شرح حائية ابن أبي داوود  14

شرح حائية ابن أبي داوود 14

الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مراتب القدر الأربع وأدلة إثباتها

يستكمل الدرس شرح باب القدر ببيان معاني ألفاظ الناظم واستعراض أدلة القرآن والسنة على إثبات القدر. ويوضح اعتقاد أهل السنة بأن القدر يشمل الأعيان والصفات وأفعال العباد، مفصلاً المراتب الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق، مع ذكر الأدلة الشرعية لكل مرتبة وكيفية الجمع بين الكتاب السابق والتقدير اللاحق.

الفرق المخالفة في القدر ومنهج أهل السنة والجماعة

يستعرض المقطع طائفتين خالفوا في القدر: القدرية (المعتزلة) الذين نفوا علم الله السابق ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، والجبرية (الجهمية) الذين غلوا في إثبات مشيئة الله ونفوا مشيئة العبد واختياره. ويبين أن مذهب أهل السنة والجماعة هو القول الوسط: أفعال العباد مخلوقة لله بمشيئته، والعباد يفعلونها بمشيئتهم واختيارهم التابع لمشيئة الله.

رد أهل السنة على الجبرية والقدرية وإثبات مشيئة العبد

يوضح المقطع أن أهل السنة جمعوا بين الأدلة فأثبتوا للعبد مشيئة واختياراً تابعين لمشيئة الله، وردوا على الجبرية بأن الثواب والعقاب والعقل والشرع يدلون على اختيار العبد، وعلى القدرية بأن مشيئة العبد مقيدة بمشيئة الله، كما بينوا أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل بل هو مطلوب شرعاً وقدراً.

لوزام مذاهب الجبرية والقدرية ومخاطرها العقدية

يذكر المتكلم أربعة لوازم خطيرة لمذهبي الجبرية والقدرية: أولها أن القدرية تلزم بإثبات خالقين مع الله وهو شرك في الربوبية، وثانيها أن الجبرية تلزم بوصف الله بالظلم لتعذيبه العبد على فعل لم يختره، وثالثها أن كلا المذهبين يعطلان الأسباب، ورابعها أن القدرية تلزم بوصف الله بالعجز لوقوع ما لا يشاء في ملكه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإن شاء الله نكمل بعض المباحث المتعلقة بباب القدر. فقد أخذنا في الدرس الماضي بعض هذه المباحث، فأخذنا أولا شرح البيت الذي ذكره الناظم رحمه الله في قوله: "وبالقدر المخدور أيقن، فإنه دعامة عقد الدين والدين أفيحه". فذكرنا معنى هذا البيت، وعرفنا أن المراد بالقدر كما قال: "المخدور"، وما معنى القدر المخدور؟ نعم، الصادر من الله سبحانه، وقصد الرب سبحانه وتعالى. ومعنى "أيقن": يعني يعتقد اعتقادا جازما لا شك فيه. وما معنى "دعامة"؟ نعم، عماد وأساس البناء، قالوا له: دعامة. و"عقد": ما معنى "عقد"؟ نعم، العقد بكسر العين هي القلادة التي فيها عدة حلق منتظمة ومرتبة. ومعنى ذلك أن الدين عبارة عن أعمال كثيرة وطاعات عديدة، ومنها ما هو دعامة، ومنها ما هو دون ذلك. فالقدر من الدعائم، أو مما هو دون ذلك من الدعائم، فهو ركن من أركان الإيمان، لا يقوم الدين إلا بالإيمان بالقدر. وأخذنا في ذلك بعض الآثار عن السلف رحمهم الله تعالى: "كل شيء بقدر". وليس كذلك "كل شيء بقدر" حتى وضعك كفك على خدك، وحتى العجز والكيس، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. ما هو الكيس؟ ما هو الكيس؟ مش الكيس، انتبه: الكيس بفتح الكاف. نعم، أحسنت، الله أرك الله. هو عكس وضد العجز، يعني ضد الكسل وعدم الجد في إنجاز العمل. وكل شيء بقدر، وقد وردت الأدلة الكثيرة من القرآن على إثبات القدر، وأن كل شيء بقدر. من يذكر لنا بعض الآيات؟ عندك آيات فيها إثبات القدر وأن كل شيء بقدر؟ آيات كثيرة: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾. أحسنت. كل شيء، آية أخرى؟ نعم، ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾. فهذه الأدلة كلها تدل على إثبات القدر، وأن كل شيء بقدر الله. ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ هذا في المطر، هذا في المطر، وكل شيء بقدر. وأهل السنة والجماعة، ما هو اعتقادهم في باب القدر؟ أن كل شيء بقدر: الأعيان والصفات. ما معنى الأعيان والصفات؟ نعم، عندك ما معنى الأعيان والصفات؟ لأن بعض الضلال خالفوا بهذا، فأثبتوا الأعيان دون الصفات. نعم، وأفعال العباد. الصفات بمعنى أفعال العباد. فخلق العباد وخلق أعمالهم من الحركات والسكنات وجميع الأعمال التي يقومون بها فهي بقدر، وهي من الله، وليست من تلقاء أنفسهم. وهذا سيأتي معنا في الرد على الفرق التي خالفت في هذا الباب. وذكرنا أن مراتب القدر أربعة مع ذكر أدلتها. المرتبة الأولى: العلم الأزلي، وأن الله عز وجل أحاط بكل شيء علما، وأنه علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وأخذنا على ذلك أدلة كثيرة. من يستحضر هذا الباب، لو تحفظ أدلته، فإنه من أسباب زيادة الإيمان. فتحفظ القدر بأدلته. ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. وهناك آية ذكرناها فيها أن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. من يذكر هذه الآية؟ آية أوضح من هذا. نعم، لا، لن... نعم، من يستحضرها؟ ذكرناها وشرحناها: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾. الله عز وجل يعلم أن ما فيهم خير، وهذا علم سابق. طيب، ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾ وهذا لم يقع. هل أسمعهم؟ هل أسمعهم؟ ما أسمعهم. فهو يعلم أنه لو أسمعهم لتولوا، فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. واضح هذا الآن. والأدلة على إثبات العلم كثيرة جدا. المرتبة الثانية: نعم، الكتابة. دليلها من القرآن أن الله عز وجل كتب كل شيء كائن إلى قيام الساعة. نعم، أحسنت: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾. وكل صغير وكبير... وما أمرنا إلا واحدة... لا، الآية: ﴿ وَكُلٌّ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ مُّسْتَطَرٌ ﴾. نعم، دليل آخر عندك؟ ما دل... كثير من القرآن. آية جامعة العلم والكتابة في سورة الحج. جامعة العلم والكتابة، جامعة المرتبتين، ما هي؟ نعم: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ﴾. في بداية الآية قال: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، هذا إثبات مرتبة العلم. ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ﴾، هذا مرتبة الكتاب. آية أخرى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾. ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾. وفيه إثبات كذلك الكتابة. ومن السنة: حديثان، حديث عبد الله بن عمر، وحديث عبادة بن الصامت. أحدهم في مسلم، والآخر عند أحمد والترمذي. فحديث عبد الله بن عمر... هذا حديث... من عبادة: أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة. وحديث عبد الله بن عمر: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء». فهذا أيضا فيه إثبات الكتابة. طيب، كيف تقول: إن الله عز وجل قد كتب كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وجاء في حديث عبد الله بن مسعود أن رزقا وأجل وعملا وشقاوة وسعادة، هذا الجنين تكتب وهو في بطن أمه، وهو في بطن أمه، وكيف تدخل أن الكتاب سابقة؟ فما هو الجمع؟ نعم، عندك: هذا على وجه التفصيل، الذي يكون في بطن الأم، الجنين، هذا على وجه التفصيل، وهو مأخوذ مما قد كتب في الكتاب السابقة في اللوح المحفوظ. ومثل ذلك ما يكون من التقدير في ليلة القدر، التقدير السنوي، فهذا أيضا على وجه التفصيل، وهو مأخوذ من الكتاب السابقة. وهذا الآن يجمع بين الأدلة بهذا الجمع. المرتبة الثالثة: عندك يا أخي المشيئة. دليلها: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. أحسنت. دليل آخر: المشيئة بمعنى كذلك الإرادة. ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. قال الله عز وجل في كتابه الكريم. الآية: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. نعم، وأيضا قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْعُلُ مَا يُرِيدُ ﴾. كل هذا من أدلة المشيئة. ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَاقْتَتَلُوا ﴾، هذا فيها أيضا إثبات المشيئة. ومعنى حديث ابن عباس أيضا فيه إثبات المشيئة. وذكرنا أبياتا للإمام الشافعي، يا حبذا لو تحفظ. رابعا: الإيمان بماذا؟ المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد. ودليله: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، ﴿ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾، ﴿ وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾. كل هذه من أدلة هذه المرتبة. بقي بعض المباحث في باب القدر. من باب الفائدة، إن شاء الله نذكرها، لأن بعض الشرح ذكرها، فهو من باب الفائدة، إن شاء الله، وإلا فما تقدم من شرح فيه كفاية. ولكن من باب الفائدة، ومن باب حصر هذا الموضوع ومسائله، فمن المسائل التي تذكر: المخالفون في باب القدر، خالف في هذا الباب طائفتان، والعجيب أنهما متناقضتان. الطائفة الأولى: القدرية النفاة، القدرية النفاة. والطائفة الثانية: الجبرية. والقدرية هم الذين نفوا، نفوا القدر، نفوا القدر، وقالوا: إن الأمر أنف. ومعنى "الأمر أنف": يعني الإنسان يخلق أفعال نفسه، وليس هناك علم سابق، وإنما يكون العمل أو القدر عند العمل، عند عمل هذا الإنسان، عند عمل هذا الإنسان. والمعتزلة هم الذين رفعوا شعار هذه الفرقة. فالمعتزلة في باب القدر نفوه، فقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه. قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، وإن الأمر أنف. ومعنى "أنف" كما تقدم: لم يقدره الله، لم يقدره الله، وإنما وجد هذا العمل استقلالا من فعل هذا الإنسان، استقلالا من فعل هذا الإنسان. فقالوا: ليس لله فيه إرادة ولا مشيئة. فنفوا علم الله، ونفوا كذلك الكتابة. وأول من أظهر هذا المذهب بالبصرة: معبد الجهني، كما في صحيح مسلم، في أثر ابن عمر. لما جاءوا هؤلاء الذين تأثروا ربما بهذا