الخطبة بعنوان وقفات مع حديث نعم الدنيا الثلاث، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 صفر 1446هـ الموافق 9 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل نعم الله على عباده مثل الأمن والصحة والقوت، ويشدد على أهمية شكر الله عليها. يُبين أن هذه النعم أساسية بعد نعمة الدين ويجب على المسلمين التأمل فيها والشكر لله عليها.
يُركز هذا الفصل على أهمية شكر الله على نعمه مثل الطعام والصحة والأمن، ويحذر من الغفلة عن هذه النعم. يشير إلى أن شكر الله يكون بالدعاء والتوكل عليه والصلاة على نبيه.
يتناول هذا الفصل الدعاء على الأعداء من اليهود والنصارى وتمني هزيمتهم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُشير إلى أهمية الدعاء في مواجهة الأعداء والتوجه إلى الله بالصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من الأحاديث العظيمة المهمة والتي ينبغي أن يولي لها كل مسلمٍ ومسلمة مزيد عنايةٍ ورعايةٍ ومعرفة ما رواه أهل السنن والبخاري في الأدب المفرد من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». هذا الحديث العظيم والذي فيه يشير نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى أعظم النعم التي ينعم الله جل وعلا بها على الخلق والورى في هذه الحياة الدنيا بعد نعمة الدين، ألا وهي نعمة الأمن والأمان، ونعمة الصحة والمعافاة، ونعمة القوت والطعام. فهذه النعم هي الأسس، وما عداها وسواها فهي اندرج تحتها. ويقول عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم» أي في هذا اليوم، إشارة إلى أن الإنسان لا يحمل هم الغد، فإن الله جل وعلا سيتكفل برزق كل نفس، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. فثق بالله وتوكل عليه وخذ بالأسباب، فستأتيك الخيرات والأرزاق كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. من أصبح منكم آمنا في سربه، قال العلماء في معنى السرب هاهنا: قيل في أهله وعياله، وقيل في عشيرته وقبيلته، وقيل في بلده ووطنه، وخلاصة الأقوال: آمنا في سربه أي آمنا في حياته. نعمة الأمن والأمان من أجل النعم التي تطلع لها الأنام من مسلمين وكفار، فها هو ربنا عز وجل يمن على الكفار بنعمة الأمان، فقال سبحانه: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. وهكذا ما وجد الشرع الحكيم من ثمار الإيمان على أهل الإسلام بمثل هذه النعمة، أنعم الله عليهم بالأمن والأمان، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾. الأمن يا عبد الله الكل يتطلع إليه، فإذا أصبحت يا عبد الله وأنت آمنا في سربك في أهلك وعيالك، أن يجد العبد الأمن والأمان فيأمن على نفسه وعلى أهله وعلى ماله، فيمشي آمنا مطمئنا في ربوع وطنه وبلده، لا خوف ولا هلع ولا قلق ولا فزع، نعمة أن تجد ذلك يا عبد الله في يومك وليلتك. ومن هنا توعد الشرع بأشد العقوبات في حق من سعى إلى زعزعة الأمن وبإظهار الخوف وإفشاء الرعب والذعر بين المسلمين. ولك عبرة بعقوبة قطاع الطرق الذين أوجدوا الرعب بين أهل الإسلام، فأنزل الله فيهم أشد الأحكام: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أشد العقوبات تنزلت على أمثال هؤلاء عندما أوجدوا الرعب بين أهل الإسلام، وهكذا كل من سلب الأمن والأمان من أهل الإسلام بأي وجه من الوجوه، فهو يعد من كبائر الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا»، لا يجوز لمسلم كائنا من كان أن يروع يخوف أهل الإسلام بأي طريقة كانت، فاحذر يا عبد الله أن تكون مصدر إزعاج وإقلاق للسكينة العامة في ديار أهل الإسلام. ثم قال عليه الصلاة والسلام مشيرا للنعمة الثانية: «معافى في جسده»، نعمة الصحة في الأبدان والمعافاة في الأجساد هي نعمة أن تجد يا عبد الله أن تصبح فلا تجد ألمًا ولا تشتكي وجعًا، هذا من عظيم إنعام الله عليك. قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، الكثير مننا يتقلب في نعمة الصحة، لكنه لم يرفع لها رأسًا ولم يلقي لها بالًا. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسدك ونرويك من الماء البارد؟»، نعمة الصحة سنسأل عنها يوم القيامة لعظيم فضلها على أصحابها. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يسأل ربه أن يعافيه من الآفات وأن يسلمه من الأسقام، فكان من دعائه: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة». قال العلماء: «اللهم إني أسألك العفو» قالوا: هي المجاوزة عن السيئات، «والعافية» هي السلامة من الآفات. وهكذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا»، متعنا بصحة الأبصار وصحة الأسماع وما يكون من قوة الأجساد. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلا زال عباد الله في هذا الحديث العظيم، والذي فيه يشير نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام إلى أجل النعم وأفضل المنن، وهي قوله: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه»، نعمة الطعام، نعمة القوت. أن تجد يا عبد الله جل في علاه قد سد لك جوعتك، وذلك بأن يسر لك لقمة عيشك ويسر لك ما فيه الدفع لجوعتك وضمأك، ويسر الله سبحانه وتعالى لك من الغذاء ما فيه القوام لبدنك وجسدك، فهذا من عظيم الإنعام أن تجد أن الله قد حباك به في يومك وليلتك. وعنده قوت يومه، هذه النعمة التي من الله جل وعلا بها على العباد مسلمهم وكافرهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾، سبحانه الذي يسر لهم المعايش فيسر لهم المآكل والمشارب. وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه يسأل ربه جل وعلا أن يكون طعامه كفافًا، أن يجد ما يكفيه، ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، أي ما يكفيهم. وكان بالمقابل عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الجوع، فكان من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع». ولك يا عبد الله أن تستشعر بقيمة هذه النعمة حين أن تتفطن لحال من افتقدها، كحال من ابتلاه الله جل وعلا بالقحط والجدب والجفاف، أو من ابتلاهم الله بالحروب والكروب فلم يجدوا طعامًا وما شربوا وما وجدوا ماءً، نسأل الله السلامة والعافية. عباد الله، هذه النعمة الثلاثة المذكورة في هذا الحديث، قال نبينا عليه الصلاة والسلام في حق من حازها فقال: «فكأنما حيزت له الدنيا»، حيزت له الدنيا، وفي رواية: «بحذافيرها»، أي بكل جوانبها. وحين يعض الله وجب على كل واحد منا أن ينظر إلى نفسه وإلى ما أنعم الله عليه من فضله، وخاصة إلى هذه النعم الثلاث: نعمة الأمن، والصحة، والطعام، حينها سنجد أن الله جل وعلا قد أنعم علينا أضعاف أضعافها، لكن أين الذي يشكر؟ وأين الذي يذكر؟ عباد الله، أخيرًا في هذا الحديث والإشارة إلى هذه النعم الثلاث بيان على أن الأرزاق ليس من شرطها أن تكون مالًا منقودًا أو مبلغًا مرصودًا أو رصيدًا محدودًا أو راتبًا موجودًا، بل إن أرزاق الله جل وعلا لربما ما قد تجده في نفسك وفي حالتك من ستر الحال، ومن راحة البال، ومن جمع الشمل بالأقارب والأرحام، وما تجده من العافية والصحة في العباد والأبدان، وما تجده من الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان، نعمة نتقلب فيها ليل نهار. روى الإمام مسلم في صحيحه أن رجلًا قدم على عبد الله بن عمر بن العاص وقد شكى إليه الفقر والفاقة، فقال له عبد الله: «ألك زوجة تأوي إليها؟»، قال: نعم، قال: «ألك مسكن تسكن فيه؟»، قال: نعم، قال: «أنت من الأغنياء»، فقال الرجل: ولي خادم، قال: «أنت من الملوك». يا عبد الله، تأمل في عظيم ما أنعم الله عز وجل عليك في يومك وليلك، بل في حياتك وفي سائر عمرك، ومع ذلك نجد أن الكثير من الناس من ربما مع هذا كل يجد أنه محروم وأنه بائس معدوم، وما فيه إلا قلة الشكر والحمد لرب العالمين. فاحمد الله يا عبد الله على عظيم إنعامه وعلى ما كان من فضله وجزائه لهذه الأمة المحمدية. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم اشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجيهم في أرض اليمن وفلسطين والسودان، اللهم كل إخواننا في غزة، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصر من عندك، اللهم تقبل موتاهم وداوي جرحاهم وعاف مبتلاهم وفك أسراهم وآمنهم في ديارهم وبيوتهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم وشتت جمعهم واجعل الدائرة عليهم واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.