شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 2

شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 2

الدرس في شرح حديث ابن عمر في زكاة الفطر 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام زكاة الفطر: وجوب الطعام وتقدير الصاع بالكيل

يستعرض المقطع رأي الجمهور في وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً لا نقوداً مستدلين بالسنة وعمل السلف، مع ذكر خلاف الحنفية وابن تيمية. كما يبين أن الصاع أربعة أمداد مقدرة بالكيل (المد النبوي) لا بالوزن، محذراً من الاختلاف الواسع في التحويلات الوزنية المعاصرة، ومؤكداً أن الإخراج بالكيل هو الأصل والأحوط.

اجتماع العيد والجمعة: وجوب العيد وإغناؤه عن الجمعة

يناقش المقطع مسألة اجتماع العيد والجمعة، مستعرضاً أدلة وجوب صلاة العيد وأقوال الأئمة الأربعة وابن تيمية، ومبيناً أن العيد يغني عن الجمعة لحصول مقصود الاجتماع. كما يرجح صحة حديث ابن الزبير في ترك الجمعة وموافقة الصحابة كابن عباس وعمر وابن عمر لذلك.

الترخص في الجمعة بعد العيد: فعل الصحابة والرد على المعترضين

يوضح المقطع جواز الترخص في صلاة الجمعة لمن صلى العيد مستدلاً بفعل عثمان رضي الله عنه مع أهل العوالي وأقوال الصحابة. ويرد على من يشدد في المسألة وينسب المخالفين للجهل، مؤكداً صحة الأحاديث الواردة وأن الإنكار ناشئ عن التعصب المذهبي لا عن دليل شرعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، في زكاة الفطر. قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، وأمر أن تخرج قبل الصلاة. فكان ابن عمر يعطيها قبل العيد بيوم أو يومين، وكان يعطيها من يقبلها. تكلمنا على بعض هذه المسائل، وفي هذا المقام -إن شاء الله- نتكلم على مسألتين من الحديث. المسألة الأولى: قوله: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر»، وذكر بقية هذه الأطعمة. وجاء في البخاري عن أبي سعيد قال: كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير والأقط. فتبين من هذا أن الذي يخرج في زكاة الفطر هو الطعام، وهذا الذي عليه أكثر العلماء؛ فإنهم لا يجيزون إخراج النقود في زكاة الفطر، وإنما يخرجها طعامًا. ويدل على هذا أيضًا من باب الإشارة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين»، وأن يعطون طعامًا. فجمهور العلماء -أحمد ومالك والشافعي- يقولون: لا بد من الطعام. وأجاز الحنفية النقود، أنها تخرج نقودًا، لكن لا دليل على هذا، والأدلة تدل على أنه يخرج طعامًا. وهناك قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إذا رأى الذي يخرج الزكاة أن المسكين بحاجة إلى النقود أكثر من الطعام، مثلا يكون عنده طعام لكن ليس بذاك الطعام الذي يكفي، أو أن هناك أشياء لا بد أن تكون معه، فقال: فلا بأس أن يعطى مالًا. لكن الصحيح كما قلنا، الذي عليه العمل، أنه تخرج طعامًا. وأما المال فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا فيه استبدال ما جاء في الشرع؛ الشرع جاء بالطعام وهذا يخرج نقودًا، فهذا خطأ. إلا إذا كان يريد أن يخرج نقودًا ويوكل من يشتري له طعامًا، يثق في إنسان فوكله أن يشتري له طعامًا ويوزعه على الفقراء والمساكين، فهذا لا بأس. أما أنه يخرجها ويعطيها نقودًا فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أيضًا عن السلف؛ ما كان يخرجون إلا طعامًا في زكاة الفطر. المسألة الثانية: مسألة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يخرج هو صاع من طعام. أولًا جاء في حديث، في حديث ابن عمر الذي ذكرنا: قال: «فعدل