شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 3

شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 3

الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نعمة الشباب واغتنامها في طاعة الله

يتناول أهمية نعمة الشباب وضرورة اغتنامها في طاعة الله وطلب العلم النافع. يشير إلى أن هذه المرحلة هي فترة القوة والاجتهاد.

أهمية العلم الشرعي والعمل الصالح

يؤكد على أهمية تعلم الشباب للعلم الشرعي وتطبيق ما تعلموه في حياتهم اليومية. ينصح بالتوازن بين طلب العلم الدنيوي والعلم الشرعي.

استغلال الشباب في العمل الصالح وجزاؤه

يشرح أن العمل الصالح يكون بأداء الطاعات وترك المحرمات، ويعد الشباب الذين يسلمون شبابهم للطاعات بالجنة. يشير إلى أن سلفنا الصالح كانوا يستغلون شبابهم في طاعة الله.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يعبر عن تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن النعمة الأولى المذكورة في حديث ابن عباس: «واغتنم فراغك قبل شغلك»، وها نحن في مجلسنا الثاني نستعرض وإياكم نعمة أخرى مذكورة في هذا الحديث، وهما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «واغتنم شبابك قبل هرمك». نعمة الشباب، إخواني في الله، من النعم العظيمة، ومن المنن الجليلة التي تمر بالإنسان متى ما طال الله في عمره، فيمر بمرحلة الشبيبة، مرحلة الشباب، وهي فترة الجد والإجتهاد، البذل والعطاء، مرحلة الفتوة والقوة. فما شيدت البلدان، وما عمرت الأوطان إلا على سواعد الشبان، بل قال ربنا عز وجل: ﴿الله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾، فهذه مراحل الإنسان، المرحلة الوسط هي مرحلة الشباب، كما قال العلماء، وهي مرحلة القوة. ولعظيم هذه الفترة الزمنية من حياة الإنسان، فإن الله عز وجل قد أعد لنا فيها سؤالا سنسأل عنه يوم القيامة، كما ثبت ذلك في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». سن الشباب سيسألنا ربنا عز وجل عن هذا السن فيما مضى، وأين انقضى فيما ذهب، وأين ولى. إخواني في الله، في هذا الحديث العظيم يشير نبينا صلى الله عليه وسلم إلى عظيم نعمة الشباب، ثم أمر باستغلالها، فقال: «واغتنم شبابك». وإن من أعظم ما تغتنم به هذه الأعمار وهذه المرحلة من مراحل الإنسان أن تغتنم في طاعة الله. كما ذكرنا ذلك في الدرس الأول، وهنا أحب أن أشير إلى مسلكين عظيمين بهما يكون اغتنام الشباب، وهو من أعظم ما تغتنم به هذه المرحلة الزمنية، تغتنم بالعلم النافع وبالعمل الصالح. بالعلم النافع والعمل الصالح. أولا، العلم النافع، الذي أعنيه بالعلم النافع هو علم الكتاب والسنة، المبني على «قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام»، هذا هو العلم الذي أمر الله به وندب إليه وحض عليه ورغب فيه جل في علا. وإن من عظيمي منافع العلوم أنها تعود إلى الإنسان إلى تهذيب نفسه وإلى تربيته وتزكيته، وهذا الذي يحتاج إليه الشاب في مرحلة شبابه أن يهذب نفسه. فمن أعظم ما تهذب به الأنفس بطلب العلم، ومن تأمل، إخواني في الله، إلى جيل الصحابة، هذا الجيل الرائع الذي ضرب لنا أروع الأمثلة في عظيم استقامتهم لأمر ربهم، تجد أن من أعظم أسباب استقامتهم أنهم تربوا منذ نعومة أظفارهم وفي شبابهم على طلب العلم. هكذا تربوا على طلب العلم، يقول كما جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبابة متقاربون، فمكثنا عنده عشرين ليلة». أتينا رسول الله ونحن شبابة، أي في سن الشباب. قال العلماء في شرح هذا الحديث: إنما كان مقدم هؤلاء الشباب إلى رسول الله لطلب العلم عنده، يطلبون العلم. وأيضا ثبت في السنن من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال: «كنا فتيان حزاورة، فتعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا». تأمل إلى حديث جندب، هذا تعلموا من رسول الله الإيمان، ثم تعلموا منه القرآن، لكن أعظم من هذا متى كان ذلك؟ قال: «ونحن فتيان حزاورة»، والحزور قال العلماء هو الغلام إذا اشتد، أي معنى عند سن الشباب. في شيء من أمرهم، ماذا كانوا؟ كانوا يدفعون بأنفسهم إلى مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلقي العلوم الشرعية، فكان هذا هم السلف في الصدر الأول. فلما تربوا على حلق العلم، ما الذي أثمر هذا؟ أثمر هذا الذي سمعناه عنهم، والذي قرأناه في تراجمهم من التنافس في الطاعات وبلوغ أعلى المنازل والدرجات، هذا من ثمرة العلم. وهنا أحب أن أنبه على مسألة ينبغي أن نهتم بها جميعا، وخاصة لمن يستمع لمثل هذه الكلمات، عندما نحث الناس على طلب العلم الشرعي، نحث الشباب على طلب العلم الشرعي، ليس من اللازم التفرغ، يقول هؤلاء يريدون أن نتفرغ ليل نهار، لا، لا ما نطلب هذا، إن تفرغت هذا فضل من الله، لكن لا يمانع أنك يا عبد الله تشق حياتك في هذه الدنيا. أنت تريد التعليم، ذهبت إلى دكتوراه، إلى مهنة الطب، إلى الهندسة، إلى التكنولوجيا، ذهبت إلى البحر، ذهبت إلى البر، ذهبت إلى الزراعة، ذهبت إلى المهنة، ذهبت إلى القيادة، إلى السواقة، اذهب، اذهب حيث شئت في باب العلم والتعليم، أي ما أردت، لكن لا تنأى عن العلم الشرعي، ولو بيسر يسير، بقدر ضئيل. لابد لكل مسلم، وخاصة الشباب، أنه مهما سلك أي باب من أمور الدنيا، لابد أن يكون عنده حصيلة في باب العقيدة، يتحصن، يعرف عقيدته، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، حتى يتحصن من الشبهات التي تأتي عليه. لا يأتينا كما أتانا، ويأتينا، لا زال يأتي شاب وهو متشكك في عذاب القبر وفي البرزخ، من أين جاءتك الشبهة؟ أو ذاك آخر يأتي وهو يتشكك في عدالة الصحابة، الصحابة كلهم عدول، أو منهم أو منهم، من أين جاءتك هذه الشبهة؟ لأنه ما تحصن بالعقيدة. كذلك أيها الشاب، يا أيها المسلم، ولو سلكت أي مهنة، تعلم علم العبادات والطاعات حتى تؤديها كما أمر الله عز وجل، حتى تؤديها كما أمر الله عز وجل، لأنك تؤدي العبادة وأنت لا تحسن، من المخزي تجد إلى بعض الشباب وهو يصلي في طرف المسجد، وهو ينقرها نقر الغراب، نقر الغراب، ما هذا؟ إذا ما استطعت أن تؤدي الصلاة كما أراد الله، متى ستؤديها؟ كذلكم أيها الشاب، ويا أيها المسلم. تعلم من الشريعة علم الحلال والحرام، هذا حلال فتأتي، وهذا حرام فتبتعد عنه وتجتنبه، أما أنك تبقى في هذه الدنيا بلا تميز بين ما يحبه الله وما لا يحبه الله، وهكذا. قس أن تتعلم في الشريعة ما يتعلق بباب العلاقات، في أداء الحقوق للناس، في بر الوالدين، في صلة الأرحام، في حسن الجوار، في التعامل مع الناس، مع الصغار، مع الكبار، مع الراعي، مع الرعية. هذا ماذا تتعلمها؟ فينبغي الكلام للشباب خاصة، وللسامعين عامة، العلم لا بد منه، ولا أعني بالعلم التفرغ، لما أطالبك أن تكون طالب علم، تكون شيخا أو متمكنا، هذا إن يسر الله، فهذا فضل من الله، ما تيسر، فلا أقل من القليل، ما تحفظ به دينك. إذن هذه المرحلة الأولى من المراحل الذي ينبغي أن يغتنم بها الشباب، أن يهتم بالعلم الشرعي. الثاني، العمل الصالح، هذا الذي يغتنم به الشباب، أن يغتنم بالعلم، بالعمل الصالح، وذلك بأن يتوجه ويجعل هذه القوة التي حباه الله جل وعلا به، يلحقوا البدنية والجسدية والجسمانية في هذه المرحلة الزمنية، يكرسها لله ولدينه. كما قلنا بالعلم