الدرس في شرح فتح الوهاب 1 4، الدرس الرابع ( إذا عرفت ذلك فاعلم أن رفع إلي رسالة لرجل فارسي ... ولذلك ضل من ضل من المتكلمين في إثبات وجود الرب ووجود ذاته ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبين الشيخ سبب رده على رسالة فارسية خالفت أهل العلم في معنى «لا إله إلا الله»، وينتقد افتتاحيتها «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات» بأنها تدل على الحلول أو جهل باللغة. كما يرد على عبارة «وبالله التمسك والاعتصام» موضحاً أن التمسك شرعاً يكون بدين الله وكتابه لا بذاته.
يناقش الشيخ قول المبتدع بأن لفظ «الإله» موضوع للمعبود فقط دون قيد الحق أو الباطل، مبيناً أن كتب اللغة أجمعت على إطلاقه على المعبود حقاً كان أو باطلاً. ويوضح فساد زعم أن الآلهة الباطلة سُميت آلهة باعتبار زعم المشركين فقط، مستدلاً بقتال النبي للمشركين وقولهم «أجعل الآلهة إلهاً واحداً».
يبيّن أن اعتراض المشركين «أجعل الآلهة إلهاً واحداً» دليل على إقرارهم بتعدد معبوداتهم الباطلة، وأن بعثة الرسل جاءت لإفراد الله بالعبادة. ويرد على من يجعل لفظ «إله» مفهوماً كلياً لا يعين حقاً من باطل، مستدلاً بأن المشركين جحدوا الحق مع علمهم ببطلان آلهتهم.
يبيّن ضلال من شبّه وجود الله بوجود المخلوق، موضحاً أن الوجود معنى كلي لكن عند التقييد يختلف باختلاف المقيد، فوجود الخالق الأزلي لا يماثل وجود المخلوق المحدث. وينتهي الأمر بمن لم يفرق بين الإطلاق والتقييد إلى إما تشبيه وتمثيل أو تعطيل ونفي للصفات.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: ما زال الشيخ رحمه الله تعالى عبد اللطيف بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله تعالى يسوق الأدلة والبراهين الدالة على أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله، وأن لفظة الإله تطلق على الإله الحق كما أنها تطلق على الإله الباطل. قال رحمه الله تعالى: «إذا عرفت ذلك فاعلم أنه رفع إلي رسالة لرجل فارس تكلم فيها على معنى لا إله إلا الله، وأتى بخلط وضلال يخالف ما عليه أهل العلم في هذا المقام». من ذلك أنه افتتح رسالته بقوله: «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات». شرع الشيخ رحمه الله تعالى في بيان سبب كتابته لهذه الرسالة، فذكر أنه رفع له رسالة لرجل فارس لا يدري من هو، ولكنه تكلم فيها على معنى لا إله إلا الله، وأتى فيها بخلط وضلال يخالف ما عليه أهل العلم في هذا المقام. وأيضاً إلى جانب ما ذكره سيأتي معنا من كلام الشيخ رحمه الله تعالى أن هذا الضال قد وجد له أتباع يروجون هذه الرسالة وما فيها، ويظنون أنهم بذلك يردون على أهل الحق، على أهل السنة والجماعة، وأن معتقد أهل السنة والجماعة في لا إله إلا الله ليس بحق، وهم بذلك يفرحون بما كتبه هذا الجاهل الضال، كما سيأتي بيان ذلك. قال رحمه الله تعالى: «من ذلك أنه افتتح رسالته بقوله: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات». افتتح هذا الضال رسالته بقوله: «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذه العبارة دائرة بين أمرين: إما سوء معتقد، وإما سوء المعتقد والقول بأنه تعالى في كل مكان، كما هو قول أهل الحلول». لأنه قال: «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات»، فقد