الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 116، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه كما أورده الشيخ حافظ حكمي من الكتاب، مبيناً أن مبحث البرزخ يشمل سؤال الملكين للميت عن ربه ودينه ونبيه. يثبت الله المؤمنين بالقول الثابت فيجيبون بالصواب، بينما يعجز الكافر والمنافق عن الجواب، وتعد هذه الفتنة عظيمة والسعيد من وفق للجواب السديد.
يوضح المقطع أن فتنة القبر وسؤال الملكين عامة لجميع الأمم حيث يُسأل كل ميت عن نبيه، ويستثنى من ذلك الشهداء في سبيل الله استدلالاً بحديث: "كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة".
يذكر المقطع أصنافاً أخرى لا تفتن في قبورها وهم المرابط في سبيل الله، ومن مات يوم الجمعة أو ليلتها، والصغير والمجنون لانتفاء التكليف، مستنداً إلى أحاديث نبوية وآراء العلماء.
يختم المتحدث الحديث عن الأمر الأول المتعلق بفتنة القبر مشيراً إلى وجود نعيم أو عذاب فيها، ويعلن أنه سيقرأ الجواب ويتوسع في تفاصيل نعيم القبر وعذابه في الدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال 108: ما دليل فتنة القبر ونعيمه أو عذابه من الكتاب؟ انتقل المؤلف رحمه الله تعالى للكلام عن المباحث العقدية التي تعلقت بالحياة البرزخية التي تكون بعد الموت. ومبحث البرزخ يتعلق به موضوعان أو أمران: الأمر الأول فتنة القبر، والأمر الثاني عذاب القبر ونعيمه. وهذه المسألة التي أوردها المؤلف لم يخالف فيها إلا شذاذ أهل البدع، وللأسف الشديد أن في هذا الزمان وفي بلادنا اليمنية ظهر من ينكر عذاب القبر بحجة أنه لم يرد في القرآن، وهذا ليس بصحيح، كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على إثبات عذاب القبر ونعيمه. فالأمر الأول كما تقدم يتعلق بفتنة القبر، وتعني سؤال الملكين الميت في قبره الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن الرجل الذي بعث إليك؟ هذه هي الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها العبد في قبره، فيوفق أهل الإيمان الصادق ويثبتهم الله عز وجل بالقول الثابت، فيجيبون بالصواب والسداد، فيقولون: ربنا الله، وديننا الإسلام، والرجل الذي بعث إلينا هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الكافر والمنافق فلم يوفقا إلى الجواب السديد، فيقولان: هاه هاه، لا ندري. وفتنة القبر، أي فتنة سؤال الملكين، فتنة عظيمة، يسأل العبد ربه أن يثبته وأن يلهمه السداد والصواب، فهي فتنة عظيمة، السعيد من وفق للجواب السديد. وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال". فإذا لا يستهان بهذه الفتنة، فتنة سؤال الملكين. والصحيح أن هذه الفتنة عامة لجميع الأمم، وليست خاصة بأمة محمد، لأن السؤال الأخير عام، فيقول الملكان: ومن الرجل الذي بعث إليكم؟ فكل أمة ممن بعث إليها رسول فآمن به المؤمنون، فيقولون: مثلاً من آمن مع نوح يقولون: الذي بعث إلينا نبي الله نوح، والذين آمنوا بصالح أو بهود كل يقول: الرجل الذي بعث إلينا النبي كذا وكذا، النبي الذي بعث إليه. وهذه الأمة يقولون: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا السؤال أو الأسئلة تحصل للمؤمن والكافر والمنافق، كما جاء في حديث البراء الحديث الطويل في سؤال الملكين للعبد في قبره، فذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤال الملكين للمؤمن، وسؤال الملكين للكافر أو المنافق. وجاء استثناء بعض الموتى من هذه الفتنة، أي أنهم لا يسألون ولا يعرضون لهذه الفتنة. ومما دلت عليه الأدلة ممن ينجى من هذه الفتنة: أولهم من مات شهيداً في سبيل الله، مات شهيداً في سبيل الله عز وجل يقاتل من أجل إعلا كلمة الله سبحانه وتعالى. ودليل ذلك ما جاء عند النسائي ويصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما بال الشهيد لا يفتن في قبره؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة". وقدم روحه، وقدم أغلى ما يملك، وتعرض لبارقة السيوف، سيوف الأعداء، حتى قتل في سبيل الله، فهذا العمل الصالح العظيم يكفي في ثباته وإيمانه وصدقه، فلا يحتاج إلى أن يسأل هذه الأسئلة. وكذلك ممن لا يفتن أيضاً من مات مرابطاً في سبيل الله، يعني في ثغر من ثغور الإسلام يحمي حوزة الدين ويحمي بلاد المسلمين، فهذا أيضاً لا يفتن في قبره. ودليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بالخصال التي ينالها المرابط في سبيل الله، ومن هذه الخصال قال عليه الصلاة والسلام: "وآمن الفتان". ومعنى "آمن الفتان": يعني الذي يسأله في قبره، الذي يسأله في قبره، فهذا أيضاً مما ورد ممن لا يفتن في قبره. وكذلك ورد حديث عند الإمام أحمد وغيره، وهذا الحديث فيه اختلاف بين أهل العلم ما بين محسن له ومضعف، وعلى تحسين من حسنه وهو الشيخ الألباني عليه رحمة الله، يستدل به في هذه المسألة. فكذلك ممن لا يفتن من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، لورود هذا الحديث وتحسين الشيخ الألباني له، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أمن الفتان". أمن الفتان، والفتان كما تقدم يعني الذي يسأله في قبره. ولذلك عد العلماء من يموت في يوم الجمعة أو في ليلة الجمعة من علامات حسن الخاتمة، من علامات حسن الخاتمة. وقد أورد الشيخ الألباني هذا الحديث في كتابه "أحكام الجنائز". وأيضاً ممن لا يفتن وهو قول عامة أهل العلم: الصغير والمجنون. الصغير والمجنون قالوا: لأن هذه الفتنة فرع عن التكليف، فرع عن التكليف، والصغير والمجنون لا تكليف عليهما، لا تكليف عليهما، فلا يسألان هذه الأسئلة في قبريهما. هذا قول لعامة أو أكثر أهل العلم في الصغير والمجنون. هذا خلاصة ما ذكروا أهل العلم ممن يستثنى من هذه الفتنة. هذا بالنسبة للأمر الأول الذي يتعلق بفتنة القبر ونعيمه أو عذابه، وهو الأمر الأول: الكلام على فتنة القبر. ثم إن شاء الله نقرأ الجواب، وكذلك ما يتعلق بنعيم القبر وعذابه، والانتهاء الوقت نؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.