النافع، والآن نتكلم عن العمل الصالح، والعمل الصالح يكون بعدة صور، منها أن تجعل شبابك في إقامة الطاعات والعبادات، بأداء الفرائض، بأداء الواجبات، بإتيان السنن والمستحبات، وسائر القربات، هذا أنت الذي ينبغي به، هذا الذي ينبغي أن تجعل شبابك فيه. ولعظيم هذا الفعل، عظم الله الأجر، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومن هؤلاء: «وشاب نشأ في عبادة الله». شاب نشأ، تربى في عبادة الله، يتربى على العمل الصالح، يتربى على فعل الصلاة، على الزكاة، على الفرائض، على أداء الصلوات في بيوت الله، على قراءة القرآن، على ذكر الله، على الصدقة، على النفقة. من المؤسف والله أن تأتي مواسم عظام تلو المواسم، كمواسم التي مرت، مواسم الصيام، عرفة، وعاشوراء، وذي الحجة، ثم تجد الذي يشتهد في هذا الباب من الطاعة، إما النساء، وإما كبار السن، وأين الشباب؟ ما يستطيع، عجيب، ما تستطيع على الصيام، إذا ما صمت الآن، ماذا ستصوم وأنت كبير في السن؟ ما ستصوم إذا ما تعودت. وقد كان سلفنا الصالح من الصحابة في شبابهم يستغلون شبابهم في طاعة الله، هذا عبد الله بن عمر بن العاص، من عباد الصحابة، كان يختم القرآن كله في ليلة واحدة، ليلة واحدة، استدعاه نبينا، رفض نبينا هذه الفكرة، لما فيها من المشقة، قال: «أختمه في شهر»، ماذا قال عبد الله؟ قال: «يا رسول الله، دعني دعني أستمتع من شبابي وقوتي». استمتع، متعتهم ليس على اللعب، ليس على التسكع، متعتهم قرة أعينهم في التعبد. قال: «دعني يا رسول الله»، أي جعلني أنا هكذا، طيب، ختمة في يوم واحد، اجعلني، دعني أستمتع من شبابي وقوتي، حتى أرغمه نبينا على أن يختم القرآن في سبع ليالي. الشاهد، كان الصحابة متعتهم في العبادة والتعبد، ليس الآن تجد أن القليل من شبابنا من يتعبد الله، قليل جدا، هذا إذا أدى الفرائض، وإلا أكثر، نسأل الله العفو والعافية، من يهملها. وأيضا من العمل الصالح، بعد أداء الفرائض، ترك المحرمات، ترك الموبقات، ترك الجرائم، وما حرمه الله على عباده، فاحذر يا أيها الشاب، نعم عندك نشوة وعندك تلذذ وعندك ميول، لكن انت بهذا من مقاصد الشيطان، ومن نزغاته، ومن نزغاته، فابتعد يا عبد الله عن الفجور والمجون، وعن الزنا واللواط، وعن شرب الخمور. قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، لا تزنوا، احفظوا فروجكم، فإنه من سلم له شبابه أدخله الله الجنة». يا شباب قريش، الخطاب لهم لوجودهم، ولمن بعدهم، كشبابنا في كل الزمان، يا شباب قريش، لا تزنوا، الموبقات من أعظم الجرائم، فاحفظوا فروجكم، فإنه من سلم له شبابه أدخله الله الجنة. هذه المرحلة، جاهد يا عبد الله على أنك لا تنغمز فيها في الرذائل، ولا في الموبقات، احفظ، تدخل عليك بسلام، وتخرج عليك بسلام، لأن الله قد وعدك بجنة، من سلم له شبابه أدخله الله الجنة. فالشاهد، إخواني في الله، في هذا الحديث، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه المرحلة، اغتنم شبابك قبل هرمك. وذكرنا أن اغتنام الشباب أعظم ما تكون في مسألتين اثنتين، في العلم النافع، أن نربي أنفسنا، يا شباب الإسلام، على التعلم للعلوم الشرعية، ليس بالمقصود التفرغ، لكن العلوم الرئيسية، علم العقيدة، علم التوحيد، علم الحلال والحرام، علم الأخلاق والآداب، علم أداء الطاعات، هذا لابد منه، لم فكاك عنه. وأيضا بالعمل الصالح، نربي أنفسنا، وخاصة في هذه المرحلة، بالعمل الصالح، بأن نربي أنفسنا على فعل الطاعات، من الفرائض والواجبات، وأداء السنن والمستحبات، وأيضا بتركها واجتنابها عن فعل الذنوب والموبقات. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.