شرح حائية ابن أبي داوود  13

شرح حائية ابن أبي داوود 13

الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مكانة الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان

يبيّن الدرس أن الإيمان بالقدر ركن أساسي من أركان الإيمان ودعامة لعقد الدين، مستدلاً بآيات القرآن وحديث جبريل، محذراً من إنكار القدر الذي يؤدي إلى الكفر كما حكم سلف الأمة، وموضحاً منهج أهل السنة في إثبات القدر للأعيان والصفات رداً على بدع المعتزلة.

المرتبتان الأولى والثانية: علم الله وكتابة اللوح المحفوظ

يستعرض المحاضر المرتبتين الأوليين من مراتب القدر: علم الله الأزلي المحيط بكل شيء، وكتابته تعالى للمقادير في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض، مستدلاً بالآيات والأحاديث الصحيحة على كل مرتبة، ومشيراً إلى الجمع بين الكتابة العامة والكتابة التفصيلية.

تفصيل الكتابة عند نفخ الروح والمشيئة والإيجاد

يفصل المقطع المرتبة الثانية في الكتابة الخاصة بالجنين عند نفخ الروح وفي ليلة القدر المأخوذة من اللوح المحفوظ، ثم ينتقل للمرتبة الثالثة (المشيئة) مستدلاً بالقرآن والسنة وأبيات الشافعي، ويختم بالمرتبة الرابعة (الإيجاد والخلق) مؤكداً أن الله خالق كل شيء.

تلخيص المراتب الأربع والبيت الجامع للحفظ

يجمع المحاضر المراتب الأربع للقدر الإلهي (العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق) في عرض مختصر، ويذكر بيتاً شعرياً جامعاً لها لتسهيل الحفظ، مع الإشارة لاستكمال المسائل في الدرس القادم وطلب مراجعة الأبيات المحفوظة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى في منظومته الحائية: «وبالقدر المقدور أيقن، فانه دعامة عقد الدين والدين أفيح». هذا البيت يتعلق بالإيمان بالقدر. قوله: «بالقدر» يعني: بالإيمان بالقدر الذي يقدره الله عز وجل ويقضيه، وهذا معنى قوله: «المقدور». فيريد بـ «المقدور» يعني: الصادر عن الرب سبحانه وتعالى مقدراً ومحكماً. فما يكون من الرب سبحانه وتعالى من قدر، أيقن. واليقين هو ضد الشك، واليقين معناه: تمام العلم وكماله. ومعنى ذلك: أيقن بما يقدره الله إيماناً لا شك فيه، إيماناً لا شك فيه. فلذلك قال: «فانه»، الضمير هنا يعود على القدر المقدور، فانه: أي الإيمان بالقدر دعامة عقد الدين. والدعامة بكسر الدال: عماد البيت وأساس البناء. قال: «له دعامة»، ومعنى ذلك: أن الإيمان بالقدر من دعائم هذا الدين، من دعائم هذا الدين، ومن أسس هذا الدين. ولذلك قال: «دعامة عقد الدين». والعقد بكسر العين: هو القلادة، فالقلادة عبارة عن عدة حلق منتظمة متتابعة. وهكذا هذا الدين: عبارة عن أمور كثيرة، فله شعب متنوعة وعبادات متنوعة. ولكن هذه العبادات منها ما هو ركن وأساس، ومنها ما هو دون ذلك. فـ الإيمان بالقدر من أركان ماذا؟ الإيمان، كما جاء في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وتؤمن بالقدر خيره وشره. فإذا معنى قوله: «دعامة عقد الدين»، بمعنى: أن الدين عبارة كالعقد ينتظم أموراً كثيرة وعبادات متنوعة، فمنها ما هو ركن وأساس، ومنها ما هو دون ذلك. فمن الأمور التي هي ركن وأساس: أركان الإيمان، أركان الإيمان، أو أركان الدين الثلاثة، ومنها الإيمان. ومن الإيمان: من أركان الإيمان الإيمان بالقدر. لذلك قال: «دعامة عقد الدين»، أي: الإيمان بالقدر. و«الدين أفيح»، والمراد بالدين هنا: دين الإسلام، فـ «ال» هنا للعهد، للعهد الذهني، الشيء الذي هو مقرر في الذهن. فالآن إذا أطلق الدين فيراد