شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 4

شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 4

الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نعمة الصحة وضرورة اغتنامها قبل المرض

يتناول هذا الفصل شرح حديث نبوي عن أهمية نعمة الصحة وكيف يجب اغتنامها قبل حلول المرض. يشير إلى أن كثيرًا من الناس يغفلون عن تقدير هذه النعمة إلا عند فقدانها.

أهمية الصحة والدعاء بالعافية في الدنيا والآخرة

يُنبه هذا الفصل إلى عظم نعمة الصحة ويحذر من التهاون في شكرها، ويبين أن الله سيحاسبنا عليها يوم القيامة. كما يشير إلى أدعية النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يدعو بها ربه طلبًا للعافية.

القوة والصحة في خدمة الطاعات والعبادات

يشرح هذا الفصل كيف حث النبي صلى الله عليه وسلم على المحافظة على الصحة والتداوي لأن الإنسان الصحيح يستطيع أداء الطاعات بسهولة. كما يشدد على أن المؤمن القوي أفضل عند الله من المؤمن الضعيف.

ختام بالحث على الشكر والعمل الصالح والدعاء

يوصي هذا الفصل الأخير بضرورة شكر الله على نعمة العافية واستغلالها في الأعمال الصالحة، ويتضمن الدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الخير، ويختتم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا عباد الله مع حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي ذكر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم النعم الخمس، وقد مضى معنا في مجالس سابقة ما يتعلق بنعمة الفراغ وما يتعلق بنعمة الشباب، وها نحن اليوم في هذا المقام نتدارس معكم نعمة أخرى جاء ذكرها في هذا الحديث النبوي، وهو في قوله عليه الصلاة والسلام: «واغتنم صحتك قبل مرضك». نعمة الصحة، إخواني في الله، هي من النعم العظيمة أن تجد أن جسمك وبدنك على اعتداله، لأن المرض هو خروج الجسد عن اعتداله. فكونك يا عبد الله تجد أن الله عز وجل قد حباك بجسد وجسم بلا مرض ولا آفة ولا علة ولا عاهة، فهذه نعمة، نعمة عظيمة جدا. ولهذا جاء في صحيح البخاري من طريق داود بن أبي هند عن ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». قد مضى معنا ما يتعلق بشرح هذا الحديث، وبينا أن المقصود بالنعمتان أي عظيمتان، أولاهما الصحة. الصحة نعمة جليلة ومنة عظيمة، من حازها فقد حاز على فضل عظيم. بل ثبت كذلك في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافا في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». هذا ملك، هذا ملك. من أصبح منكم آمنا في سربه آمن وأمان، معافا في بدنه الصحة والمعافاة، عنده قوت يومه توفير الطعام والشراب، هذا قال عليه الصلاة والسلام عنه: «فكأنما حيزت له الدنيا». فإن من أركان السعادة الدنيوية أن تكون يا عبد الله معافا، تصبح وتمسي وأنت في هذه الدنيا ما تشتكي من ألم ولا من وجع، بخلاف غيرك الذي حرم هذه النعمة. وكما جاء الناس في غبن عنها، تمر علينا هذه النعمة ونعيش في رحابها ولا نستشعر بها. متى نستشعر بالغبن؟ متى نستشعر بالخسارة؟ إذا ابتلينا بالأمراض. لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم صحتك قبل مرضك». المرض سيأتيك، لكن حينها إن جاءك المرض ستتذكر أيام العافية. وقد جاء في المثل المعروف: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى». المريض يرى، أنت ترى هذا إذا كنت طريح الفراش، وجاءك من جاءك من عوادك ومن زوارك، حينها تغبطهم على ما هم عليه، يأتي ويذهب ويأكل ويشرب وأنت لا تستطيع، منعت من الطعام، منعت من الشراب، وإن أكلت ما تلذذ، وإذا جاء وقت النوم تفكر في الآلام التي تعتريك طيلة الليل، ما تهدأ إلا بمسكنات وإبر، ولربما كان طعامك عن طريق المغذيات، ولا تستطيع الحراك ولا تقضي أمورك. فحينها يا عبد الله اعلم عظيم هذه النعمة. ولعظيم نعمة الصحة اعلم أن الله عز وجل سيحاسبنا عنها يوم القيامة، فقد جاء في السنن أن الله عز وجل إذا بعث عبده سأله وقال له: «ألم نصحح لك بدنك ونرويك من الماء البارد؟» يذكر الله عبده، يذكر الله عبده ويحاسبه على هذه النعم. ألم نصحح لك بدنك؟ الصحة التي أنت الآن تنعم بها، لا تظن أنها تعود إلى فضل تغذية ولا فضل الحماية وكونك محافظ، هذه أسباب، وإنما الحافظ هو الله، هو الله عز وجل هو الذي حواك بكلاءته فحفظك ودفع عنك كل سوء ومكره. فيذكرك الله بنعمه: «ألم نصحح لك بدنك؟ جعلنا جسدك صحيحا سليما معافى؟» هي نعمة فيحاسبك الله عز وجل عليها. ومن عظيم هذه النعمة أيضا، عباد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه في أن الله عز وجل يمده بالصحة والعافية. فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة». اللهم إني أسألك، دعاء وابتهال وتضرع، أسألك ماذا؟ العفو، قال العلماء: هي المجاوزة عن السيئات، والعافية وهي السلام من الآفات. فهذا كان دعاء: «اللهم إني أسألك العفو والعافية»، تجاوز عن سيئاتي وعافني من الآفات والعاهات. فكان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه أن يعافيه من الأمراض والأسقام. وكان كذلك من دعائه عليه الصلاة والسلام: «ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا». متعنا يا رب، يدعو ربه عز وجل في أن يمتعه بسمعه يسمع فلا يأتيه صمم، وببصره فلا يأتيه عمى أو الغشاوة، وهكذا في سائر قوته، متعنا يا رب أن نتمتع بها. هذا من دعائه، كذلك من دعائه عليه الصلاة والسلام، بل من ذكره وورده الذي يأتي به آناء الليل وأطراف النهار، أنه كان يقول سائلا ربه عز وجل: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري». تأمل يا عبد الله في هذا الدعاء، يسأل ربه عز وجل أن يعافيه من الأمراض وخصوصا في هذه الأعضاء: «اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، اللهم عافني في بدني»، ثم البدن كله يدعو ربه عز وجل أن يعافيه. لماذا هذا، إخواني في الله؟ لماذا؟ هل نبينا صلى الله عليه وسلم يطمع بهذا الجسد السليم المعافى لكي يتمتع من الدنيا؟ حاشه عليه الصلاة والسلام. لكن لعلمه عليه الصلاة والسلام أن الإنسان بقوة جسده وبصحته سيؤدي من الطاعات والعبادات ما لا يستطيع عليه إذا مرض. والواقع خير شاهد، والواقع خير شاهد، فتجد أن الصحيح يستطيع أن يفعل ويعمل من الطاعات والعبادات ذهابا وإيابا، سواء كانت خفيفة أو ثقيلة أو احتاجت إلى مشقة تعب. لكن المريض لو ربما وصل به الحال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»، يضعف، يضعف. فالإنسان ومن هذا الباب أيضا، حتى أن الإنسان يحافظ على صحته أمر نبينا صلى الله عليه وسلم وأرشد إلى ضرورة التداوي، فقال عليه الصلاة والسلام: «تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلا وله دواء». الشاهد: «تداووا»، أرشد نبينا صلى الله عليه وسلم إلى التداوي. هل هو على اختلاف بين العلماء؟ هل هو أمر إيجاب أم أمر استحباب؟ لكن «تداووا»، خذ يا عبد الله بالعلاج، سواء كان العلاج الشرعي من الرقى والقرآن وما جاء في الشريعة، أو ما كان من العلاج المادي الذي علم نفعه بالتجربة عبر حبوب عقاقير والذهاب إلى العيادات والمستوصفات، تعالج ولا تترك نفسك مرمي لا تنفع بشيء. بل القاعدة في هذا الباب: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». لكن فرق، المؤمن قوي يمكن منك أي صورة من صور القوة، ومنها القوة البدنية، فإن الصحيح المعافى قوي في بدنه، هذا خير وأحب إلى الله من الإنسان الضعيف الهزيل العليل. فلهذا فالإنسان يحرص على أن يمتع جسده بالصحة والمعافاة، لماذا؟ اغتنمها، تغتنمها في طاعة الله جل وعلا، بأداء الفرائض، بأداء الواجبات، بأداء ما تستطيع على أدائه. بأن مثل بعض الناس الآن، الأسف مع ما عطاه الله من الصحة، لو ربما تعرض عليه فرص في أن يذهب إلى بيت الله الحرام، إما حج وإما عمرة، فتجده يتلكأ، يتلكأ، ويتضع: لا، ليس الآن، فيما بعد، ليس الآن فيما يستقبل، وهو في كامل صحته صحيح. لربما هناك تعب، لكن أنت بقوتك الآن تستطيع أن تتعدى هذه الأتعاب، بما ترى من حال الكثير من الناس، ذهب الصغار، ذهب الكبار، ذهب الرجال وذهب النساء، وذهب كبار السن، ذهبوا وتحملوا العناء ورجعوا، وأسقط الواجب الذي في ذمتهم، فريضة الحج والعمرة الواجبة. لكن تبقى أنت، تأتي عليك هذه النعمة، نعمة الصحة، ثم تتلكأ عنها إلى متى؟ إلى أن يأتيك المرض وأنت طريح الفراش. بالله عليك، ستذهب الآن؟ لا، لن تذهب. اغتنم، اغتنم صحتك قبل مرضك. فمن وجد من نفسه معافى فعليه أن يحمد الله عز وجل على هذه النعمة، ثم بعد ذلك يغتنمها فيما يعود عليه بالنفع وما يقربه إلى ربه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.