المحاضرة بعنوان الصبر على الطاعة، والتي كانت بمسجد العلامة ابن باز بدفيقه بمدينة الشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 14 جمادى الآخر 1447هـ الموافق 5 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية تربية الأبناء وصلاح الأب في تحقيق النجاح في الدنيا والآخرة، ويُناقش دور الأب في كسب الأجر من خلال تعليم أبنائه وتربيتهم. صلاح الأب يحفظ الأبناء ويؤثر إيجابياً فيهم.
الصبر ضروري للنجاة ويتضمن ثلاثة أنواع: الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرمات، والصبر على أقدار الله. الآية 'والصابرين في البأس والضراء وحين البأس' جمعت هذه الأنواع الثلاث.
الدعوة إلى الله تحتاج إلى صبر، كما أن الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحتاج إلى الصبر. يجب على الداعين أن يتحلوا بالصبر عند مواجهة الإعراض والصد من الناس لتحقيق النجاح.
يجب على أهل الصلاح التعاون لمنع انتشار الفساد والمنكر في المجتمع، لأن تركهم يؤدي إلى هلاك الجميع. الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر محمود ويؤدي إلى النعيم في الآخرة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا اللقاء بآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذا المسجد المبارك، مسجد الشفاء، بن باز سابقًا، نجتمع فيه وإياكم لما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. فجز الله خيرًا كل من أسهم في عقد مثل هذه المجالس المباركة الفاضلة. وشكرنا بعد شكر الله لأخينا المفضال أبي الحسن علي بيساود حفظه الله، لما كان من ترحيبه وما كان من تذكيره. فجز الله خير الجزاء ونفع الله به حيثما كان. وهكذا شكرنا لأخينا الفاضل أبي محمد فريد الخماري، وهو من إخواننا الأفاضل ومن دعاة أهل السنة الأماثل، نفع الله عز وجل به حيثما وجد وحيثما نزل. كان في شبوة ومن قبل في عتق، وهكذا كان في المكلا في حضرموت، نفع الله عز وجل به كثيرًا من خلال دروسه وهكذا الدورات التي يقيمها، وكان يتفضل علينا بالزيارة، جزاه الله عز وجل خير الجزاء. وإن كان الطلب قد جئ إليه بأن هذه المحاضرة تكون كاملة باسمه، وهو ضيفنا، ومن واجب المضيف أن يكرم ضيفه، فما هناك إكرام بمثل إبقائه على هذا الخير، يلقي علينا النصائح والتوجيهات. وقد سمعتم في كلمته حفظه الله تعالى، وما تطرق به في مسألة تربية مسألة تربية الأبناء، وهي من المسائل التي لطالما حمل همها الأمهات والآباء، هم التربية. وقد خاض معنا حفظه الله تعالى بذكر الأسباب وبذكر المسببات. وإن مما يضاف، إخواني في الله، على هذا المبحث من المسائل، هي مسألة أن الأب من خلال اعتنائه بأبنائه ينال الأجر. وهذه مسألة تذكرها العلماء، وهي هل الأب يجد أجر كل ما يفعله الابن؟ لك أن تتصور أن أبًا بعيد كل البعد عن الاستقامة والهداية، بينما ابنه مصليًا قائمًا تاليًا ذاكرًا لله جل في علاه، هل الأب يجد هذا كله بردًا وسلامًا؟ الجواب فيه تفصيل. العلماء أشاروا إلى ذلك، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وغير واحد. الأصل أن الآباء يجدون أجر الأبناء بالجملة، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «تكاثروا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة». فكونك تأتي بنسل، تأتي بذرية يستكثر بها هذه الأمة، يأتيك أجر بالعموم. لكن من حيث الأعمال لا بشرط، إذا كان الأب سببًا في هداية الابن لعمل ما، فإنه يناله الأجر، بدليل ما جاء في حديث بريدة: «عندما يكسى الأب بكسوة لا تقوم لهم الدنيا، ويتوج بتاج نوره كالشمس، فيقولان: يا رب، بما كسينا هذا؟ يقال لهما: بأخذكم ولدكما القرآن». قال العلماء: أي كنتم السبب لما كان الأب والأم يدفعان بأولادهم إلى حلقات العلم، إلى حلقات الذكر، وإلى حلقات التحفيظ. فلا يزال الابن يحفظ ويحفظ حتى ختم القرآن، أنت أيها الأب، ويا أيتها الأم، بسبب أنكما كنتما عونًا في إعانته هذا الحافظ على الحفظ، ينالكم الأجر. أما إذا كان الأب ما يبالي، فمن أين يأتيه الأجر والفضل؟ وهكذا قس، يا عبد الله، يا أيها الأب، في مسألة تعليم ابنك القرآن. حتى ذكر العلماء في شرحهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: ويدخل في ذلك تعليم الأب لابنه. فكونك تعلم ابنك القرآن، يأتيك الأجر، وكونك تدفع بابنك إلى بيوت الله جل وعلا لكي يؤدي الصلاة والنوافل، فإن الأجر يأتيك. فعلى قدر الجهد والمجهود تتحصل، يا عبد الله، على المأمول والمقصود من الأجور والثواب، وأنت في قبرك، وأنت كذلك يوم القيامة. ولا يتأتى هذا إلا كما سمعتم بصلاح الأب أولًا، إذا كان الأب صالحًا في نفسه، سيصلح الله عز وجل ذريته، سواء كانوا بين يديه في زمنه أو من بعد زمنه. ولنا عبرة بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، حينما بنيا ذلكم الجدار، ما قصته؟ قال ربنا عز وجل: «وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا». لصلاح الأب حفظ الله عز وجل ما للأيتام، ما للأبناء. فكن، يا عبد الله، على ثقة، ما دمت خائفًا لله، فالله يحفظ أبناءك. نقل عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «يا بني، إني لأزيد في صلاتي رجاء أن أحفظ فيك، أزيد في صلاتي، أزيد في تعبدي لله، بغيتي أن أحفظ فيك أن الله يحفظ أعمالي فيك، في حياتي وبعد مماتي». هذا إذن يتأتى، إخواني في الله، بصلاح الأب، كما سمعتم في كلمة أخينا، أن يكون الإنسان قدوة قدوة في نفسه. إخواني في الله، لا شك ولا ريب أن الحديث عن تربية الأبناء من الأحاديث المهمة، وخاصة من بلغ منهم سن الشباب وأصبحوا شبابًا وأصبحوا غلمانًا واشتدت سواعدهم، هنا تكمن الخطورة. فكان ينبغي تفعيل مقام التربية في تربية أبنائنا، ليس فقط على مستوى المساجد، على مستوى الخطباء، وإن كان هذا يشملهم، لكن يتوسع إلى الراعي والرعية، والإعلام والأوقاف والتربية، كل هذه المقامات العظيمة والمفاصل في الدولة، ينبغي أن الجميع يستنفر في مسألة تربية الأبناء، وخاصة في مثل هذه الأعمار. وبعد، نواصل -حفظكم الله-. ولعل الله عز وجل يسر بمقام آخر فيه الحديث عن مسألة تربية الناشئة، وما ينبغي ذكره من وسائل التربية من خلال العلم النافع والعمل الصالح. لكن نظرًا لأن هذه المحاضرة قد أُعلنت باسمي «الصبر على العبادة»، ولربما قد تعنى من تعنى لأن يسمع شيئًا عن هذا الموضوع، فكان ولابد أن نستذكر شيئًا عن هذا المقام. أقول: إخواني في الله، إن من الأمور العظيمة التي عزف عنها الكثير من الناس، ما يتعلق بأمر الأخلاق والآداب. فترى أن الكثير قد تخلق بالآداب الساقطة والأخلاق الهابطة، دون علم لما فاتهم من دين الله جل وعلا من الفضائل والمناقب. قال إمام القيم رحمه الله تعالى: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين». ألا وإن من الأخلاق الضائعة لقلة من يعمل بها، خلق الصبر، هذا الخلق الذي قد بلغ من الجلال أن وصفه ربنا جل وعلا