصلاة والسلام. وقد قال ربنا عز وجل وهو يبين لنا حسن أخلاق نبيه عليه الصلاة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يتألف قلوب أناس، يعطي ما بين الجبلين من الإبل لشخص واحد. أي أخلاق هذه؟ يأتيه الآتي ويقول له عليه الصلاة والسلام: «مُر لي من مال الله»، ويخنقه بردائه حتى يؤثر في حاشيته، فيتبسم عليه الصلاة والسلام ويأمر له بعطاء. انظر إلى الأخلاق! ما كان يرفع صوته على أصحابه، أو ينهرهم، أو كذلك يقصي عليهم. معاوية بن الحكم السلمي يقول: إنه ما كان يدري بتحريم الكلام في الصلاة، إن كان في أول الأمر لم يكن الكلام في الصلاة محرما، ثم جاء تحريمه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. فعطس رجل، فحمد الله، فشمته معاوية في الصلاة، فضرب الناس بأيديهم ليسكتوه، فقال: «ما بالكم تنظرون إليّ؟» فاستغرب من هذا، فاشتد القوم بتسكيته. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال معاوية: «والله ما كهرني ولا سبني، ولا ضربني». انظر اليوم، ربما في المسجد لو واحد فعل شيء، رفع صوت أو جوال، هكذا يعني نسي وما أغلقه، ربما يقوم له كثير من الناس: «اسكت، أنت أذيت الناس، أنت كذا وكذا». حقك فيك أن تأخذه على حدة وأن تنصحه بالتي هي أحسن. النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي لما تكلم في الصلاة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». انظر إلى هذا الأدب، إلى هذا الخلق: «إنما هي لقراءة القرآن، ولذكر الله». هكذا أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام. أعرابي يبول في المسجد، يبول. انظروا اليوم، لو أحد بال في المسجد، جاهل، جاء بال في المسجد، ربما يأخذ أخذا ويضرب ضربا. النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الصحابة أن يسجروه، قال لهم: «دعوه، لا تزرموه». رحمة، يعني لا تقطعوا بولا، لأن في ذلك مضرة ومفسدة، لأنه ربما يهرب فينتشر البول في المسجد، ينتشر البول في المسجد، فيكون المفسد أعظم. فقال للصحابة: «لا تزرموه، دعوه حتى يكمل بوله». فلما بال هذا الرجل، أمر بدلو من ماء فأريق عليه، ثم كلم هذا الأعرابي، فقال له: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول والغائط، وإنما هي لذكر الله، وللصلاة، وقراءة القرآن». انظروا الكلام الطيب. جاءت رواية أنه قال هذا الرجل: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعًا». انظروا إلى الأخلاق الفاضلة! فبهذا ملك النبي صلى الله عليه وسلم القلوب، وهكذا انتشرت دعوته عليه الصلاة والسلام. ما كان ينتقم لنفسه، كما تقول عائشة: هذه من الأخلاق السيئة، أن الإنسان ينتقم لنفسه، فلان تكلم عليه، أنا سأؤذيه، سأنتقم لنفسي، فلان فعل فيّ، أنا سأفعل فيه، خس وخس، هذه من الأخلاق السيئة. تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما انتقم النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، وما ضرب امرأة ولا خادمًا». أنا سأنتقم... خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ عشر سنين. سبحان الله! أين نحن من هذه الأخلاق يا عباد الله؟ هذه أخلاق نبينا، هذه أخلاق نبينا، وهذه من صميم ديننا، فينبغي علينا أن نعلم هذه الحقيقة، أن الأخلاق هي الدين، وأن الإنسان إذا حرم الأخلاق يخشى على عباداته، ويخشى على كذلك معاملاته مع الناس، يكون منبوذًا، يكون مبغوضًا، لا يحبه الناس. فالداعي إلى الله عز وجل والمسلم عمومًا ينبغي أن يحبب الناس إلى هذا الدين، فالناس ينظرون إلى أخلاق الداعية وأخلاق المستقيم والمسلم. فكما تقدم: الأخلاق سبب للألفة والمحبة بين الناس. إذا تراحم الناس، إذا تعاطف الناس، إذا تسامح الناس، إذا كذلك وقف الأخ مع أخيه بالإحسان، بالمال، أو بالخدمة، أو به كذلك النصيحة، أو نحو ذلك، هذا مما به تتألف القلوب وتترابط الأسر. نكمل إن شاء الله بعد الأذان. فكما ذكرنا حفظكم الله أن بأخلاق تتألف القلوب، ويحب الناس دين الله عز وجل. وأنتم تعلمون أن الإسلام منتشر في كثير من البلاد، خصوصًا شرق آسيا، كأندونيسيا وماليزيا، ونحو هذه البلاد، إلا بأخلاق أهل الإسلام. كانوا كفارًا نصارى، فلما ذهب تجار المسلمين من الحضارم، خصوصًا، قد ذكر هذا حتى الشيخ الفوزان، أشاد بالحضارم في هذا، سمعت ذلك بأذني، قال الشيخ الفوزان: أن الحضارم هم السبب في دخول الإسلام إلى بلاد شرق آسيا. ما كان عندهم ذاك العلم، إنما رأى الناس من هؤلاء التجار الأخلاق الفاضلة، أمانة في البيع والشراء، رأوا الصدق منهم، رأوا كذلك الكلام الطيب، الكلام الحسن، فتأثروا بهذا، فبدأ التجار المسلمون بدعوة الناس إلى الإسلام والتعريف به. فانظر الآن كم من المسلمين في تلك البلاد. وهكذا كم من أناس اهتدوا بسبب خلق عالم من العلماء، وصاروا من أهل الاستقامة، ومن أهل الصلاح، ومن أهل الخير. ابن باز رحمه الله تعالى، هذا العلامة العلم الذي يضرب به المثل في هذا الزمان في حسن أخلاقه، كم له من القصص التي بها يتبين لنا حسن أخلاقه. ذات مرة كان يصلي من الليل شيخ ابن باز رحمه الله، فسمع جلبة، يعني صوتًا، كأن أحدًا قفز في حوش المنزل، فاتصل على الحارس، كان الشيخ بمنزلة وزير، وقال له: «كأن أحدًا قفز إلى البيت، انظر». فذهب الحارس، فوجد رجلًا باكستانيًا، ف