به دين الإسلام لا غيره، لا غيره. وقوله: «أفيح» أي: واسع، فيه أعمال كثيرة وطاعات عديدة. فمنه: الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، وإماطة الأذى عن الطريق، والاستغفار. ولو جلست تعدد لا ما استطعت أن تعدد أنواع الأعمال والطاعات في هذا الدين، فهو أفيح بمعنى: أوسع، أو بمعنى: واسع. وهذا فيه: أن الإيمان بالقدر من الأمور العظيمة في هذا الدين، ومن أركان الإيمان. فمن لم يؤمن بهذا الركن فلا حظ له من الإيمان، فلا حظ له من الإيمان. ولذلك جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «القدر نظام التوحيد، نظام التوحيد». فمن وحد الله وكذب بالقدر فقد نقض تكذيبه توحيده. لو أن إنساناً يؤمن بأن الله هو المتفرد بالعبادة، لكنه يكفر بالقدر ولا يؤمن بمراتب القدر: لا العلم، ولا كذلك الكتابة، ولا المشيئة، ولا الخلق، لا يؤمن بالقدر، فلا ينفعه ذاك التوحيد. نقض تكذيبه توحيده. ليدل كذلك على أهمية الإيمان بالقدر، وأن من كذب بالقدر فقد كفر. ولذلك يقول الإمام أحمد: «القدر قدرة الله». فالذي ينكر القدر كأنه أنكر قدرة الله. وما حكم من أنكر قدرة الله؟ ما حكمه؟ كافر، كافر. فلذي ينفعه... فلذي ينفعه... العلماء حكموا على غُلاة القدرية من المعتزلة النفاة بالكفر، الذين ينفون العلم والكتابة، ويقولون: الأمر أنف، الأمر أنف، يعني: ليس بتقدير وعلم الله عز وجل. فهؤلاء كفرهم العلماء، كفرهم العلماء؛ لأنهم كفروا بقدرة الله، ومن كفر بقدرة الله فقد كفر بالله. ولذلك يقول العلماء: «القدر سر الله في خلقه، سر الله في خلقه». فلابد من الإيمان بالقدر. وقد جاء في القرآن، وفي القرآن الأدلة جاءت في القرآن، وفي السنة كذلك الأدلة الكثيرة التي تدل على إثبات القدر، وأن الأمور مقدرة من الله سبحانه وتعالى. من ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، أي: بقدر الله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. وقال الله سبحانه وتعالى في المطر: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: 40]. وقال الله عز وجل: ﴿الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3]. فإذن: إثبات القدر ثابت بالكتاب، وهكذا بالسنة. فمن ذلك: حديث جبريل المشهور، الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أركان الدين، ومن تلك الأركان: أركان ماذا؟ الإيمان. فذكر من أركان الإيمان: أن تؤمن بالقدر خيره وشره. وهو حديث ابن عمر، وقد استدل ابن عمر بهذا الحديث على كفر القدرية، كما في صحيح مسلم. ها هو حديث عمر، لكن رواه عن أبيه. قال: سمعت أبي... طيب، الشاهد: أريد من هذا أن القدرية لما ظهرت في البصرة، وأول من قال بذلك: معبد الجهن. فجاء بعضهم إلى المدينة، فوجدوا ابن عمر يحدث الناس، فسألوه: «إن قوماً بالبصرة يقولون: إن الأمر أنف، وأنه لا قدر». فقال لهم ابن عمر: «أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر. سمعت أبي عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول...» فذكر هذا الحديث الطويل. والشاهد منه ماذا؟ ما جاء في هذا الحديث من ذكر أركان الإيمان، من ذكر أركان الإيمان. فإذن: كما ذكر المؤلف رحمه الله أن الإيمان بالقدر دعامة عقد الدين، فهو من أركان الدين. فاعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بالقدر. فيقول أهل السنة: أن الإيمان بالقدر معناه: الإيمان بعلم الله وتقديره الأشياء قبل كونها، وبأفعال الله جل وعلا، وبإرادته ومشيئته وخلقه وإيجاده. فكل شيء عند أهل السنة والجماعة بقدر الله، سواء كان الأعيان أو الصفات. ولما اضطر أهل السنة إلى أن يذكر هذه التفاصيل؟ لأن أهل البدع الذين خالفوهم في هذا الباب، الذين خالفوهم في هذا الباب، كالقدرية المعتزلة، فإنهم يقولون: نثبت القدر في الأعيان، ولا يثبتونها في الصفات. ما معنى يثبتونها في الأعيان؟ يعني: يقولون: خلق الإنسان هذا بقدر الله، خلق الإنسان بقدر الله. لكن خلق أفعال الإنسان ليس بقدر الله، بل الإنسان هو الذي يخلق أفعال نفسه. ففرقوا بين الأعيان وبين صفات الأعيان، وبين صفات الأعيان. فلذلك اضطر أهل السنة إلى أن يفصل هذه التفاصيل. فيقول أهل السنة: نؤمن بالقدر، وأن الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء قبل كونها، وأرادها وشاءها وخلقها وأوجدها سبحانه وتعالى، سواء كان في الأعيان أو في الصفات، أو في الصفات. والمراد في الصفات يعني: الحركات والسكنات والكلام، وكل ما يصدر من هذا المخلوق، فهو كل ذلك بقدر الله، وكل ذلك بقدر الله. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كل شيء بقدر، كل شيء بقدر، حتى وضعك كفك على خدك». كل شيء يفعله الإنسان فهو بقدر الله. فعلم الله ذلك قبل كونه، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وشاء ذلك سبحانه وتعالى، وخلقه وأوجده. وجاء في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل شيء بقدر الله، حتى العجز والكيس». ما معنى العجز والكيس؟ العجز: هو بمعنى الكسل والتخلف عن العمل والطاعة، هذا هو العجز. وأما الكيس فهو ضده: يعني النشاط والحيوية، وكذلك إتقان العمل ونحو ذلك، يقال له: كيس. وهذا الحديث في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. فهذا الحديث دل على هذا الأمر، وهو: أن كل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى. وتتلخص عقيدة الإيمان بالقدر بأن يؤمن العبد بأن الله عز وجل سبق في علمه وجود الكائنات، سبق في علمه سبحانه وتعالى وجود الكائنات. وهكذا يشمل: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، وأيضاً مشيئته سبحانه وتعالى وخلقه. وهذا ما يسمى بمراتب القدر. فمراتب القدر أربعة، لا يتم إيمان العبد إلا بتحقيقها والإيمان بها، والإيمان بها. المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي، وأنه أحاط بكل شيء علماً سبحانه وتعالى، وأنه علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. كل ذلك يشمل الإيمان... الإيمان بالعلم يشمل الإيمان بالعلم: أن الله أحاط بكل شيء علماً، وأنه علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا عليه أدلة كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23]. ما هو وجه الشاهد من هذه الآية؟ يعني: هؤلاء المعرضون، لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم. إذن: الله عز وجل علم في علمه الأزلي أن هؤلاء لا ينتفعون. صح؟ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولذلك لم يسمعهم. ومع هذا: علم سبحانه وتعالى: لو أسمعهم لتولوا عنهم، ما استجابوا، وكابروا وعاندوا. فهمتم هذا الآن؟ فهذا دليل على أن الله يعلم ما عليه العباد سبحانه وتعالى، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ولو كان كيف يكون. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾: علم الله أن ما فيهم خير، ولذلك ما أسمعهم. ومع هذا: ﴿لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾: لم يستجيبوا وينقادوا ويؤمنوا. ومن أدلة هذه المرتبة، مرتبة العلم: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: 2]. والله عز وجل يعلم بكل هذه الأحوال. ومن أدلة هذه المرتبة أيضاً: قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۚ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: هذا دليل ماذا؟ العلم. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: 70]، هذا دليل ماذا؟ دليل الكتابة، دليل الكتابة. وهكذا من أدلة هذه المرتبة: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ﴾ [طه: 7]، ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: 19]. وهكذا من أدلة هذه المرتبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5]. انتبه إلى لفظة «شيء»: «شيء» هنا نكرة، فتفيد ماذا؟ تفيد العموم؛ لأنها جاءت في سياق ماذا؟ في سياق النفي: ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾، «لا» هنا نافية: ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾، فكل شيء سبحانه وتعالى يعلمه، كان أم لم يكن، وكل شيء يعلمه سبحانه وتعالى. فهذه هي المرتبة الأولى، وهي: العلم. أن الله عز وجل يعلم بكل ما هو كائن، يعلم بكل ما هو كائن إلى قيام الساعة. وأما المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر: فهي الإيمان بالكتابة. أي: أن الله عز وجل علم، وكتب ما علم سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ، في اللوح المحفوظ. فكل ما هو كائن فهو مسطر ومدون. نؤمن بذلك، وعلى ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 52-53]، يعني: مكتوب ومقيد. فهذا دليل واضح على هذه المرتبة. وهكذا قوله تعالى: وهذه الآية جمعت مرتبتي العلم والكتابة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70]. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: هذا دليل ماذا؟ العلم. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ﴾: هذا دليل ماذا؟ دليل الكتابة، دليل الكتابة. وهكذا من أدلة هذه المرتبة: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22]، يعني: من قبل أن نوجدها، من قبل أن نوجدها. فإذن: هي مكتوبة. واضح هذا الآن؟ فهذا أيضاً من أدلة هذه المرتبة، من أدلة هذه المرتبة. وهذه المرتبة أيضاً جاءت فيها بعض الأحاديث الثابت عنه عليه الصلاة والسلام. منها: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء». فهذا الحديث أيضاً يبين أن مقادير الخلائق جميعها قد كتبت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بخمسين ألف سنة. ففيه دليل الكتابة. وهكذا جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى قيام... إلى يوم القيامة». وهذا الحديث رواه أحمد والترمذي، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله، وغيره من أهل العلم. فالشاهد منه: قال له: «اكتب». فجرى بما هو كائن، يعني: بما سيكون في ملك الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة، إلى قيام الساعة. فهذا كذلك من أدلة هذه المرتبة، ألا وهو الكتابة. طيب، قد يقول قائل، ويستشكل مستشكل فيقول: كيف قد كتبت المقادير، وجاء في حديث عبد الله بن مسعود في شأن الجنين في بطن أمه أنه... يعني: يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب ماذا؟ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد. طيب، كيف الجمع بين الحديثين، أو بين هذا الدليل والأدلة المتقدمة في الكتابة وأن كل شيء قد كتب؟ الجواب على ذلك: أن يقال في الجمع: يقال: هذه الكتابة تفصيل. هذه الكتابة التي تكون للجنين في بطن أمه: هذا تفصيل للكتابة السابقة، تفصيل للكتابة السابقة، وهي مأخوذة من الكتابة السابقة. فاللوح المحفوظ فيه كل ما هو كائن إلى قيام الساعة، ومن ذلك: مقادير هذا الجنين من الرزق والأجل والعمل والسعادة والشقاوة. كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ. لكن يؤخذ عند نفخ الروح في هذا الجنين، يؤخذ التقدير الخاص بهذا الجنين من اللوح المحفوظ، فيكتب لهذا الجنين على وجه التفصيل في حقه. فهمتم هذا الآن؟ ومثله: التقدير في ليلة القدر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3-4]. فسر: أن في ليلة القدر يكتب ما هو كائن في هذه السنة. ولذلك سميت بليلة القدر، قيل: لأن المقادير السنة تكتب في هذه الليلة، فسميت بماذا؟ بليلة القدر. وقيل: لعلو منزلتها. قولان في سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم. فطيب، كيف الآن الجمع بين هذا وبين الأدلة المتقدمة في أن مقادير الخلق قد كتبت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؟ كيف الجمع؟ كما تقدم: يقال في الجمع: في السنة يكون تفصيل الكتابة الخاص بهذه السنة في ليلة القدر، يكون تفصيل الكتابة الكائن في هذه السنة، وهي مأخوذة من أين؟ من الكتابة التي قد كتبت من قبل، والتي هي في اللوح المحفوظ، والتي هي في اللوح المحفوظ. عرفتم الآن هذا؟ فيجمع بين الأدلة بهذا الجمع، فلا تنافي ولا تعارض بين الأدلة، فلا تنافي ولا تعارض بين الأدلة. هذه المرتبة الثالثة... وعرفت الثانية، وعرفتم أدلتها، وهي الكتابة. وأما المرتبة الثالثة من مراتب القدر: فهو الإيمان بالمشيئة، الإيمان بالمشيئة. أن تؤمن أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فكل شيء يقع فهو بمشيئته وإرادته سبحانه وتعالى. فلا يكون في ملكه ما لا يشاؤه ولا يريده. قال الله عز وجل: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: 253]. وقال الله... وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. والأدل على ذلك كثيرة: أن كل شيء بمشيئة الله سبحانه وتعالى. وهكذا في السنة: فمن ذلك حديث ابن عباس عند أصحاب السنن، في قوله لابن عمه... ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فهذا فيه دليل على عدة مراتب من مراتب القدر، ومنها: مرتبة المشيئة. وللإمام الشافعي رحمه الله أربعة أبيات في هذه المرتبة. قال ابن عبد البر رحمه الله: إنها من أثبت ما نسب إلى الإمام الشافعي. الإمام الشافعي كثيراً ما تنسب إليه أبيات شعرية، لكن ذكر بعض أهل العلم أن كثيراً منها لم تثبت نسبته إلى الإمام الشافعي، وإنما تنسب إليه هكذا دون إسناد ثابت صحيح إليه. وأما هذه الأبيات فقد أثبتها العلماء، ومنهم ابن عبد البر، وقال رحمه الله: إنها من أثبت ما نسب إليه، وقال: إنها من أحسن ما قيل في القدر، أحسن ما قيل في القدر. ما هي هذه الأبيات؟ يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «ما شئت كان، وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت وفي العلم يجري الفتى والمسن على ذا من أنت، وهذا خذلت وهذا أعنت، وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن» أبيات جميلة وسهلة. نعيدها: قال: «ما شئت، ما شئت كان، ما شئت كان وإن لم أشأ، وما شئت إن لم تشأ لم يكن. خلقت العباد على ما علمت، وفي العلم يجري، وفي العلم يجري الفتى والمسن. على ذا من أنت، وهذا خذلته، وهذا أعنت، وذا لم تعن. فمنهم شقي ومنهم