بالجمال، فقال جل في علاه: «واصبر صبرًا جميلًا». فما أحوجنا إلى أن نتحلى بهذا الخلق، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، والتي تكالبت علينا الشبهات والشهوات، حتى أصبح من المحال على الإنسان أن ينجو بدينه، إلا إذا تسلح بالصبر، إلا إذا تسلح بالصبر. وإن الصبر، إخواني في الله، منزل من منازل الدين، ومقام من مقام السالكين، وخلق اعتصم به من أراد مرضاة رب العالمين. قال إمام أحمد رحمه الله: «ذُكر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا»، وليس هذا التكرار إلا إشارة ودلالة لعلم الله جل وعلا على أن من أراد النجاة فليتسلح بهذا الأدب وبهذا المقام. وإن من أهمية الصبر أن الله عز وجل أرشد إليه وندب إليه وحث عليه ورغب فيه. بل إن الله عز وجل أمر به: «يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون». وإن الله عز وجل عندما ذكر من صفات المؤمنين الذين حسن إيمانهم، أنهم كانوا من عباد الله الصابرين: «والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». والصبر في اللغة هو حبس النفس على ما تكره. وقسم العلماء الصبر إلى أقسام ثلاث: صبر على الطاعات، وصبر عن المحرمات، وصبر على أقدار الله النازلات. صبر على الطاعات: أنك تلزم نفسك دائمًا وأبدًا على العبادة والطاعة في كل آن وفي كل حين: «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». ونوع الثاني من أنواع الصبر: الصبر عن المعاصي، أنك لا تأذن لنفسك بأن تقترف المعاصي والمحرمات، ولو كانت مشتاقة ومتلهفة لذلك: «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى». والمقام الثالث، والنوع الثالث من أنواع الصبر: الصبر على أقدار الله، وما يقدره الله عليك من الآفات والعاهات، ومن الأسقام والأمراض، ومن غيرها من المصائب والمعائب. كل هذه تتسلح، يا عبد الله، بالصبر: «وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون». وإن هذه الأنواع الثلاث، كما قال جماعة من العلماء، أن الله عز وجل جمعها في آية واحدة، في قوله: «والصابرين في البأس والضراء وحين البأس». هذه الآية اجتمعت على أنواع الصبر الثلاث. ففي قوله تعالى: «والصابرين في البأس»، أي الصابرين عند الفقر، الإنسان إذا كان فقيرًا يحاول أن يتخلص من هذه الحالة الاجتماعية، حتى إن نفسه تسول له أن يخرج بأي شيء، ولو بالحرام. فتجد أن ممن قل ماله وضعف حاله، لو ربما فكر بالسرقة والغصب والنهب والاستيلاء والاحتلال لمال الغير، وبيع الممنوعات، كل ذلك في سبيل أن يتخلص من البأس. هنا أُمر بالصبر، أي الصبر عن المعصية. والضراء: وهو المرض، وهو ابتلاء عظيم، أن الله عز وجل يبتلي من يبتلي من عباده بأمراض وأسقام وآفات. ذاك من يبتليه الله عز وجل بسلب حاسة من حواسه، يسلب عنه النظر، فيكون أعمى، أو يكون أصم أبكم. ذاك لربما ابتلاه الله عز وجل بمرض السكر، وذاك بالبطن، وذلك بمرض القلب، وذاك بالإعاقة، وذاك بشلل، وذاك بعقم. يبتلي الله عز وجل عباده، هنا تأتي الشكوك: لما يا رب؟ لما أنا من بين الناس؟ أنا من بين الأسرة ابتليت بهذا؟ ما أتنعم بطعام، ولا بشراب، ما أتنعم بذرية، ما أتنعم. لكنه صبر، يعلم أن ذلك بقدر من الله عز وجل، فصبر. وهذا من الصبر على القضاء والقدر. والثالث: «وحين البأس»، البأس: القتال والجهاد، حين أن يخرج الإنسان إلى ساحات الوغى ويقاتل أعداء الدين، فيحمل عليهم السلاح، وهو يعلم أنه لربما لا يرجع إلى أهله ولا ماله، قد تسفك دمه وتزهق روحه وينطرح بين الجثث. يعلم ويتوقع هذا، ومع ذلك بذل نفسه رخيصة لوجه الله. ما هذا؟ صبر على الطاعة والعبادة. فإذا كان هذا قد صبر على هذه الشعيرة العظيمة، وشعيرة الجهاد، فما ظنك، يا عبد الله، بما دونها من الشعائر؟ إذن هذه الآية احتوت على أنواع الصبر الثلاث. فائدة أخرى من هذه الآية استفادها العلماء: مراتب الصبر، على أن هذه الآية جاءت ببيان مراتب الصبر، وأن الآية بدأت بالأخف وختمت بالأشق. وما الذي ختمت به؟ ختمت بالصبر على الطاعة «وحين البأس»، ما بعد الصبر على الطاعة، الصبر على الأقدار النازلة، بعدها الصبر عن المعصية. ومن هنا، إخواني في الله، كانت هذه المحاضرة بعنوان «الصبر على العبادة»، إذ أنها كما قال الإمام السعدي رحمه الله: أعلى مراتب الصبر. وإن الناظر في دين الله جل في علاه يرى أن الله سبحانه وتعالى كم وكم يأمر بالطاعة ويأمر بالعبادات، ويقرن معها بالصبر، إذ أن قوام الطاعة والعبادة تحتاج إلى صبر ولابد. نهيك عن الآيات التي أنزلها ربنا على نبيه عليه الصلاة والسلام: «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، واصبر على ما يقولون وهجرهم هجرًا جميلًا، واصبر وما صبرك إلا بالله». إذا كان هذا نبينا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، تتنزل عليه آيات الصبر، فما ظنك بنا؟ نحن أولى، ولا بحاجة إلى أن نذكر بين الفينة والأخرى بهذا المقام العزيز، وخاصة ونحن أد الطاعات والعبادات. والسر في صعوبة هذا المقام، ما ذكره العلماء: أننا في هذه الدنيا أمرنا بأن نعمرها بالطاعة، والسير إلى الله جل وعلا. ففروا إلى الله، إلا أن في سيرنا إلى ربنا عز وجل، الطريق ملئت بسدود وحواجز وعقبات تثنينا عن المسير، وتعرقل علينا المشي إلى الله قدما. كالشيطان ووساوسه، والدنيا وزينتها، والشهوات ولذتها، والشبهات وأضرارها، والنفس الأمارة بالسوء التي بين صدورنا. هذه حواجز تلو حواجز، إن تعديت الأول أتاك الثاني، وإن تعديت الثاني أتاك الثالث. فما تصل إلى الله إلا بشق الأنفس، إلا بشق الأنفس. فلا يتأتى إلا لمن تحمل زادًا عظيمًا من الصبر حتى يصل إلى الله عز وجل. ومن هنا كان الصبر على الطاعة من أشق الأنواع، من أنواع الصبر على النفوس. وكما أشرت سلفًا، بأن من تأمل في آي القرآن، وفي خطاب الرحمن، يجد أن الله عز وجل إذا أوصى أو رغب أو حث على عبادة، قرن معها الصبر، إشارة إلى أن هذه العبادة تحتاج إلى حظ عظيم من الصبر. مثاله القرآن، قال ربنا عز وجل: «إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا». قال بعض العلماء: كان من المظنون أن تختم هذه الآية بالحمد والشكر، لأن القرآن نعمة، وكتاب هداية وخيرية للبشرية. لكن تأمل: «إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا فاصبر لحكم ربه ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا». فاصبر. قال العلماء: إشارة إلى أن القرآن يحتاج إلى صبر. قرآن يحتاج منك إلى صبر التدبر والتأمل للقرآن، يحتاج إلى صبر، كونك تقبل على القرآن تفهمًا وتفسيرًا، يحتاج إلى صبر العمل بالقرآن، يحتاج إلى صبر حفظ القرآن. وانظروا لأنفسنا عندما قل صبرنا، ضعف حظنا من القرآن. تمر علينا السنون الطوال، قل فينا من يختم، وقل فينا من يحفظ، وقل فينا من يعمل، وقل فينا من يتحاكم. فالقرآن عبادة ما يقوم بها إلا من آتاه الله عز وجل صبرًا. كذلك، يا عبد الله، في مقام الدعوة إلى الله عز وجل، قال سبحانه: «يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر». قال العلماء: هذه الآية بدأت بالدعوة وختمت بالصبر، إشارة إلى أنه من أراد أن يكون داعيًا يدعو الناس إلى الخير، لا بد أن يتسلح بالصبر. يتسلح بالصبر، فإن الناس قد يعرضوا عنك وعن دعوتك، كما وقع لكثير من أنبياء الله، بل كل أنبياء الله، ووجهوا بالصد والإعراض. وهكذا من كان من أتباع الأنبياء من الصحب الكرام، ولزال العلماء، ولزال كل داعية إذا خاض في هذا المضمار ذاق الأمرين من الإعراض والصد. فكانت دعوة لابد أن يتحلى بالصبر قدر الإمكان، وإلا فلا يضيع نفسه. وقد رأينا من أمثال هؤلاء، كبعض الجماعات الإسلامية، خرجت على الأمة المحمدية يدعونهم يدعونهم، فوجدوا الصد، ووجدوا الإعراض، ووجدوا النفور. فماذا فعلوا؟ قالوا: إيه، هؤلاء ما فيهم خير، هؤلاء جاهلية، أصحاب جاهلية. فرموا الشعوب بالكفر والردة، وحكموا عليهم أن لا بقاء لهم في هذه الدنيا. ففجروا ولغموا وقتلوا واستحلوا الدم. من أين جاءهم؟ قلة الصبر، صبر نفذ عندهم. لكن الداعية الذي عنده صبر يصبر يصبر، حتى لو أن الدعوة ما قامت على وجهه، يعطيها لمن خلفه، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث البعث يوم القيامة: «يؤتى بالنبي ومعه الرهط، ويأتي بالنبي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي بالنبي وليس معه أحد». ما عنده أحد. هل في هذا عار؟ أو شنار؟ أو إنهزامية؟ لا. يصبر، إن استجاب أحد فذاك، وإلا فوض أمرهم إلى الله. فالدعوة تحتاج إلى صبر. وأيضًا كذلكم، يا عبد الله، أمر الصلاة، الصلاة تحتاج إلى صبر: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين». الصلاة تقوم بالصبر، تصبر على أدائها في أوقاتها، تؤدي خمس صلوات في ذمتك، لا تخرم منها فرضا واحدًا. تؤديها جماعة في بيوت الله، تؤديها وأنت مستكمل لطهارتها. كما في هذه الأيام مع البرد القارس، مع البرد الشديد، تتصبر وتخرج في الظلماء في صلاة الفجر، وهكذا العشاء. وتأتيها في وقت الزمهرير، في أيام الحر والصيف، تؤدي هذه الصلاة بأركانها، بشروطها، بالنوافل القبلية والنوافل البعدية. كما جاء في حديث عبادة: «خمس صلوات افترضهن الله على العباد، من أداهن بركوعهن وخشوعهن وحافظ على طهارتهن، كان على الله عهد أن يدخله الجنة». أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مع الحفظ على السنة القبلية والبعدية. وكذلك صبرك على أهلك، في أنك تأمرهم وتحثهم: «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها». تستبر عليها. وأيضًا مما أذكره في هذا المقام من الصبر: الصبر على حلقات العلم والذكر، عبادة عظيمة، لكن تحتاج منك إلى الصبر، لا تتأفف: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا». أمر ربنا عز وجل نبيه، والخطاب عام لجميع الأمة، بأن نصبر أنفسنا في مثل هذه المجالس، المحاضرات، الكلمات، الدروس العامة والخاصة، حلقات القرآن. هذه مجالس ذكر، أمر ربنا عز وجل بالصبر والإصطبار عليها. ولا يثبت في هذا المقام إلا من آتاه الله صبرًا، بدليل انظر من يجلس فيها، وإلا أكثر الناس إذا جلس الواحد، إن جلس سرعان ما يتذكر الإلزامات والمواعيد، أو بشيء من الأعذار، ثم ينهض ويقوم إلى أين؟ إلى لا شيء. لا شيء يخرجه الشيطان من المسجد، فإذا خرج لا يدري يذهب يمينًا أو يذهب يسارًا، إلى أن يجد دكة فيجلس عليها. قال: وقيل، لو أنه جلس وصبر لكان خيرًا له. لكن قلت الصبر. فالإنسان يحتاج إلى صبر. ومما أذكره أيضًا، إخواني في الله، مما يحتاج إلى صبر في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور». إذا قمت بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصبر عليه. هذه الشعيرة تحتاج إلى صبر، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر الإسلام، بل هي فريضة من فرائض الإسلام. من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. قال ابن حزم رحمه الله تعالى: واتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا خلاف عن أحد منهم. فمن أدى هذه الفريضة فقد أسقط واجبًا من الواجبات. وليس من الصحيح ما يقال: إن إنكار المنكر باليد للسلطان، وباللسان للعلماء، وبالقلب للعامة. لا، هذا ليس بصحيح. بل إن العامي لربما يغير بيده إذا كان في سلطانه، إذا كان في بيته، على حسب الصلاحية التي يمتلكها. لكن يغير المنكر. إخواني في الله، من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه من أعظم الأعمال، أن صاحبها يجني ثوابًا ثواب الصدقة، كما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة». أنت ما عندك مال، ما عندك نقود، فلا أقل أنك تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، يعطيك الله أجر صدقة. وعلى قدر ما تفعل تكثر الصدقات. وأيضًا، يا عبد الله، في هذه الشعيرة من التكفير للذنوب والسيئات، كما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «وفتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». تكفر عنك الخطايا والذنوب. ألا فاعلموا، عباد الله، وإن مما ينبغي في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يكون من مسألة التعاون على القيام بهذا الأمر، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر». أهل الإيمان فيما يكون بينهم من الولاية، أنهم يتعاونون ويتضافرون على إقامة هذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الآية، إخواني في الله، إنما جاءت بعد آية سبقت في بيان حال أهل النفاق والشقاق، المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. نعم، هذا هو أهل النفاق، أهل الباطل فيما بينهم يتآزرون يتعاونون من الكفار واليهود والنصارى وأهل الردة والزندقة والملاحدة. يتعاونون فيما بينهم يتضافرون بأموالهم بأنفسهم في سبيل حرب الإسلام وأهله. ولما كان الأمر كذلك، وجب على أهل الإسلام من المؤمنين والمؤمنات أن يتعاونوا على مكافحة الفساد. ونحن في مجتمعاتنا، إخواني في الله، نجد بؤر الفساد قد استشرت في مجتمعاتنا. لا أذهب بعيدًا، مثلا المخدرات، بمت وعمت وكثرت وانتشرت، حتى أصبح بعضهم يجاهر بها، إما من المتعاطين للشبو أو كان من المروجين. وأصبح الناس يشيرون بالبنان: هناك يباع، وهناك خلايا في الليل بيع وشراء، وهناك تباع الحفنة، حتى الأسعار قد علمت. وبالأمس تم القبض على عصابة من نساء، نساء تورطن، النساء الضعيفات التي عندهن من الخوف العظيم ما عندهن، تقحمن الشطء لما يرين من إتاحة المجال هنا. إخواني في الله، نصيحة إلى ضرورة أن نتعاون جميعًا في هذه المسألة، إلى ضرورة التعاون فيما بيننا، إلى إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا تجعل هؤلاء من أهل الفسوق والمجون، ومن أهل الفجور، من أهل الزنا والخنا، وأصحاب المخدرات والحشيش، وهم فيما بينهم يتعاونون يتعاونون. وأنت، يا صاحب الحق، ويا صاحب الخير، ويا من ترجو ما عند الله جل وعلا، تبعد