شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 5

شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 5

الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الغنى الحقيقي والرضا بالنصيب

الغنى الحقيقي لا يقتصر على كثرة المال، بل هو الرضا بما أعطاك الله والقناعة بما لديك. الإنسان يكون غنيًا إذا كان آمنًا في سربه ومعافًا في بدنه وعنده قوت يومه.

اغتنام الغنى في الطاعات والإنفاق

يجب اغتنام الغنى في فعل الواجبات مثل الزكاة والكفارات، والمستحبات مثل الصدقات. ينبغي الإنفاق في سبيل الله حتى ولو كان القليل، مع مراعاة الأولويات في الصدقة.

أولويات الصدقة وفضلها وأثرها الإيماني

الصدقة تكون أفضل عند الله عندما تكون من شخص صحيح وشحيح، وينبغي مراعاة الأولوية فيها. الصدقة برهان على قوة الإيمان بالله وتُظهر صدق التوكل عليه.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختم المقطع بطلب النفع الإلهي بما قيل، مع التأكيد على أهمية أداء الحقوق الواجبة والمستحبة. يُنهى بالصلاة على النبي ودعاء التسليم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن الأمور الخمسة المذكورة في حديث ابن عباس، والذي لا زلنا نخوض في غماره، بعدما عدد لنا نبينا صلى الله عليه وسلم النعمة التي ينبغي أن تستغل وتغتنم: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك. نعمة الغنى، إخواني في الله، من النعم التي أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم، وأرشد إلى ضرورة اغتنامها واستغلالها. وينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن الغنى الذي ينبغي أن يدور في خلدنا، لا تظن أنه الغنى أن المقصود أن تكون ثريًا، وأن تكون ذا أموال كثيرة وأرصدة عديدة وكنوز ثمينة، هذا ليس بشرط. إذا وجدت، يا عبد الله، أن الله عز وجل أمد لك بشيء من المال، وحباك بستر الحال، فاعلم أن الله عز وجل قد أغناك، وقد فضلك على كثير من الأنام. إحمد الله. وقد جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًا في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا. قوت يومه، لو لم يكن من مالك إلا ما استطعت فيه أن تغفر لقمة عيشك، فاحمد الله، واعلم أن الله قد فضلك على كثير من خلقه. فكأنما حيزت له الدنيا، وهو ماذا؟ إنما عنده قوت يومه. ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلًا أتى إلى عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، وهو يشتكي إليه الفقر والفاقة، فقال له عبد الله رضي الله تعالى عنه: ألك امرأة؟ ألك زوجة؟ قال: نعم. قال: هل لك مسكن؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فأنت من الأغنياء. فإذ بالرجل قال: وعندي عبد. قال: وعندك مملوك، فأنت من الملوك. خلاص بلغت القنطرة، كيف بعد ذلك تدعي الفقر والمسكن؟ فلما أخبره الرجل بأنه قد امتلك مسكنًا وامرأة، قال: أنت من الأغنياء، ما أنت فقير، أنت غني، أغناك الله. فلما أضاف أنه عنده مملوك، قال: أنت من الملوك. لهذا، إخواني في الله، الإنسان إذا رأى ما هو عليه من حاله، ونظر إلى من هو دونه، يعلم أن الله قد حباه بالغنى. فإذا نظرت، يا عبد الله، إلى مسكنك، بغض النظر عن حجمه وعن صغره وعن ضيقه وعن سعته، لكن بالمقابل انظر من لا سكن لهم، من لربما يبيت في الشوارع، فحينها تجد أنك غني. وإذا رأيت أن الله عز وجل قد أعطاك ما أعطاك من الطعام، تأكل من هذا وتشرب من ذاك، وإن قل وإن حقر من الطعام، وإن كان قليلًا، لكن انظر من حرم من الطعام، فأصابه الله، وابتلاهم الله بالجد والقحط والجفاف، حتى ماتوا من الجوع والضمأ، حينها تعلم أنك غني. وهكذا، كلما كنت في حالة تأمل من هو دونك، حين تعلم بأن الله قد أغناك. الشاهد، إخواني في الله، في هذا الحديث، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان إذا كان غنيًا، أغناه الله بما أغناه به، بما كان من ستر الحال. مع ذلك، يا عبد الله، اغتنمها قبل أن تكون معدما، قبل أن تكون معدما. الآن عندك، وغدًا قد لا يكون عندك شيء. فقال عليه الصلاة والسلام: اغتنم غناك قبل فقرك، قبل أن يأتي فترة ما عندك شيء. ومن أعظم ما يغتنم به المال، وبه النعم والأرزاق، أن تعود إلى أمرين اثنين: في الأمور الواجبة، وفي الأمور المستحبة. أما الأمر الواجب، هذا لابد منه، من أغناه الله عز وجل لابد أن يبادر إلى قضاء حق الله الواجب، مثل الزكوات، مثل الكفارات، هذه واجبة. أنت، يا عبد الله، عندك محل، عندك مركوب، عندك تربوت، كما يقال، ويتكدس مع الأعوام، هذا ولو كنت تنمي هذا المال لمشروع مستقبلي، لزواج، لشراء سيارة، إلى امتلاك قطع أرض، هذا المال بلغ الحول، بغض النظر عن جهدك الجهيد في جمعه، لكنه اجتمع، هذا مر عليه الحول، بلغ النصاب، أخرج حق الله، الزكاة، وهو، يا عبد الله، مقدار يسير، ربع العشر. بمعنى أن هذا المال الذي معك قسم إلى عشرة أجزاء، المال الذي معك، ثم تأتي إلى العشر الأخير، لا تأخذه كاملًا، ولا الشطر، لا ربع، خذ الربع واجعله زكاة فقط، وبقية المال يبقى لك، مع علمك أن هذا الذي أخرج سيعود إليك بالبركة، سيعود إليك بالخير. وهكذا يقول في الكفارات، من كانت عليه كفارة يمين، كفارة نذر، عليه أن يوفي بنذره، وإن كان مال يخرجه. إذن، هذا حق الله الواجب، ينبغي أن تغتنم الأموال في إخراج الواجبات، وأيضًا المستحبات، وذلك أن تنفق في باب الصدقات، في باب الهدايا، في باب الهبات، في باب العطايا. أنفق، يا عبد الله، كما قال ربنا: أنفق، يا عبد الله، أنفق عليك، الجزاء من جنس العمل، كما أنفقت ينفق الله عز وجل عليك. أنفق، ومما أحب هنا أن أنبه عليه في باب أن يغتنم المال في باب الصدقات، أنك، يا عبد الله، ينبغي أن تعلم أن هذا الباب، باب مقام الصدقة، لا تظن أنه باب ضيق. بعض الناس يرى أن الصدقة لابد أن تصدر من غني، لابد أن تكون من مقتدر، لا، يا عبد الله، أنت ما تدري باب الصدقة كيف يصل حالها، يصل حالها إلى أقل، أقل، أقل مال، لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تصدقوا ولو بشق تمرة. أعيد: ولو بشق تمرة. صدقة بتمر، تخيّلوا، وليس أعني بنخلة تمر، لا، ولا محصول تمر، لا، ولا بجونية عبية تمر، لا، ولا بكيل، لا، ولا بكيل صغير، لا، ولا بتمرة، لا، شق تمرة. شق تمرة، أسألكم بالله، هل أحد يعجز أن يتصدق بشق تمرة؟ نصف تمرة يخرج لوجه الله. الجواب: والله ما هناك أحد يعجز عن هذا، لكن العجز حاصل، لماذا؟ البخل والحرص الذي تملكنا، تجد كل واحد ماسك، يريد أن يعطى ولا يريد أن يعطي. لا، يا عبد الله، أعطي ولو بالقليل، يبارك الله. أنفق، يا عبد الله، أنفق ينفق عليك، يعطيك الله من فضله، يعطيك الله من فضله. إذا كان ذلك، فما أيسر القليل بالمال، الفقراء كثر، المساكين كثر، المرضى كثر، أصحاب الحوائج الخاصة كثر، وما أكثرهم في مجتمعنا، طابور طويل يحتاج منك، أعطيه، يا عبد الله، بما تيسر، بأقل القليل، لكن تمسك، ولا تحتج بأنك محتاج، سيعطيك الله. سئل نبينا عليه الصلاة والسلام عن أفضل الصدقة، قال: أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر. كحالتك أنت الآن، حالتك الآن، وضعك الاجتماعي، تأمل من الله أن يغنيك، فلازلت داعيًا: رب اغنني، اللهم وسع علي، اللهم وسع، تدعو الله لما ابتلاك الله من الظروف الصعبة، فأنت تأمل الغنى وتخشى الفقر، لشدة الظروف. هنا في هذا المقام، أو أنت في هذا الحال، وأنت شحيح، ورّك فيه شحة، وأنت بكامل صحتك، لا تخاف الموت، لا، صحيح وشحيح في نفس الوقت تتصدق، هذا أفضل صدقة عند الله، لأن هذا اختبار لقوة يقينك مع الله، يقين أنت بحاجة إلى هذا الريال، بحاجة أن يبقى مع أخيه ريال، مع ريال ينفع، أصبح ريالين، لكن مع ذلك تخرج لمن؟ لغيري، مع أنك ماذا؟ تسأل ربك الغنى وتخشى الفقر، ومع ذلك تعطي غيرك، هذه أفضل صدقة عند الله. ومن هنا كانت الصدقة، كما قال نبينا: والصدقة برهان، برهان على ماذا؟ برهان على قوة إيمانك بالله. فاطرق، يا عبد الله، باب الصدقات، لا تنقطع عنها، ولو بالقليل، ولو بالشيء اليسير، يبارك الله فيك، ويرزقك الله من حيث لا تحتسب. إن أمسكت، أمسك الله عنك الأنفاق والأرزاق، وإن أعطيت، أعطاك الله جل وعلا من ملكوته. هذا الأمر الأول، أنك، يا عبد الله، في باب الصدقة، امضي قدمًا، بغض النظر عن حالتك، فالله يخلف عليك بخير. الأمر الثاني في باب الصدقة والنفقة، حاول، يا عبد الله، أنك تراعي الأولوية، أهل المراتب العلية. قال عليه الصلاة والسلام: اليد العليا وهو المعطي خير من اليد السفلى وهو السائل، اليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك. فإذا كانت عندك صدقة، يا عبد الله، ابحث في الهرم، ينظر في القمة، فإذا أمتعك الله بوالدين أو بأحدهما، اكفهما، اغنهما، ولا تجعلهما عرضة للسؤال، يتكففان الناس، يسأل هذه وأمك تسأل تلك، وأنت أغناك الله، ابدأ بهما، اغنهما، أمك وأباك. وبعد البقية، أختك وأخاك، ولو كانت أختك متزوجة، لا تقول: يعزها الله بزوجها، قد يكون زوجها ضعيف على قدر حاله، وأنت أغناك الله، أعطها صلة وصدقة، وأجرها مضاعف. أختك وأخاك، حتى أخوك، لا تقول: أخي رجل، دعه يعتمد على نفسه، كحالي. كثير من يتكلم بهذا الكلام: أنا اعتمد على نفسي، لا، لا تغتر برزقك بنفسك، قد مر هذا معنى الأرزاق بيد الله، الله أعطاك، لا بقوتك، ولا بحسبك، ولا بنسبك، لكن فضل، فالله أعطاك، لكن لم يعط أخاك، فأعطيه، وأحسن كما أحسن الله إليك. ثم راعي الهرم، راعي أصحاب الحوائج، ومن كان الناس بحاجة إليه، تعطي هذا وتغني هذا. فالشاهد، إخواني في الله، هذه النعمة من النعم العظيمة، نعمة الغناء، أن الله عز وجل يوسع عليك، وليس من شرطها أن تكون غنيًا أو أن تكون ثريًا، بل إذا رأيت أن الله أعطاك شيء من المال، وحباك الله بستر الحال، فاعلم أن الله قد أغناك. فاغتنمها كما قلنا بأداء الحقوق الواجبة، وأيضًا بأداء الحقوق المستحبة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.