سعيد، ومنهم قبيح ومنهم حسن». فمعنى قوله: «ما شئت»: يا الله، كان أي شيء تشاء، فإنه يكون، وإن لم أشأ: إن كانت مشيئتي ومحبتي أن لا يقع ذلك، وأنت شئته، وأنت شئته، فإنه يكون. وهذا معنى حديث ابن عباس: «لو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله، قد شاءه الله عز وجل». فهذا معنى قولي: «ما شئت كان وإن لم أشأ». وإن لم أشأ ذلك الشيء، لكن أنت شئته، فإنه يكون. ولذلك قال: «وما شئت إن لم تشأ لم يكن»: إذا شيء أريده، وأنت لا تريده ولا تشاء، فإنه ما يكون، فإنه ماذا؟ ما يكون. فهذا معنى قوله: «وما شئت إن لم تشأ لم يكن». ثم قال: «خلقت العباد على ما علمت». وهذا في إثبات العلم: «خلقت العباد على ما علمت» في علمك الأزلي. «وفي العلم يجري الفتى والمسن»: كل مخلوق، سواء كان شاباً أو شيخاً كبيراً، فهو تحت علم الله عز وجل، الكل يجري تحت علم الله. فالله يعلم كم ستبلغ من العمر، فقد يموت الشاب قبل المسن. صح؟ الله يعلم ذلك. وقد كذلك يتزوج الفتى قبل المسن، المسن يعني: الكبير. وهكذا كل ذلك بعلم الله، كل ذلك بعلم الله. «وفي العلم يجري الفتى والمسن». «على ذا من أنت، وهذا خذلته»: هذا من أنت عليه بالهداية، بالعلم، بالتوحيد، بالسنة، بالمال، بالزوجة، بالسكن، بالولد. «من أنت، وهذا خذلته» بالكفر والعصيان والفسق ونحو ذلك. «وهذا أعنته، وذا لم تعن»: هذا أعنته على الخير، وأعنتَه على قضاء حوائجه، وذاك لم تعن. فالله عز وجل يعلم كل ذلك سبحانه وتعالى. «فمنهم شقي ومنهم سعيد»: الشقي الذي لم يعمل بأسباب السعادة، والسعيد الذي يسر الله عز وجل له عمل أهل السعادة. «ومنهم قبيح ومنهم حسن»: يعني: منهم ذو منظر حسن، ومنهم دون ذلك. فالناس يتفاوتون في الجمال. صح؟ فهذا كله بعلم الله وبمشيئة الله سبحانه وتعالى. هذه المرتبة الثالثة من مراتب القدر. وهكذا من مراتب القدر: المرتبة الرابعة والأخيرة، الإيمان بالإيجاد والخلق. أن كل ما علمه وكتبه وشاءه، كذلك خلقه وأوجده، خلقه وأوجده. هذا من الإيمان كذلك بالقدر. وعلى ذلك أدلة كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، والرب معنى ماذا؟ الخالق، وهو خلق كل شيء سواه سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: كل شيء من المخلوقات، فالله عز وجل خالقه، سوى كانت الأعيان أو كذلك الصفات والحركات والسكنات ونحو ذلك. وكما قال الله عز وجل: ﴿مِن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22]، يعني: من قبل أن نوجدها ونخلقها. وفي إثبات الخلق لله سبحانه وتعالى. وقد جمع بعضهم هذه المراتب في بيت واحد، تسهيلاً لحفظ هذه المراتب الأربع، فقال: «علم، كتابة، مولانا، مشيئته، وخلقه وهو إيجاد وتكوين» هذا البيت جمع مراتب القدر الأربع، جمع مراتب القدر الأربع: «علم»: العلم. «كتابة»: الكتابة. «مولانا»: المشيئة. «وخلقه»: الخلق. «وهو إيجاد وتكوين»: وهو إيجاد وتكوين. فقال: «علم»: العلم. «كتابة»: الكتابة. «مولانا»: المشيئة. «وخلقه»: الخلق. فهذه مراتب القدر الأربع. وبقيت بعض المسائل تتعلق بهذا المبحث، فإن شاء الله نأخذها في الدرس القادم، بانتهاء الوقت ومجيء وقت الأذان. وإن شاء الله غداً تجتهدون في حفظ الأبيات من أولها إلى هذا البيت. إن شاء الله نسمع لكم غداً حتى تعيدون الذاكرة وتراجعون المحفوظ المتقدم من أولها إلى هذا البيت: «وبالقدر المقدور أيقن، فانه دعامة عقد الدين والدين أفيح». يؤذن المؤذن، ثم نأخذ ما تيسر من مصطلح الحديث... ترجماتي فهولا ترجمة نانسي قنقر السفر البحث الحديث