يفهم من هذه العبارة أن الله عز وجل حال في كل مكان، أن الله عز وجل حال في كل مكان، وهذا مذهب أهل الحلول الذين يعتقدون أن الله عز وجل حال، يعتقدون أن الله عز وجل حال في الأرض، ومعتقدهم أشر من معتقد النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام. إذ أن النصارى يعتقدون حلول الرب سبحانه وتعالى في عيسى فحسب، أما هؤلاء فيعتقدون حلول الرب عز وجل في كل أحد. النصارى اعتقدوا في عيسى عليه السلام، أما هؤلاء فاعتقدوه في كل أحد. بل قال قائلهم: «وما الكلب والخنزير إلا ربنا». وهذا إما أن يكون حلولياً غالياً، وإما أن يكون اتحادياً. فالحاصل أن هذه العبارة وهي قوله: «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات» عبارة باطلة إذا كان مقصوده ومراده هذا المعتقد الخبيث، وهو اعتقد أن الله عز وجل حال في الأرض، حال في خلقه، سواء كان الإنسان أو الحيوان أو غير ذلك، فهي عبارة خبيثة باطلة منكرة كفرية. قال: «وإما الجهل بالعربية ومعاني الحروف». إما أن يكون معتقده باطلاً، وإما أن يكون جاهلاً في اللغة العربية دون أن يعتقد ذلك المعتقد الخبيث. قال: «ولا يقال أن الباء بمعنى من». قال: «وإما الجهل بالعربية ومعاني الحروف، ولا يقال أن الباء بمعنى من». لا يقال أن قوله: «الحمد لله المتوحد بجميع الجهات» مقصوده: «من جميع الجهات»، من جميع الجهات. لماذا؟ قال: «لأنها لا تنوب إلا عن من التبعيضية، إلا عن من التبعيضية، وها هنا لو قدر أن من فلا تكون تبعيضية، ولكن تكون بيانية». قال: «واشترط في نيابتها أن تشرب معنى لا يستفاد من من، وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾». يعني: من جهة اللغة لا يصح أن يكون أراد لغة: «الحمد لله المتوحد من جميع الجهات»، وأن الباء هنا بمعنى «من». لماذا؟ قال: «لأن الباء تكون بمعنى من إذا كانت من تفيد التبعيض، أما إذا كانت من بيانية فلا يجوز أن تحل محلها في هذا المقام». قال: «لأنها لا تنوب إلا عن من». ثم بيّن: «لا تنوب إلا عن من التبعيضية». قال: «واشترط في نيابتها أن تشرب معنى لا يستفاد من من، وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾». ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: العين التي هي الماء النابع من الأرض، يشرب به عباد الله، أو يشرب منه عباد الله. ها: يشرب منه أو يشرب به. من من أهل اللغة العربية يفرأ عليه الأمرين؟ ها يا جماعة، أنتم عرب أو لا؟ من كان عربياً عند من؟ ها السؤال عندك: «يشرب منه» أقول: شربت من العين، شربت من الماء، ولا يقول: شربت بالماء. صح أو لا؟ يقال: شربت من الماء، ولا يقال: شربت بالماء. هكذا أو لا؟ طيب كيف نقول في هذه الآية؟ الله عز وجل يقول: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. كيف هذا والقرآن أفصح الكلام؟ الجواب هنا: أن الباء، أو أن الفعل «يشرب» ضمن معنى يناسب الحرف. الفعل الذي هو «يشرب» ضمن معنى يناسب حرف الباء. وما هو المعنى المناسب لحرف الباء؟ الجواب: أن المعنى يكون: «عيناً يروى بها عباد الله». ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: عيناً يروى، يروى بها عباد الله، فيكون فيه معنى الشرب وزيادة. واضح عملاء؟ وهذا من بلاغة القرآن. الإنسان إذا شرب فروي، وشرب ولم يروى، ولم يروى: أيهما أبلغ؟ أيهما أبلغ: أن يشرب حتى يروى، أو يشرب مقطعة شرب سريع؟ هيا جماعة حتى يبلغ الري. واضح أم لا؟ لذا كان القرآن يبين أن عباد الله عز وجل لا يشربون شربة فقط، بل يشربون حتى ماذا؟ حتى يروون، حتى يروون من هذا الماء. وهذا من بلاغة القرآن. قال: «وقول الشاعر: وقول الشاعر: شربنا بماء البحر ثم ترفعت، متى لجج خضر لهن نائح، لهن نائج». الشاهد: «شربنا بماء»، شربنا بماء، والمعنى هو المعنى. قال: «ثم قال في رسالة: وبالله التمسك والاعتصام». قال: «وبالله التمسك والاعتصام». هذا جاهل باللغة العربية، بل وعقيدته كذلك فاسدة. لذا قال: «وبالله التمسك والاعتصام». قال الشيخ: «والتمسك إنما يكون بدينه وكتابه وأمره، ولا يقال: تمسكت بالله». لا يقال: «تمسكت بالله». لا يقول إنسان: «تمسكت بالله عز وجل». واضح هذا الأمر أم لا؟ ولكن يقال: يقول ماذا؟ «تمسكت بدين الله عز وجل»، «بشرع الله عز وجل»، «بكتاب الله عز وجل»، «بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». إما أن يقول: «تمسكت بالله»، فهذا معنى لا يليق في هذا المقام. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «لأن التمسك بمعنى الالتزام والأخذ والثبات، ولا تليق هذه المعاني هنا». وقال في رسالته: أي هذا الضال: «إن الإله وضع في اللغة للمعبود فقط، لا بقيد الحقيقة أو البطلان». انظروا كيف يصنع أهل الأهواء والبدع، ويقذفون الشبه في أوساط الناس. هذا الضال يقول: «إن لفظ الإله وضع في اللغة للمعبود فقط، لا بقيد الحقيقة أو البطلان». أي أن لفظ الإله مطلق، ذهنين، لا يتصور من قولنا: «إله»: إله حق، ولا إله باطل. لكن مجرد أن يقال: «إله»، أي معبود. طيب، هل هو حق؟ يقول: لا، نقول: لا نستفيد من هذه الكلمة أنه حق. طيب، إذن باطل؟ قل: ولا نقول أيضاً أنه باطل. ولكن نقول: «إله»، ولا نقيدهم ببطلان، ولا بماذا، ولا بحقيقة. لذا قال: «إن الإله وضع في اللغة للمعبود فقط، لا بقيد الحقيقة أو البطلان». واضح الكلام أم لا؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذه العبارة كذب على اللغة، وهذه العبارة كذب على اللغة، فإن كتب اللغة بأجمعها دلت وقررت أن الإله موضوع لكل معبود، موضوع لكل ماذا؟ معبود، سواء كان المعبود حقاً، كان المعبود حقاً، أو كان المعبود باطلاً، كما مر معنا فيما مر معنا من كلام صاحب القاموس حينما قال: إله: معنى مألوه، بمعنى معبود، والإله يطلق على الإله الحق، والإله ماذا؟ والإله الباطل». قال رحمه الله تعالى: «وأدلة ذلك تعرف في مواضعها، تعرف في مواضعها، فلا نطيل بذكرها». وأيضاً هذه العبارة فاسدة من جهة المعنى. هذه العبارة فاسدة من جهة المعنى، فإنه لا يتصور ولا يوجد إله غير مقيد ولا موصوف بحق أو باطل. هذا كلام لا يعقل. فكيف ينسب إلى أهل اللغة أو ينقل؟ الشيخ رحمه الله تعالى يبين أن هذا الكلام تأباه القلوب والعقول والألباب، ولكن هذا الجاهل يقرر ما لا تتصوره العقول. وهذا يدلنا على أن أهل الزيغ، على أن أهل الزيغ ربما قرروا ما هو معلوم البطلان بدهة العقول. لذا يقول الشيخ رحمه الله: «وأيضاً هذه العبارة فاسدة من جهة المعنى». ما وجود ذلك؟ قال: «فإنه لا يتصور ولا يوجد إله غير مقيد ولا موصوف بحق أو باطل أبداً». كيف يكون إله ومعبود، ثم لا نستطيع أن نميز: هل هذا الإله وهذا المعبود حق أم باطل؟ هل هذا يتصور؟ يوجد معبود وإله ويعبد، ومع هذا لا نستطيع أن نقول: إن هذا الإله حق أو باطل. هذا لا يوجد، بل ولا يتصور. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فإنه لا يتصور ولا يوجد إله غير مقيد ولا موصوف بحق أو باطل. هذا كلام لا يعقل، فكيف ينسب إلى أهل اللغة أو ينقل؟» فإن القسمة في مسمى الإله ثنائية: إما حق أو باطل، وتجويز الثالث مستحيل عقلاً وشرعاً. ولا يقول هذه العبارة إلا مخبول في عقله، جاهل في حكايته ونقله. لفظ «إله» كما مر معنا: القسم فيه ثنائية. إما أن يكون إله حق، إما أن يكون إله حقاً، وإما أن يكون إله باطلاً، ولا ثالث لهما. بمعنى: لا يوجد إله هو حق وهو باطل، لا عقلاً ولا شرعاً. لا عقلاً ولا شرعاً. فإما أن يكون الإله، أي المعبود، إما أن يكون حقاً وهو الرب سبحانه وتعالى، وإما أن يكون باطلاً، وإما أن يكون باطلاً وهو ما عبد مما عبد سواه سبحانه وتعالى من الآلهة والمعبودات التي عبدها الناس، سواء كانوا في الأزمنة السابقة أو في الأزمنة الحاضرة. قال رحمه الله تعالى: «وقال في رسالته: إن الإله في لا إله إلا الله، إن الإله في لا إله إلا الله واقع على الإله الحق، واقع على الإله الحق، وسميت آلهة باعتبار زعم من عبدها، باعتبار زعم من عبدها». إن الإله في لا إله، أي معنى لا إله، لقض الإله، قال: «واقع على الإله الحق». معناه: لا إله، المراد بالمنفي هو الإله الحق. فكأن نقول: لا الله حق إلا الله. واضح هذا الأمر أم لا؟ أي: ليس هناك معبودات عبدت مع الله عز وجل باطلة، غير جائز أن تعبد، بل إنما أطلقت هذه الآلهة على سبيل ماذا؟ على سبيل زعم أولئك المشركين. وإلا في الحقيقة ليس هناك آلهة، ولا هناك معبودات عبدت مع الله عز وجل أو من دون الله عز وجل. واضح هذا الكلام أم لا؟ لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذا من جهله، وهذا منه جهل عريض، وظلمات مركبة». فكيف يقع في ذهن من له أدنى تعقل وتفهم تجويز ذلك، وأن الله ورسوله يسميها آلهة باعتبار زعمهم، ويجاري في هذا الزعم والتسمية، ثم يكفرهم بهذا، ويبيح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده، لعباده المؤمنين، ويرتبوا على تركه والبراءة منهم ما رتبهم من الإسلام والإيمان والأحكام الدنيوية والأخروية؟ أي: كيف يتصور هذا الإنسان هذا القول، وأن الله عز وجل ورسوله سموا الآلهة التي عبدوها أنها آلهة، لا لأنها آلهة في الحقيقة، لا لأنها عبدت من دون الله عز وجل في الحقيقة، لا لأنهم أشركوا بالله عز وجل حقيقة، لا، ولكن سموها آلهة لأن المشركين كانوا يسمونها ماذا؟ آلهة. وإلا هي في الحقيقة ليست ماذا؟ ليست آلهة، ليست آلهة. ومع هذا كله، الله عز وجل ورسوله، يعني شرع الله عز وجل، شرع الله عز وجل، بعث الله عز وجل رسوله إلى هؤلاء المشركين، فقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم. كل هذا، وفي الحقيقة ليس هناك شر، ليس هناك شرك، ولا هناك آلهة تعبد مع الله عز وجل أو من دون الله عز وجل، وإنما هو مجرد زعم زعمه أولئك المشركون، والله ورسوله جاريا هؤلاء على مقصودهم ومرادهم. وهذا من أعظم الإفك وأعظم الباطل والبهتان. قال رحمه الله تعالى: «ولو جار قريشاً، أي النبي صلى الله عليه وسلم، ولو جار قريشاً وسماها أسماء تختص بالحق، لما حصل التوحيد والإيمان من مدلول هذه الكلمة». لو جاراهم، أي أنهم في الحقيقة لم يعبدوا غير الله عز وجل، ولم يتخذوا آلهة، إنما هو زعم مجرد زعم. لو جاراهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، لما كانت كلمة التوحيد تدل على الإيمان وعلى التوحيد. وضح هذا الأمر أم لا؟ لما كانت «لا إله إلا الله» تدل على ماذا؟ تدل على التوحيد وإفراد، على التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة وحدة دون ما سواه، وتنفي الشرك عن غير الله عز وجل، تنفي الشرك بالله عز وجل. ما كانت هذه الكلمة تفيد هذه المعاني. ولما قالوا، ولما قالوا له، أي المشركون: «أجعل الآلهة إلهاً واحداً»؟ المشركون، أليس قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه، حينما أمرهم بأن يعبدوا الله عز وجل وحده، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟ أليس أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون الآلهة المتعددة آلهة واحدة؟ فهم يعبدون الله، ويعبدون الأوثان والأصنام، يعبدون هبل، والعزى، ومناة، يعبدون كثيراً من الأوثان والأشجار وغير ذلك من الآلهة. فلما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾، قالوا: ماذا؟ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾. «أجعل الآلهة»، «آلهة» يدل على أنهم ماذا؟ عندهم ماذا؟ آلهة كثيرة، عندهم آلهة كثيرة. لذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾. «أجعل الآلهة»، أي: هذه الآلهة كلها، وكانت في قريش حينما، حينما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثمائة وستين صنماً، ثلاثمائة وستين صنماً يعبد من دون الله عز وجل أو مع الله عز وجل. فهؤلاء يقولون: «أجعل الآلهة»، أي: هؤلاء الآلهة الذي نعبدهم ليلاً ونهاراً، كلها باطلة، وجعل الحق إلهاً واحداً. وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن المشركين يقولون ويعتقدون أو يقرون بأنها آلهة تعبد مع الله عز وجل حقيقة. قال رحمه الله تعالى: «لأن المثبت، لأن المثبت عين المنفي على زعم هذا، وهو الإله الحق، على زعم هذا المفسد». قال: «وهذا تغيير لدين الإسلام، وإلحاد في معنى كلمة الإخلاص، وتأييد لما زعمه عباد الأصنام من أنها حق لا باطل». أي: آلهتهم. إذا كان «لا إله»، الإله معناه الإله الحق، معناه الإله الحق، لكان هذا فيه تأييد، لماذا؟ لما نفاه عباد الأصنام، وكان تقريراً لعبادة الأصنام. قال: «وتأييد لما زعمه عباد الأصنام من أنها حق»، أي: الآلهة. لأن الله عز وجل على قول هذا، ورسوله صلى الله عليه وسلم، بعثوا الناس بتقرير ماذا؟ بتقرير ما أقرت به قريش من أن آلهتهم حق، من أن آلهتهم حق. وهل بعث الله عز وجل رسوله، وأنزل كتبه، وحصل ما حصل بين المسلمين والمشركين من القتال وغير ذلك، إلا لأجل توحيد الله عز وجل؟ فالجواب أن الأمر واضح. فهذا يدلنا على أن الله عز وجل أرسل رسوله ليبين بطلان عبادة هؤلاء، بطلان عبادة هؤلاء. والأدل من ذلك كثيراً في كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والقرآن مليء بذلك، والسنة كذلك مليئة بذلك. ويوضح هذا ما ثبت في الصحيحين: حديث ابن عباس عن أبي سفيان في قصته مع هرقل، حينما قال له هرقل عظيم الروم: «بماذا يأمركم؟» قال: «يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً». أبو سفيان قرشي عربي ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً». أي: ينفي عبادة الآلهة. بل جاءت في بعض الروايات: «وذروا ما كان يعبد آباؤكم، وذروا ما كان يعبد آباؤكم»، أي: من الآلهة الباطلة. فبعثة الرسل كانت لأجل هذا الأمر: تقرير التوحيد، ونفي ماذا؟ ونفي الشرك عن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولذلك ركب هرجه على جهلة المدعين للطلب، أتباع، أتباع كل ناعب، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجوا إلى ركن وثيق في المعتقد، فأي ريح هبت مالت بهم، وأي غرض عرض عصفهم. فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد». ويردهم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، ﴿وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. هكذا يقول ربنا عز وجل: لا يكذبونك بأنك رسول حق، لا يكذبونك بأن ما جئت به حق، وأن الله عز وجل هو الإله الحق، وأن ما عداه من الآلهة آلهة باطلة، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. والجحد كما مر معنا هو: إنكار مع علم ومعرفة، إنكار للحق مع علم ومعرفة. فهؤلاء يعتقدون أن الحق ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن الله عز وجل هو الإله الحق، وأن آلهتهم التي يعبدونها مع الله عز وجل معبودات باطلة، لا تنفعهم شيئاً، لا تغني عنهم شيئاً، ولا تأتيهم بالنفع ولا بالضر. لذا كما مر معنا في أول درس: أن من هؤلاء من كان يعبد إلهاً في أول النهار، ويعبد إلهاً آخر في آخر النهار. بل رب رجل يصنع إلهاً من تمر، فإذا جاع أكل ذلك الإله الذي يعبده. وهذا يدلنا على أنهم كانوا يعتقدون في معبوداتهم دون الله عز وجل أنها آلهة باطلة. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾، أيضاً تدل على هذا المعنى، من أنهم أنكروا المعنى الحق، وجحدوا به». قال: «فإن فيها أنهم يعرفون بطلانها، أي: بطلان آلهتهم، ولا يعتقدون في الباطن أنها حق، بل يعتقدون أنها باطل». وهذا يبطل قوله، أي: قول هذا المفتري: «سميت آلهة باعتبار اعتقاد من عبدها، سميت آلهة باعتبار اعتقاد من عبدها». فإن من عبدها يعتقد بطلانها، ولا يعتقدها حقاً، ولا يعتقدوا حقاً. فهذا يبطل الدعوى، يبطل الدعوى من أن الله ورسوله إنما سموها آلهة باعتبار اعتقاد المشركين، لا أنها آلهة حقيقة. قال: «ويبطل قوله: وأن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع اعتقاد العابد أنها حق، إلا مع اعتقاد العابد أنها حق». والجواب أيضاً هو الجواب، والجواب هو الجواب: هم يعبدونها، ويتقربون إليها بالعبادات، بأنواع من العبادات، من ذبح، ونذر، ودعاء، وطواف، وسجود، إلى غير ذلك من العبادات، ومع هذا يعتقدون أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنهم شيئاً. وقال في رسالته: أي: من حيث الجملة، وإلا من حيث الأفراد ربما يحصل شيء من ذلك. وقال في رسالته: «إن إله وضع للمفهوم الكل». إن إله وضع للمفهوم الكل. طيب. قال: «يريد به تقرير ما مر من الباطل، يريد به تقرير ما مر به من الباطل». ما هو الذي مر من تقريره للباطل؟ من أن لفظ «إله» لا تعين الإله الحق، ولا الإله الباطل، أن لفظ «إله» تطلق على المعبود دون تعيين لهذا المعبود: هل هو إله حق أو إله باطل؟ لذا قال: قال: «إن إله وضع المفهوم الكل، العام الشامل». وهذا لا يكون إلا في الذهن، أما في الخارج، أي في خارج الذهن، فهذا لا يكون أبداً. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «والكل، أي: المعنى الكل». قال: «والكل هو الذي لا يتقيد بذات ولا بصفة، بل هو مطلق، بل هو مطلق». قال: «وهذه قضية كاذبة خاطئة، وهذه قضية كاذبة خاطئة». أي: أن يدعى أن الإله، أن «إله» معنى كلياً في مجرد الذهن، وفي الحقيقة أنه بمعنى المعبود، ولا يصدق أنه حق أو باطل. بل هي خاطئة كاذبة. قال: «لم يوضع، وهذه قضية كاذبة خاطئة، لم يوضع أي لفظ الإله إلا للجنس الشائع في أفراده». الإله وضع الجنس الشائع في أفراده، أفرادهم الإله، منها ما هي حق، ومنها ما هي ماذا؟ باطل. والإله الحق واحد سبحانه وتعالى، وأما الإله الباطل، أو الآلهة الباطلة، فهي كثيرة، وكثيرة، وكثيرة. فدل على ما تقدم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: والمعاني الكلية لا توجد إلا ذهنية، لا خارجية». أي: توجد في الذهن، ولا توجد في خارج الذهن، أي في الواقع وفي الوجود، وإنما توجد في ماذا؟ في الذهن. قال: «ولذلك ضل من ضل من المتكلمين في إثبات وجود الرب، ووجود ذاته، وجود الرب ووجود ذاته، أي: ذات ذلك المخلوق». الله عز وجل يقول: موجود، وأنا موجود. فكيف وصل به الأمر إلى ماذا؟ إلى التشبيه. قال: «إذن وجود الله عز وجل مثل ماذا؟ مثل وجوده». ما دام أن الله عز وجل موجود، وأنا موجود، إذن وجود الله عز وجل مثل وجوده. ثم بعد ذلك صار إلى طائفتين، وإلى فرقتين: إما مشبهة ممثلة، يقولون: صفات الله عز وجل مثل صفاتنا. وإما أن يفروا من التمثيل إلى التعطيل، فيقول: لا نقول لله عز وجل صفات، ولا نثبت لله عز وجل صفات، إذ يلزم من إثبات الصفات التشبيه والتمثيل. لماذا؟ لأنهم لم يفرقوا بين المعنى الكلي الذي يوجد في الأذهان، وبين المعنى الخارجي الذي يوجد مقيداً مضافاً بحسب من أضيف إليه. فـ «الوجود» من حيث الإطلاق معروف معنى من حيث الإطلاق، أي في الذهن. وعند التقييد، أي: إذا قيدنا الوجود بقيد، يكون بحسب ذلك المقيد. فمثلاً: لو قلنا: وجود زيد من الناس، ووجود الجدار، هل وجود مثل وجود؟ الجواب: ماذا؟ لا. مع أن هذا موجود حقيقة، وهذا ماذا؟ موجود حقيقة. وجود زيد ووجود عمر: هذا موجود حقيقة، وهذا موجود ماذا؟ حقيقة. ولا يلزم ماذا؟ التماثل. فكيف فيما بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق؟ من باب أولى أن لا يوجد التماثل بوجه من الوجوه. فالله عز وجل موجود، ووجوده لائق به سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو السميع البصير. والمخلوق موجود، ووجودهم لائق به لأنه مخلوق ضعيف. وجود الرب سبحانه وتعالى كامل، لم يسبق بعدم، ولا يلحقه ماذا؟ فناء، ولا يلحقه فناء. بخلاف وجود المخلوق: سبق بعدم، ويلحقه ماذا؟ ويلحقه فناء. ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾؟ مر على إنسان زمن، بل وأزمان، لم يكن شيئاً مذكوراً، ثم وجد، ثم بعد أن يوجد يفنى. كما جاءت في ذلك الأحاديث: «ما يبقى إلا عجب الذنب، منه يبعث»، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. نكتفي بهذا. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.