شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 2

شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 2

الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نعمة الفراغ وأهميتها

يشرح هذا الفصل مفهوم نعمة الفراغ وأهميتها، وكيف أن الكثيرين يخسرون هذه النعمة. يشير إلى أن الفراغ هو وجود وقت للقيام بما يحلو للمرء.

اغتنام الفراغ في طاعة الله

يتناول هذا الفصل ضرورة اغتنام الفراغ في طاعة الله وعبادته، ويحذر من تضييع هذه النعمة. يشير إلى أن الإنسان سيندم يوم القيامة على الأوقات الضائعة.

استغلال الأوقات الفارغة

يقدم هذا الفصل نصائح لاستغلال الأوقات الفارغة في طاعة الله من خلال الأعمال الصالحة مثل طلب العلم وذكر الله. يشير إلى أن هذه الأعمال تحقق أجرًا كبيرًا.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يختم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله الناس بما قيل ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان الشروع في شرح حديث ابن عباس، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، وذكرنا أن من فوائد هذا الحديث أولًا: فيه بيان لعظيم هذه النعم المذكورات، وهي خمس نعم، وفيه ثانيًا: ما ينبغي أن تستغل به هذه النعم فيما يعود إلى طاعة الله وإلى مرضاة الله. وثالثًا: ذكرنا أن في هذا الحديث إشارة إلى أن النعم لا تدوم بحال، ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: ﴿اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك﴾، فالنعمة قابلة للزوال. فنبدأ إخواني في الله في ذكر هذه النعم، وفي هذا المقام من أوائل ما نبتدأ به من هذه المذكورات ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «اغتنم فراغك قبل شغلك»، نعمة الفراغ نعمة عظيمة، والفراغ كما قال العلماء هو أنك تجد من وقتك بفعل ما يحلو لك، هذا هو الفراغ، أن تجد من وقتك بفعل ما تريد. إذا وجدت أنك بهذه المثابة، بهذه الصورة، إذن اعلم أنك فارغ، وأن عندك وقت فراغ، وقت مقطع تفعل ما تريد وتشتهي، إذن هذا هو الفراغ بعينك. وهذا الفراغ إخواني في الله هو من أعظم النعم، بدليل ما سبق، وأيضًا لما رواه الإمام البخاري في صحيحه من طريق داود بن أبي هند عن ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، قوله عليه الصلاة والسلام: «نعمتان» قال العلماء: بمعنى نعمتان عظيمتان، ولهذا نكرة «نعمتان عظيمتان»، ما بهما مغبون فيهما الغبن بمعنى الخسارة، يخسر فيهما لأن أصل الغبن هو أنك تأتي ببضاعة تبيعها بأرخص الأثمان، أنت خاسر فيها مغبون فيهما. وهذا حال من هذا الذي أعطاه الله هاتين النعمتين يخسر فيهما كثير من الناس، ما يستفيد منهما الصحة وسيأتي معنا لاحقًا، والفراغ وهذا هو مقامنا، الفراغ نعمة من أعظم النعم. ومع هذه النعمة العظمى إلا أن الكثير منا لم يرفع بها رأسًا. إخواني في الله، الغبن والخديعة سنشعر بها، لكن متى؟ في موطنين، سنشعر بعظيمي الخسارة في نعمة الصحة، أو قل في نعمة الفراغ، في موطنين: الموطن الأول إلى الانتقال إلى الدار الآخرة، إذا انتقلنا إلى يوم القيامة، وكشف لنا الحجاب ورفع لنا الحساب، حينها سنعض على أصابع الندم على ما مضى وفات من أوقات ومن ساعات ما استغلت أبدًا. حتى أن الواحد منا يقول: «رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا»، يتمنى الواحد فيها أن يرجع إلى هذه الدنيا فقط لكي يصلي ركعتين، حسبه أن يصلي ركعتين في هذه الدنيا، لن يفكر بأهل ولا بعيال ولا بمال ولا بشيء، يفكر بعد ما يرى ما يرى من عذاب الله ومن حساب الله ومن أهوال القيامة وما يكون في البرزخ والقبر من ضم وشدة: «رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا»، يتمنى أن يرجع لكي يصلي ركعتين أو ينفق مالًا أو يصل رحما، لكن هيهات الرجوع. هذا الموطن الأول حين سنشعر بخسارة الفراغ، والموطن الثاني الذي جاء ذكره في هذا الحديث وهو عند الاشتغال، عندما تأتيك المشغلات وتأتيك الأعمال وتأتيك الأشغال التي تمنع عنك الفراغ. بالأمس كنت فارغ، كنت تنظر في الساعة متى ستمر الساعة الرابعة ومتى ستأتي المغرب، متى سيأتي كذا، عندك وقت فراغ طويل ما تدري كيف ينقضي، ما تدري كيف ينضي عليك. لكن ستأتي لك الأزمان بالأشغال، ستكبر يكون عندك عمل، يكون عندك أهل، يكون عندك أسرة، تكون مسؤول، تكون عليك أشياء تحمل على عاتقك، حتى أنك تختنق، تريد أنك برها من الزمن برها لأن تقرأ فيها قرآنًا، والله ما تستطيع لكثرة المشاغل. ها نحن نسأل بعض الناس: «وانك يا فلان عن باب الطاعة وعن عبادك؟» يقول: «يا أخي أنا وين؟ أنا مشغول في يومي وليلتي ما أستطيع»، بل ربما بعض ما يتفرق حتى لأهله، يبدأ الدوام من الصباح إلى قبيل العصر، ما إن يتغدى ويرتاح، ثم ينهض من العصر إلى آخر الليل، ما يستطيع، هذا شغله وعمله. إذن حينها سيتندم على ما مضى من أوقات مضت عليه سدى، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، «اغتنم فراغًا قبل شغلك»، قبل أن تأتيك المشاغل فتندم. فإذن الإنسان يغبن، وسيعرف معنى الغبن والخسارة بنعمة الفراغ في موطنين: إذا انتقل إلى الدار الآخرة، أو في الدنيا إذا جاءته المشاغل والأعمال. إخواني في الله، الفراغ هذه النعمة العظيمة ينبغي أن تغتنم كما قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم فراغك». ومن أعظم ما يغتنم به الفراغ أن يغتنم في طاعة الله وفي عبادة الله، قال ربنا جل في علا: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾، قال المفسرون: أي إذا فرغت من أعمالك ومن أشغالك ومما يربطك في هذه الدنيا فتفرغت فانتصب لمن؟ لله، انتصب لله قائمًا مصليًا ذاكرًا عابدًا تاليًا، هذا الذي يذهب به الفراغ. إخواني في الله، لا أن يذهب الفراغ إلى التسكع في الطرقات أو الجلوس في اللقاءات العبثية، تمضي علينا الساعات تلو الساعات، الله أعلم بما تمضي، بل ربما لا أقول بلا فائدة، بل ربما بما أضرتنا في حياتنا الدنيا وفي الآخرة. ولن عبر إخواني في الله أن المسلم عليه أن يعتبر في أهمية الفراغ، وأن من أعظم ما نبتل به في هذا الفراغ أنه لن يمضي إن مضى علينا سدى، لكن عند الله لن يمضي، سيحاسبنا الله عز وجل على كل دقيقة مرت علينا، ولهذا ينبغي أن يعد الإنسان حسابًا لهذه الأوقات التي تمر عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «ما من رجل يقعد مقعدًا لا يذكر الله فيه إلا كان عليه تيره يوم القيامة»، تيره بمعنى حسرة، «وما من رجل يضجع مضجعًا لا يذكر الله فيه إلا كان عليه تيره يوم القيامة»، «وما من رجل يمشي ممشى لا يذكر الله فيه إلا كان عليه تيره يوم القيامة»، تأمل يا عبد الله إلى هذه المواطن التي تنقضي علينا. تجلس مجلسًا من العصر كما تفعل هذه الصحبة والزمالة مع أصحابك في المقهى في المكان في الدكة من الرابعة إلى المغرب، هذا مجلس، أو في الليل من بعد العشاء إلى جنح الظلام، هذا مجلس، «ما من رجل جلس مجلسًا قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تيره»، فقط جلوسك عبثي هذا يا عبد الله حسرة عليك يوم القيامة. ومثله من الضجع، نام وكم ننام الساعات الطوال بلا أذكار، هذا المجلس هذا المضجع سيكون حسرة عليك يوم القيامة، أو تمشي ممشى، ممشى على القدمين، ممشى في سيارتك، ممشى في سفرك، تنقضي عليك الساعات في ممشاك ولم تذكر الله فيه إلا كان عليك تيره، أي حسرة يوم القيامة. تأمل الآن إلى عظيم الحسارات التي سنقع فيها يوم أن نلقى ربنا عز وجل على مضي هذه الأحوال، وهذا في الأحوال، وهكذا قل في الأقوال، قال ربنا جل وعلا: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. وقد كان إخواني في الله من شأن سلفنا الصالح أنهم يهتمون بأوقاتهم، فما تمضي عليهم سدى، مثال ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجلس، فبينما كان مع أصحابه طرح سؤالًا، وهذا السؤال من غير سابق إنذار، قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر صديق: «أنا يا رسول الله»، قال: «فمن أطعم مسكينًا؟» قال أبو بكر: «أنا يا رسول الله»، قال: «فمن عاد مريضًا؟» قال أبو بكر: «أنا يا رسول الله»، قال: «فمن اتبع جنازة اليوم؟» قال أبو بكر: «أنا يا رسول الله»، سبحان الله أطعم وتبع جنازة وعاد مريضًا وكان صائمًا، هكذا حياته من أولها إلى آخرها من نهاره إلى ليله وهو في عمل دؤوب مع ربه. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا أدخله الله الجنة»، الشاهد من هذا حرص السلف دائمًا هنا عمل وهنا عمل وهنا عمل، فينبغي إخواني في الله أن تستغل الأوقات في طاعة الله جل وعلا، والأعمال كثيرة وبعضها سهل جدًا. لكن العجز، فمما أحب أن أذكره من هذه الأعمال إخواني في الله ما يكون من طلب العلم، هذا المجلس مثلًا من مجالس طلب العلم الذي قال لصاحبه في نهاية المجلس: «قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات»، سبحان الله مجلس ما يستغرق منك كثيرًا، لا مال ولا جهد، حسبك أنك تجلس وأنك تستمع وأنك تنوي الاستفادة، فإذ بهذا النداء في كل مجلس. فتخيل عدة مجالس في يوم واحد، تخيل في كل مجلس في كل يوم مجلس: «قوموا مغفورًا لكم، قوموا مغفورًا لكم، قوموا مغفورًا لكم»، ومع ذلك تجد أن الناس في زهد عن هذا. ومن طلب العلم ما تسمعه سواء كان عبر أثير الإذاعة أو عبر الصوتيات، فتستمع إلى محاضرة أو تستمع إلى قرآن أو تستمع إلى موعظة، ثم تستمع وتعيه، هذا من طلب العلم تؤجر عليه العبد الله الأجر الكثير، وهي عمل ميسور تستغل به الأوقات. كذلك مثله ذكر الله جل وعلا، «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، من يأتي بها؟ أنظر لعظيم الأجر وما أسهلها، ما تستغرق منك وقتًا ولا تستنزف منك مالًا، «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، ولأن أقول: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» خير مما طلعت عليه الشمس، أجور حظيمة وأعمال يسيرة تستغل بها الأوقات. إذا كان صعب عليك أن تقوم الليل أو أن تصوم النهار أو أنك تنفق الأموال، استغلها يا عبد الله في ذكر الله. ومما أختم به هذا المقام إخواني في الله من الأعمال التي تعين جدًا في استغلال الأوقات تفعيل النية، اجعل النية دائمًا معك، افعلها ما تعمل عمل إلا وأنت تنوي من هذا العمل وجه الله، أي عمل حتى في الأمور المباحة في أمور العادات في الأمور الضرورية. تأكل أنوي بهذا الأكل القرب إلى الله بأنك تتقوى على طاعة الله، أردت أن تشرب أنوي بشرابك هذا أنك تتقوى وأنك بتم هذا الجسد في طاعة الله جل وعلا، ذهبت إلى أي مكان أهلك، خذ يا فلان هذا المال نريد حاجيات من السوق خضرة أو فاكهة، أنوي أنك في ذهابك وشرائك أنك تقضي حوائج أهلك التي أمر الله بها، فيه يكون هذا المشوار أجر وعافية، أجر وحسنات. حتى في نومك أردت أن تنام احتسب الأجر، ولهذا ثبت في صحيح مسلم من كلام معاذ بن جبل قال: «إني والله لا أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»، أنا أحتسب الأجر في إيش؟ حتى في النوم، لما أنام أحتسب الأجر عند الله كما أحتسب الأجر إذا قمت وقيام الليل، فهذا أجر وهذا كذلك أجر، لأنه لما ينام ينوي أن هذا النوم يعينه على طاعة الله. وهكذا يا عبد الله، فعل النية عندك زيارة لأهلك في كل خميس في كل جمعة، زيارة عائلية ودية، اجعل هذه زيارة صلة رحم، صلة رحم حتى توجر عليها، وهكذا دائمًا إذا فعلت النية تجد أن أعمالك التي تفعلها في يومك وليلتك تنقل بعبادات، تجدها عند الله جل وعلا. فالشاهد إخواني في الله أن هذه النعمة من النعم العظمى نعمة الفراغ، وكم من فراغ يمضي علينا سدى، كأصحاب المدارس تأتي عليهم الإجازات الطويلة ولا ينتفعون منها بشيء، أو أصحاب الوظائف تنقضي عليهم، أو أصحاب البحر وأصحاب البر عندما تقل عليهم الموازف فيعزفون عن العمل، فتمضي الإجازات والأوقات بما لا تعود عليهم بنفع لا في دين ولا في دنيا ولا في الآخرة. فوصيته عليه الصلاة والسلام: «اغتنم اغتنم هذه الأوقات بما يعود عليك برضى رب الأرض والسماوات». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.