نفسك. لربما يطلب من أناس لتعاون، والأطر موجودة والمجالات مفتوحة في أن نتعاون فيما بيننا على إزالة هذا الوباء، لأن هذا الوباء إن لم يزل، إن لم يزل، فالله عز وجل سيزيلنا، سيزيلنا. وهذه سنة الله عز وجل أن الفساد إذا طم وعم وعلم به القاصي والداني، والكل طأطأ برأسه كأنه لا يرى، حينها لا يعاقب الله أهل الإجرام بل يعاقب الله الجميع. ولنا عبرة بأصحاب السفينة، استهموا قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذي في أسفلها إذا أرادوا ماء صعدوا، قالوا: نؤذي من فوقنا، ما هناك داعي فلنخرق في نصيبنا خرقًا. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أخذ على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا، وإن تركوا على ما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا». السفينة، السفينة هو هذا المجتمع. ومن في الأعلى هم أهل الصلاح والأخيار، ومن كان في الدون هم أهل الضلال والانحراف. إذا تركنا من كان في الدون، من كان في الأسفل، من كان في السراديب، من كان في الدهاليس وخلف الكواليس يحفر وينقب، بحجة أنه يفعل ما يشاء. قل: لا، هنا ننظر العاقبة. إن تركناهم غريقة السفينة. وهذا الشبو الذي ترى أنه كان في المنطقة الفلانية خرب حتى وصل إلى قعر بيتك، وما تتفاجأ إلا أن ابنك من أحد المتعاطين. قد يصل الأمر إذا تركناهم عم الشر. لكن إذا أخذنا على أيديهم نجوا ونجونا جميعًا. أخذنا على أيديهم من عدم التمادي في هذا الباطل. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة يحسنها جماعة من أهل العلم، كالألباني، على أنه ما من قوم تظهر فيهم المعاصي ولا ينكرونها، إلا أوشك الله أن يرمهم بعقاب من عنده. فهذه، إخواني في الله، نصيحة وتنذير وتحذير، أستغلها من باب الصبر على العبادة، من الصبر على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نتجلد كما لا أقول كما تجلد الأنبياء والرسل، أنعم بهم من قدوة. لكن على الأقل نتجلد كما تجلد الفجار، كما يتجلد المجان والفساق وهم على معاصي الله. نتجلد نحن، نتعاون فيما بيننا. وبهذا، يا عبد الله، يبارك الله في الأعمال. وفي نهاية المطاف، علينا أن نعلم أن الصبر أمر محمود في كل الطاعات والعبادات، رب السماوات والأرض وما بينهما، فاعبده واستبر لعبادته. هل تعلم؟ هل تعلم له سمية؟ واستبر. الصلاة تحتاج إلى صبر، الضحاة تحتاج إلى صبر، الصيام إلى صبر، الأخلاق إلى صبر، الدعوة إلى صبر، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحتاج إلى صبر واستبر. ثم بعد ذلك، يا عبد الله، بصبرك على دين الله جل وعلا، التنعم بما أعدته الله لك يوم القيامة، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب في الجنة، وأنت في الدور، وأنت في القصور، وعند الحور، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: «سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار». الصبر. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وشكرنا بعد شكر الله لأهل هذا المسجد الذي أتاح لنا هذه الفرصة الكريمة، وشكرنا كذلك لمن قام وبنى وجدد هذا المسجد، أن يبارك الله في ماله وفي أهله وفي ذريته. وهكذا شكرنا لأخينا الشيخ الحبيب أبي محمد فريد الخماري على ما أدلى به، وهكذا شكرنا للجميع على ما كان من حسن الإنصات. فأسأل الله جل وعلا أن يجازي الجميع خير الجزاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.