المذهب، فجاءوا مسترشدين، فرجعوا عن مقولتهم، فذكروا أن معبد الجهني هو الذي يقول هذا في البصرة. ولكن الذي نشر هذا المذهب وأصل له ودافع عنه: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، الذين اعتزلوا حلقة الحسن البصري، الإمام المشهور، خالفهم في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل، فاعتزلوا مجلسه، وخالفوا وجانبوا مذهب أهل السنة والجماعة. سموا... وقال العلماء: إن هؤلاء الغلاة الذين ينكرون المراتب الأربع انقرضوا في هذا الزمان، ما يكاد يوجد منهم أحد، انقرضوا. ولكن بقي منهم خلف يثبتون العلم والكتابة، ولكن ينكرون المشيئة والإيجاد. وقد تقدم معنا أنه لا يمكن أن يؤمن مؤمن بالقدر إلا إذا استوفى هذه المراتب الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فالقدرية الأوائل كانوا ينكرون القدر جملة وتفصيلا، يعني المراتب الأربع، ويقولون: الأمر أنف، معناها: ليس هناك علم سابق، ولا كتابة، ولا شيء من هذه المراتب. وهذا كما ذكر بعض أهل العلم: أنهم كادوا أن لا يوجدوا في هذا الزمان. ولكن وجد خلف لهم، وجد خلف لهم، أثبتوا العلم والكتاب، وأنكروا المشيئة والخلق، وأنكروا المشيئة والخلق. فماذا يقولون هؤلاء المتأخرون؟ يقولون: إن الله علم فعل الأشياء وكتبها، ولكنه لم يشأه ولم يوجده، وإنما خلقه الإنسان. وهذا ما تقدم معنا: أنهم يثبتون، يثبتون خلق الله عز وجل لعين هذه المخلوقات، لا لصفاتها، لا لصفاتها. فهم يقولون: نعم، الإنسان قدره الله وخلقه الله، لكن أفعال الإنسان من كلام أو مشي أو سعي أو حركة، هذا الإنسان هو الذي خلق هذه الحركات، هو الذي خلق هذه الحركات، وقدرها الإنسان بنفسه. فهذا غلو في نفي القدر، نفي القدر عن الله عز وجل، وأثبتوه لمن؟ وأثبتوه للإنسان. ولذلك جاء حديث، بصحه العلامة الألباني، رواه أبو داود واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة، أن النبي عليه الصلاة والسلام سمى القدرية: «مجوس هذه الأمة»، مجوس هذه الأمة. لماذا سماهم مجوس؟ لأن المجوس يثبتون إلهين: إله للخير، وإله للشر. صح، إله للخير وإله للشر. صح. والقدرية شابهوا هؤلاء المجوس في إثبات خالقين في باب القدر. صح. قالوا: عين الإنسان خلقه الله، وأفعاله هو الذي خلقها. فهم جعلوا... جعلوا هناك مخلوقين كثيرين؟ صح، مع الله عز وجل، فهم أثبتوا أكثر من مخلوق؟ ها، أكثر من خالق. كيف أكثر من خالق؟ أكثر من خالق. خالق، خالق مفرد. إيش، إيش، جمع خالق؟ مخلوق، مخلوقين. فهمت؟ خالق واحد، تمام. وجماعة الخالق، مخلوقين، هكذا، خالقين، عفوا. نعم، أحسنت: خالقين. أنا قلت مخلوقين، لا، خالقين، جمع خالق: خالقين. فهم أثبتوا مع الله عز وجل خالقين كثيرين. فقالوا: يا فلان، أنت تخرج وتدخل وتتكلم، هذه الأفعال أنت الذي خلقتها، ليست بقدر الله، ليست بمشيئة الله، وإنما هي بمشيئة الإنسان نفسها، بمشيئة الإنسان نفسها. واضح هذا الآن؟ فلذلك شبه بماذا؟ شبه بالمجوس. شبه بالمجوس. هذه فرقة القدرية الذين خالفوا في هذا الباب. الفرقة الأخرى التي خالفت في هذا الباب، باب القدر: الجبرية. وهي من اسمها، لماذا سميت جبرية؟ لأنهم جعلوا المخلوق مجبورا على عمله، ليست له مشيئة مطلقا، فهو عندهم مثل الريشة في مهب الريح، ومثل الميت بين يدي المغسل، ومثل الجنازة على أكتاف الرجال. فهم عندهم أن الإنسان ليست له إرادة ولا اختيار ولا مشيئة. فغلوا في ماذا؟ غلوا في إثبات إرادة الله عز وجل، في إثبات إرادة الله ومشيئة الله سبحانه وتعالى، ونفوا مشيئة واختيار العبد، ونفوا مشيئة واختيار العبد. وهذا على نقيض قول القدرية المعتزلة. والجبرية الذين قالوا بهذا القول هم الجهمية، أتباع الجهم بن صفوان، فهو الذي قال بذلك، وتبعه هؤلاء الأتباع. فهم غلوا في نفي إرادة ومشيئة العبد، والمعتزلة غلوا في ماذا؟ غلوا في إثبات المشيئة للعبد. أولئك غلوا في نفي المشيئة عن الله، وهؤلاء غلوا في إثبات المشيئة لله. فهمتم؟ القدرية غلوا في نفي المشيئة عن الله، وأثبتوها للعبد. والجبرية غلوا في إثبات المشيئة لله، ونفيها عن العبد، ونفيها عن العبد. والمذهب الحق: مذهب أهل السنة والجماعة، وهو القول الوسط. أن أهل السنة قالوا: كل شيء فهو بقضاء الله وقدره، ومنها أفعال العباد. أفعال العباد بمشيئة الله، فهي مخلوق لله، وهي كذلك فعل العبد، يفعل هذه الأفعال والأعمال بمشيئته وإرادته واختياره، لأن العبد له مشيئة وله اختيار. فمثلا: هذا الكأس، أنا أخذته الآن، هذا الأخذ بمشيئتي، أو ليس بمشيئتي؟ لكن لولا أن الله شاء أنني أخذ هذا الكأس، لما أخذته. فمشيئتي تابعة لما شاءه الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. لو لم يشأ الله أني أخذ هذا الكأس، لما أخذته. فأفهمتم هذا الآن؟ أنت الآن سافرت بإرادتك، يمكن أنك ما تسافر، يمكن أنك تسافر. صح؟ فإذا سافرت، هذا بإرادتك، صح، بمشيئتك. لكن لولا مشيئة الله عز وجل، لما سافرت. فالله عز وجل هو شاء لك ذلك، فأنت فعلته، فأنت فعلته. لكن مذهب الجبرية: أنني لما أخذت هذا الكأس، هذا ليس بمشيئتي، ليست لي مشيئة ولا إرادة، أنا مجبور على أخذ هذا، ليست لي مشيئة ولا إرادة. وأما القدرية المعتزلة، فماذا يقولون؟ لما أخذ هذا الكأس، يقولون: هذا ما شاءه الله، أنت الذي شئت أيها المخلوق، أنت أوجدت هذا الفعل. انظروا إلى الضلال. هذا ضلال. كلا الطائفتين ضلت في هذا الباب. لكن أهل السنة والجماعة وفقوا للجمع بين الأدلة. فقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. فالإنسان له اختيار، الإنسان له اختيار. نعم، بعض الأفعال ليس له اختيار، لأنه يعني مسير فيها من الله، مثل المصائب مثلا: انقلبت السيارة، هل أنت شئت هذا؟ هل أنت تريد أن تنقلب السيارة؟ لا، ما تريد أن تنقلب السيارة. فالله عز وجل شاء ذلك، فوقع هذا الشيء. وإذن، إذا سئلت من الجبري، وقال لك: هل أنت مسير أو مخير؟ فيكون الجواب: في بعض الأعمال أنا مسير، وفي بعض أنا مخير. فهذا الفعل أنا مخير فيه، لكن بعض الأعمال ليس لي خيار فيها، فهي من الله سبحانه وتعالى شاءها فوقعت كما شاء سبحانه وتعالى. فأنتم هذا الآن... أيها... فما ذهب إليه أهل السنة، كما ذكرنا، أن العبد لا يستقل بالمشيئة كما تقوله القدرية، وإنما مشيئته تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن العبد العامل يثاب ويعاقب. لو كان مجبورا، لكان عقابه ظلم له. كيف يعاقب على شيء هو مجبور عليه؟ فهمتم هذا الآن؟ فمما يدل على أن للإنسان اختيارا ومشيئة: أن العبد يثاب على الطاعات، ويعاقب على المعاصي والسيئات، ويعاقب على المعاصي والسيئات. فلو كان مجبورا، كيف يعاقب على شيء ليس له فيه اختيار ولا مشيئة ولا إرادة؟ ولذلك، إذا فعل الإنسان شيء من غير مشيئة ولا إرادة، لا يعاقب عليه، مثل المجنون. ها، لو أن مجنونا شرب الخمر، هل سيعاقبه الله على هذا؟ لا، لأنه فعل هذا ليس باختيار، هو مجنون، وقد رفع القلم عنه. وكذلك المضطر: إنسان مضطر، لو أن إنسان حمل ثم رمي به على إنسان آخر، فهذا الإنسان تضرر إما بموت وإما بجرح وألم. هل هذا الإنسان الذي حمل عليه عليه عقوبة؟ ما عليه عقوبة، لأن ما هو الذي جاء فوق هذا الإنسان، إنما اضطر اضطرارا، حمل حتى رمي به. ومثل ذلك كذلك: لو قيد ثم فتح فمه وأدخل الحرام إلى جوفه من خمر أو ميتة أو نحو ذلك، فلا إثم على هذا. صح؟ ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾، ليس فيه إثم. واضح هذا الآن؟ فإذن، مما يدل على فساد قول الجبرية: أن الله عز وجل يثيب الطائع ويعاقب العاصي، ولو كان الإنسان مجبورا، لما عاقبه الله سبحانه وتعالى. فأفعال العباد من ناحية الفعل فهي أفعال العباد، ومن ناحية القدر فهي مقدرة. من ناحية أن الإنسان يعمل، نعم، هذا فعل الإنسان، لكن بقدر الله، ليس بخلق هذا الإنسان، وبقدر هذا الإنسان. أفهمتم هذا الآن؟ وفي الحقيقة، الجبرية لا يطبقون هذا المذهب الذي يقولونه في كل الأشياء. فيقال لهذا الجبري: أرأيت لو أن إنسان أخذ حجرا ورمى رأسك أيها الجبري، حتى اشترخ هذا الرأس وتطاير منه الدماء، فأنت ستغضب أو ما ستغضب أيها الجبري؟ سيغضب الجبري. فيأتي عند هذا، يقولون: لا، لا، لا، أنا مجبور على هذا الفعل، لا تلمني، هذا أمر قدره الله عليه، مجبور عليه. إذن اعذرني. هل سيعدره؟ آه، ما سيعدره. هذا يدل على بطلان هذا المذهب، على بطلان هذا المذهب. وكما يقول العلماء: هذا فيه تناقض، والتناقض دليل فساد المذهب. ولهذا قال بعض أهل العلم لأحد هؤلاء الجبرية: قال له: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري. كيف؟ عند الطاعة قدري، يعني: إذا فعل الطاعة، قلت: هذا بقدر الله، فعلت هذه الطاعة. لكن إذا عصى الله، وقل له: كيف عصيت الله؟ يقول: هذا مجبور عليه. عند المعصية جبري، ينقلب جبري. لكن عند الطاعة يقول: هذا بقدر الله، وهذا بمشيئة الله. هذا مما يدل على ضلال هذه الطائفة. ويرد على الفرقتين بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ ﴾، هذا فيه إثبات المشيئة للخلق، ففيه رد على الجبرية. ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾، أثبت الله عز وجل المشيئة للخلق. صح. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾، هذا فيه رد على ماذا؟ على القدرية الذين ينفون القدر عن الله سبحانه وتعالى في أفعال العباد، في أفعال العباد. لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾، فقيد مشيئة العباد بمشيئته، فهي تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. ولا تنافي بين الإيمان بالقدر وبين الأخذ بالأسباب. وهذا من المنزلقات الخطيرة التي وقعت فيها المرجئة. فلما قالوا بالجبر، عطلوا الأسباب، وقالوا: إذن لماذا نعمل ونحن مجبورون على تلك الأعمال؟ نحن مجبورون على أعمالنا، فإذن لماذا نعمل؟ لا ينفع يعني مع الإيمان طاعة، ولا تضر معصية. فعطلوا ماذا؟ عطلوا الأسباب. وهذا يرد... ترد أحاديث كثيرة، منها قول النبي عليه الصلاة والسلام: لما قالوا الصحابة: «فلما العمل يا رسول الله؟» فماذا رد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. من كان من أهل السعادة، فإنه سييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة». فلا بد من اتخاذ الأسباب. وهذا أيضا مما يرد على هؤلاء. فلو أن إنسان يعمل من أجل أن يتحصل على راتب أو على مال كي يصرفه على نفسه وأهله، فيقال له: لماذا تعمل؟ رزق ما كتب لك سيأتيك. إذن لماذا تعمل؟ هل سيقتنع بهذا الكلام؟ ما سيقتنع. ما سيأتيه شيء. صح، ما سيأتيه شيء. فهذا أيضا مما يرد قولهم. بل إن أخذ الأسباب حتى من البهائم والطيور مطلوبة، كما جاء في حديث عمر: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». هذا الطير، ما جلست في عشها وجاءها الرزق إلى هذا العش، تخرج من الصباح وتبحث عن رزقها، تتخذ الأسباب. فهذا فيه رد على المرجئة. وهذا أيضا، الأخذ بالأسباب فيه رد على القدرية، لأن القدرية ماذا يقولون؟ يقولون: إن الإنسان هو الذي يخلق أفعال نفسه، هو الذي يخلق أفعال نفسه. فتعلقوا بالسبب، لأن الإنسان هذا الذي يخلق فعل نفسه، معناه يخلق الأسباب التي يسلكها، التي يسلكها. فلذلك لا يجوز التعلق بالسبب، فإن التعلق بالسبب قد يؤدي إلى الشرك. التعلق بالسبب قد يؤدي إلى الشرك. لأن المسبب هو الله، المسبب هو الله. فأنت تفعل السبب، وتعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى. فإن حصلت النتيجة، حمدت الله. وإن لم تحصل النتيجة المطلوبة، فإنك ترضى وتسلم بما قدر الله. لكن القدري ما يرضى، يسلم بما قدر الله، لأنه جعل السبب من فعل الإنسان نفسه، فهو يتعلق بهذا السبب. فلما وقعوا في ذلك، وقعوا في هذه اللوازم الخطيرة. ولذلك ذكر أهل العلم أن على مذهب القدرية والجبرية تترتب أمور خطيرة، تترتب أمور خطيرة. ذكروا أربعة أمور يلزم منها، يعني هذه الأمور الخطيرة على مذهب الجبرية والقدرية: أولها: يلزم على مذهب القدرية إثبات خالقين مع الله، إثبات خالقين مع الله. وهذا شرك في ماذا؟ في الربوبية. كما تقدم، لأنهم جعلوا الإنسان هو يخلق فعل نفسه. وهذا أمر خطير. وأيضا يلزم على مذهب الجبرية: وصف الله بالظلم. من أي جهة؟ كيف يعذب الله العباد على شيء لم يفعله، بل فعله الله؟ لأنهم يقولون: الإنسان ليس له إرادة ولا مشيئة، بل هو مجبور. فكيف يعذب الله عز وجل هذا العاصي وهو لم يعص بإرادته؟ أليس هذا فيه وصف الله عز وجل بالظلم؟ بلى، هذا لازم خطير. ومن اللوازم أيضا، كما تقدم: يلزم على المذهب القدرية والجبرية تعطيل الأسباب، وأن يقال: ما دام إنه قضى وقدر، فأنا أجلس، والمقدر سيأتيني. أو كذلك التعلق بالسبب، تعطيل الأسباب، وهكذا التعلق بالسبب، كما تقدم. لأن الإنسان هو الذي يخلق هذا السبب، فيتعلق به. ويلزم أيضا على مذهبهم محظور كبير وخطير: وهو تعجيز الله. من أي جهة؟ لأن القدرية بقولهم: إن الإنسان يخلق فعل نفسه، فيه وصف الله عز وجل بالتعجيز، وأن الله يكون في ملكه وفي كونه ما لا يريد ولا يشاء. وهذا وصف لله بالعجز، وهذا وصف لله بالعجز. لأن القدرية ماذا يقولون؟ يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يشاء ما يفعله الإنسان، ولا يريده، بل الإنسان الذي يريد