الناس»... لما قال: «فعدل الناس عن الصاع فأخرجوا نصف صاع من البر». في حديث أبي سعيد قال: «فلما جاء معاوية وجاءت السمراء» -أي البر الأسمر، البر- «وجاءت السمراء فعدل معاوية» في رواية: «فعدل الناس بنصف صاع تجزئ عن الصاع في غيره». فقال أبو سعيد: «أما أنا فلازلت أخرجها على ما كنت أخرجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم». ف هنا مسألة: أولًا أنه يخرج صاعًا، إلا ما حصل من اختلاف بين العلماء في إخراج البر، بل بين الصحابة: هل يخرج نصف صاع أم يخرج صاعًا؟ الإمام أحمد يقول: نصف صاع، وبقية الأئمة يقولون: صاع، وهذا أولى؛ لأنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. صحيح أن البر لم يكن موجودًا أو كان قليلًا، لكن لما جاء البر أخرج بعض الصحابة نصف صاع من البر لأنه أنزل وأكثر وأثقل من الأشياء التي ذكرت، وبقي بعض الصحابة يخرجون صاعًا لكن من غيره. فجاء في الحديث كما ذكرنا أن نافعًا قال: وكان ابن عمر قال: «فعدل الناس بالبر نصف صاع»، قال: فكان ابن عمر يخرج تمرًا، فلما أعوز أهل المدينة أخرج صاعًا من شعير. أخرج صاعًا من شعير؛ لأن معناه: لما أعوز، أي احتاجوا إلى الطعام الذي يكون دقيقًا مثلا أو مثل الشعير والبر، فكان يخرج صاعًا من شعير. وكلام أبي سعيد أيضًا يدل على أنه لم يرضَ بأن يخرج البر بنصف صاع، فلهذا فهذا الأفضل والأولى. وأيضًا من باب التحري والاحتياط أنه يخرج صاعًا ولو كان من بر. المسألة الأخرى: ما هو مقدار الصاع؟ تابع لهذا: ما هو مقدار الصاع؟ الصاع هو أربعة أمداد، لكفي الرجل المعتدل، أربعة أمداد لكفي الرجل المعتدل. هذا مقدار الصاع عند العرب. وقد جاء، أو قد ذكر كثير من العلم، أنهم حفظوا مقدار المد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كانوا يتعاملون به في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد أن هذا المد جاء إلينا متابعًا بالسند إلى بعض العلماء إلى وقت قريب، تتابع بالسند على أنه هذا المد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهل هو نفسه الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره؟ الله أعلم. لكن أنه كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فلذا إلى قريب والعلماء يتواردون هذه الأسانيد. ولعل آخر من قرأت عنه أنه أخذه بإسناد: الشيخ العلامة أحمد بن يحيى النجمي، رحمة الله عليه، علامة الجنوب، رحمه الله وغفر له وأسكنه الجنة. فجاء بإسناد، إلى من... بإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصاع، أو بهذا المد. فلذا أخذ كثير من المعاصرين هذا المد وقاس به بعض العلم، معناه حتى يكيل بهذا، معناه مثل هذا الصاع. فذكر كثير من العلم -وهم لا يحصون- أن هذا الصاع جاء: ملء علبة الشوفان، علبة الشوفان أو هذا الكويكر، أو كذلك السيرلاك، أو بعض الألبان. فجاءت نفس المد، جاءت نفس المد. فلذا كالوا بهذا، معناه: أربع مرات من هذه العلبة تكون صاعًا. ولا شك أن الكيل أفضل من الوزن؛ الكيل أقرب إلى الصحة من الوزن. فلذا الكيل بالمد أقرب، معناه: ما في يكون فيه اختلاف، هذا وزن كذا وهذا وزن كذا. فبالمد أفضل. فلو أن إنسان جاء له بعلبة هذه الكويكر والشوفان وأخذ بها أربع مرات لكل واحد، أفضل له من أن يأخذ بالوزن. لكن العلماء لما كان الناس يتعاملون بالوزن حولوا الكيل إلى وزن. وإلا كان الناس يكيلون الطعام إلى وقت قريب؛ نحن نعرف القفيز وكذا، هذا يعتبر كيلًا، يعتبر كيلًا. فلذا كان الناس يتعاملون في الطعام بالكيل. لكن لما جاء الوزن وتعامل الناس أكثرهم بالوزن، حاولوا العلماء أن يحولوا الكيل إلى وزن. وهذا لا شك أنه سيختلف، ولهذا تجد اختلافات كثيرة الآن بين كلام العلم: منهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول كيلو ونصف، ومنهم من يقول أقل. وكذلك بعضهم أيضًا يأتي بالكيل ويحوله إلى وزن، ويقول: وزنه كذا، معناه مثلا الأرز كيلو ونصف، الدقيق كيلو كذا، البر كيلوين، وهكذا. هذا كيف يفعلون؟ يأتون بالكيل، هذه العلبة، يأتون يملؤها ويزنونها، وما خرج من الوزن يكتبونه على أن هذا وزنه كذا في زكاة الفطر. فلذا كما قلنا: احتاج العلماء إلى تحويله إلى وزن لأن الناس يتعاملون بالوزن، بالكيلو وكذا. فاختارت اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز، رحمهم الله جميعًا، أنه ثلاثة كيلو، وزنوه بالبر الثقيل. واختار الشيخ ابن عثيمين أنه كيلو وأربعون جرامًا. وأيضًا كثير من الباحثين قالوا: أنه كيلو ونصف. فهذا كلهم من باب التحويل في هذا الباب. وبعضهم أراد الدقة، كما قلنا: أخذ الكيل ووزنه، فوزن كل شيء بحسبه: الأرز والبر والدقيق، وما كان يقتاته أيضًا بعض الناس: العدس أو الفول أو غيرها من البقوليات التي اقتاتها الناس ويأكلونها، كما قد ذكرنا بالأمس. فلذا فلا داعي من الاختلاف الكثير وتشعيب المسألة، وأن هذا اختلاف... لا، ليس هذا إنما اختلاف فقط في التحويل، اختلاف في التحويل. لو أخذ الإنسان بالكيل أفضل له من هذا الوزن. أخذ بالكيل، لا ينظر إلى وزن، لا ينظر إلى ثلاثة كيلو ولا كيلو ونصف. يأخذ علبة ويأخذ أربع مرات في هذه العلبة لكل واحد، يكون صاعًا، يكون صاعًا. ولا ينظر إلى الوزن، لا ينظر إلى الوزن. بعض الناس مثلا عندهم يقولون: علبة الدانوب، علبة الدانوب ظاهر أنها كبيرة، ولم أيضًا يقيس بها العلماء الصاع؟ معناها هي أكثر من الصاع. وأيضًا على أخذت على القول بأدناها: ثلاثة كيلو. فلذا ليست محل كيل، لا لا يكال بهذه العلبة الدانوب لأنها لم تضبط في إخراج الصاع أو في تقدير الصاع. فلذا يحتاج... الذي يريد أن يخرج يخرج بالعلبة، أفضل له كيلًا. وهذا الأصل، هذا الأصل وهو الإخراج بالكيل، فيخرج كيلًا ولا ينظر إلى الوزن. هذا أفضل. وإن أراد الوزن يأخذ بكلام العلم، إن شاء أخرج ثلاثة، وإن شاء أخرج كيلو ونصف. فكل هذا كما قلنا من باب اجتهاد العلماء. فهذا ما يذكر في هذه المسألة. طيب، هنا مسألة مهمة هذه الأيام: وهي إذا صادفت صلاة العيد يوم الجمعة، هل تسقط الجمعة؟ هذه المسألة أثارها كثير من الناس الآن، أثارها كثير من الناس. وليس الإنكار عليهم بسبب أنهم قرروا المسألة، لكن الإنكار عليهم بسبب أنهم تحاملوا على الآخرين، مع أنها مسألة مطروحة بين العلماء والخلاف موجود. وهم يقولون: نحن نحترم أقوال المذاهب وكذا، لكن في هذه المسألة... محترموا الأئمة... قرأت البارحة بحثًا لرجل يقال له حسن الكاف وكذا، فجهل من يقول بأنه يترخص في الجمعة. قال: هؤلاء جهال ما يعرفون، هؤلاء يشغبون على الناس. وفي آخر البحث جاء بطامة: قال: هؤلاء يريدون أن ينقصوا من عبادة الموحدين. سبحان الله! الموحد يتعلق قلبه بقبر وبمقبور؟ أي موحد هذا؟ ولا يتعلق بالله. لكن يريد أن يشنع فقط. فقال: هؤلاء يريدون أن ينقصوا من عبادات الموحدين، فأجازوا لهم الترخيص بالجمعة. وهذا لا يحتاج لمثل هذا الكلام. المسألة كما قلنا مطروحة بين العلماء والخلاف موجود. فمالك وأبو حنيفة يقولون: أنه لا تجزئ، يصلي العيد ويصلي الجمعة. والشافعي رحمه الله رخص لمن كان بعيدًا عن المدينة، ولم يرخص لأهل المدينة. وأحمد قال: بأنه يرخص لكل الناس، لكل المسلمين، إذا صلى العيد رخص له في ترك الجمعة. هذا أقوال العلماء، وهي كما قلنا... أقوال أقصد أهل المذاهب. وإلا فالمسألة هي أبعد من هذا، ليس فقط قول أحمد، بل هذا قول أكثر السلف. بل لم يعرف من السلف من قال أنه لا يرخص. أقوال السلف كثيرة جدًا في أنه يرخص. لكن اختلفوا: هل يرخص للجمعة والظهر، أم الجمعة فقط؟ هذا شيء آخر. لكن كلهم اتفقوا على أنه يرخص للجمعة إذا صلى العيد، رخص له في ترك الجمعة. هم يقولون: أن الأحاديث ضعيفة. وهذه كذبة. معنى الأحاديث ضعيفة... سبحان الله! سأبين لكم أن هؤلاء أهل أهواء، مثل ما قال الإمام أحمد: أهل الأهواء يأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم، يأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم. إذا كانت المسألة عليهم قاموا وحققوا في الأحاديث، وقال: فلان كذا، وقال فلان كذا، وهم لا يعبؤون بذلك في كثير من الأحاديث. بل كتبهم مليئة بالأحاديث الموضوعة التي وضعت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والضعيف جدًا، حتى في الفقه ما يتحرجون الأحاديث في هذا. وإنما إذا كان حديث يؤيد قولهم لا ينظرون إليها: الصحيح أو ضعيف. لكن في هذه المسألة صاروا محدثين، ما هم من المحدثين، ويعلون الروايات وكذا. الآن سأعرض عليكم بعض الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة. جاءت عدة أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: منها ما جاء في حديث عياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية... وهذا الحديث في السنن. قال: شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم: يا زيد، هل شهدت النبي عليه الصلاة والسلام اجتمع في يوم عيد وجمعة؟ قال: نعم. قال: فماذا فعل؟ قال: صلى العيد ورخص في الجمعة. قال: صلى العيد ورخص في الجمعة. فقالوا: هذا الحديث... هذا عياس الشامي، هذا عياس بن أبي رملة، قال: هذا مجهول. قال ابن المندق: أنه مجهول. وقال ابن القطان: مؤيدًا لكلام ابن المندق. طيب، ابن المندق لم يعرف هذا الرجل، فهل معنا إذا لم يعرف ابن المندق يكون مجهولًا؟ وأما ابن القطان فلا يعول عليه في المجاهيل، فهو يجهل أناسًا كثيرين، وهم لا يعولون أيضًا على ابن القطان؛ لأنه يتبع مذهب شيخه ابن حزم، فهم لا يعولون عليه أصلًا. لكن في هذه المسألة لما كان لهم قاموا وذكروا ابن القطان، وأنه قال: مجهول. وعياس بن أبي رملة هذا رجل شامي تابعي كبير من كبار التابعين، وعرفه من هو أعلم بعلم الحديث من ابن المندق ومن غيره. حرفه الإمام أبو الحسن علي بن المديني، رحمة الله عليه، وصحح له. وكذلك ذكره ابن حبان في كبار التابعين من أهل الشام، ووثقه في كتاب الثقات. معنى هذا: أقل شيء أن يقال فيه: حسن الحديث. أقل شيء أن يقال فيه: حسن الحديث. فكيف وهو قد أيضًا جاءت له شواهد تدل على صحة هذا الكلام؟ طيب، خرجنا من هذا الحديث. جاء أيضًا في السنن حديث رواه بقية بن الوليد عن شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن نافع عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام اجتمع في يومه عيدان: العيد، عيد الفطر، والجمعة. فصلى العيد ورخص، وقال: «من شاء أن يجمع فليجمع». قال: «إنا مجمعون». فمن شاء أن يجمع معنا فليجمع، ومن شاء أن يجمع فليجمع. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: صلى العيد، ثم قال: «إنا مجمعون». معناه: يقول: أنا سوف أصلي الجمعة، لكن من أراد أن يصلي معنا صلى، ومن أراد أن يترخص ترخص. معناه: جعل هذا الأمر بمشيئة الإنسان. من أراد أن يصلي الجمعة جاء وصلى. طيب، هذا الحديث ما درو... يأتون له بعلة: قالوا: بقية بن الوليد لا يؤخذ بحديثه. وهذا غير صحيح. بقية بن الوليد حافظ كبير من حفاظ الشام. وإنما أخذ عليه التدليس، أخذ عليه أنه يقول: عن فلان وهو يريد آخر، وكذا. المهم: وهنا ذكره بالتحديث، وأكثر من روى عنه هذا الحديث قال: حدثنا شعبة. وشعبة الإمام، إمام أهل الحديث. فالحديث محتمل الحسن. لكن قد رواه بعضهم مرسلًا، ولهذا صحح الإمام الدارقطني إرساله. وهذا الرجل ذكر تصحيح إرسال الدارقطني، وأنه قال: الدارقطني هذا مرسل. وسبحان الله! تجد أن الإمام الدارقطني قد أعل أحاديث كثيرة من أحاديث الفقه التي استدلوا بها، لكن لا يبالون بكلامه، ولا أيضًا يذكرونه. لكن هنا لما كان على أهوائهم وعلى ما أرادوا من مشارب، قالوا: أنه ضعفه الدارقطني وقال: مرسل. طيب، حتى لو قلنا أنه مرسل، أليس يكون شاهدًا للذي قبله؟ هذا من أصول الحديث: أن المرسل إذا كان... أو حديث مرسل وهناك حديث ضعيف يسير ضعف، يتقوى به، يتقوى به. وأيضًا زد على ذلك أنه جاء أيضًا عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر، وجاء أيضًا من حديث ابن عباس. هذه شواهد كلها. وهناك حديث لا يستطيعون أن يضعفوه، والعجيب أنهم ما يذكرونه أبدًا في بحوثهم، وهو موجود في السنن، موجود في سنن أبي داود، والنسائي، بإسناد صحيح، لا يستطيعون أن يضعفوه. والعجيب أنهم كما قلنا ما ذكروه أبدًا، ولا جعلوه شيئًا، ولا جعلوه في المسألة. وهو فعل ابن الزبير، رضي الله تعالى عنه. فأخرجه أبو داود من طريق الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن عطاء عن ابن الزبير. وأخرج أيضًا أبو داود والنسائي من طريق وهب بن كيسان عن عبد الله بن الزبير. وهو حديث صحيح، لا شك في صحته. وهو أن قال عطاء: شهدته ابن الزبير في يوم عيد اجتمع مع الجمعة، فصلى العيد ثم دخل بيته، ولم يخرج إلا صلاة العصر، ولم يخرج إلا صلاة العصر. فقال عطاء: أما نحن فصلينا، وحدان معنا صلوا الظهر. قال: فلما كان ابن عباس بالطائف، فلما جاء ابن عباس ذكرنا له ذلك. قال عطاء: فلما جاء ابن عباس ذكرنا له فعل ابن الزبير، قال: أصاب السنة. قال: أصاب ابن عباس، قال: أصاب السنة. أن هؤلاء الصحابة ما يعرفون... وسئل أيضًا ابن الزبير نفسه عن هذا، قال: رأيت عمر بن الخطاب اجتمع في يومه هكذا، ففعل مثل ما فعل عمر بن الخطاب، إمام من أئمة السنة، وخليفة من خلفاء الأمة، وأيضًا ممن أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ سنته. فقال ابن الزبير: حضرت مع عمر، ففعل مثل ما فعلت. فهذا أيضًا قول عمر. وذكره أيضًا العلماء أنه قول علي، وابن مسعود. وأيضًا فعل ابن الزبير، وابن الزبير يعتبر من الصحابة. فهل هؤلاء يقال فيهم: جهال ما يعرفون؟ بل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يعرف أن أحدًا خالف هذا الفعل. لا يعرف أن أحدًا من السلف، من الصحابة... ولهذا جاء أيضًا في بعض روايات وهب بن كيسان أنه قال: فقيل لابن عمر، فلم ينكر ذلك. أنا قيل له: ابن الزبير فعل كذا، لم يصل الجمعة، فقال: فلم ينكر ابن عمر ذلك. فهؤلاء كلهم الصحابة اجتمعوا على هذا القول. فلذا، ولم يأتِ أحد عن أحد من الصحابة أنه أنكر فعل ابن الزبير. كانوا متواجدين. أنكر عليه بعض بني أمية، أنا ليس من العلماء، وإنما من العامة، أنكروا عليه. لكن لما جاء ابن عباس وسألوا، قال: أصاب السنة. فهذه المسألة المطروحة في وقت السلف، وعرفها السلف، وأيدوا فعلها. هل يقال أن هؤلاء ما يعرفون؟ يأتي إنسان ويقول: هذا واجب، كيف يسقط بالسنة؟ قالوا: أن الجمعة واجبة، كيف تسقط بالسنة؟ صلاة العيد. ومن قال لكم أن صلاة العيد سنة؟ صلاة العيد قد جاءت فيها الأوامر. بل الإمام الشافعي رحمه الله في «الأم» ينص على أنها واجبة. الإمام الشافعي نفسه في «الأم» يقول: أن حضور العيد، أن وجوب حضور العيد كمن وجب عليه حضور الجمعة، على مثل حضور الجمعة، أنه واجب أيضًا. كذلك حضور العيد واجب. وإن تأولها بعضهم كما قال الحافظ ابن رجب، فأول بعض الشافعية هذا الكلام إلى أنه أراد: أنه من يحضر الجمعة، العيد يحضر، من يحضر الجمعة يحضر العيد. لكن النص: ذكر الشافعي رحمه الله الوجوب، أنه يجب على من يحضر الجمعة يحضر العيد. وهذا دليل صريح على أن الشافعي رحمه الله يرى الوجوب. وكذلك هو قول الحنفية، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من الحنابلة يقولون أيضًا بوجوب العيد، صلاة العيد. وهذا الذي دلت عليه الأدلة. من ذلك حديث أم عطية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حتى الحيض وذوات الخدور، عن البنات التي لا يخرجن، أن يشهدن العيد، ودعوة المسلمين، أو يشهدن صلاة العيد ودعوة المسلمين. وأيضًا كذلك جاء في السنن أن عن عسامة بن عمير، عن بعض عمومته من الأنصار، أنهم شهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال، وكانوا في سفر، جاءوا... جاءوا من سفر في الطريق، رأوا هلال شوال، وأهل المدينة لم يروا، قد يكون هنا غيم أو كذا ما استطاعوا أن يرونه. فجاءوا وشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم في آخر النهار، وقالوا: قد رأينا الشهر. قال: فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس أن يفطروا. هذا وقت ليس وقت رمضان، أمرهم أن يفطروا، وأن يخرجوا من غد إلى الصلاة، وأن يخرجوا من غد إلى الصلاة. معنا: هذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يخرجون إلى الصلاة. فهذا يدل على وجوب صلاة العيد. كثير من شباب يتساهل، يسهر كل الليل، وإن كان فيه خير صلى الفجر ثم ينامون عن الصلاة. بل هذه واجبة. صحيح أنها واجبة. وحتى لو قلنا أنها ليست واجبة، فليس هناك دليل أن الواجب لا يسقطه السنة. وأيضًا كما ذكر العلماء، كشيخ الإسلام وغيره، أن الهدف من الجمعة هو الاجتماع، الهدف من الجمعة هو اجتماع المسلمين وتعارفهم وكذا. وقد حصل في العيد. أنا لا داعي أن يكون مرتين اجتماع في يوم واحد. خلاص حصل في العيد، اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل في العيد، ورخص في الجمعة: من شاء يأتي، ومن شاء لا يأتي. فهذا أيضًا يقتضيه العقل، ويقعضيه أيضًا النصوص. فلذا ليس هناك تعارض بين وجوب ولا استحباب. وأيضًا كذلك من الأمور التي ذكروها: قالوا: معنا بعض الفضلاء سمعت يتكلم، وقال: أن الله عز وجل أمر بحضور الجمعة، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قال: لم يخص وقتًا دون وقت. وتخصيص أنه من صلى العيد... هذا معارض للآية. وهذا كلام باطل، كلام باطل، ولا يقوله إنسان يعرف الأدلة. أولا: حتى لو قلنا أن هذه الآية لم يخصص فيها وقت، خصصته... خصصته لحديث. فانظر إلى المسافر مثلًا: المسافر إذا كان مارًا وسمع النداء، ما في أحد يقول أنه لابد أن يصل للجمعة. على هذا: خصص من الذي خصصته أدلة السنة، خصصته أدلة السنة. وكذلك هذه المسألة: خصصته أدلة السنة التي جاءت في السنة، خصصت أن من صلى العيد يترخص له في الجمعة. فالاستدلال بالآية غير صحيح. والمهم: خلاصة ما يذكر، كما قلنا: أن التشغيب تشغيب كثيرًا من الناس، سواء كان من أهل التصوف، أو من الحنابلة الذين الآن تعصبوا للمذهب الشافعي، أيضًا كذلك يشغبون في هذه المسألة. فهذا ما يحتاج إلى مثل هذا التشغيب وهذا الإثارة وتهويل المسألة. مسألة كما قلنا فيها خلاف. إذا رأوا أنه لا يترخص، هذا قول علماء. وإن رأوا أنه يترخص، أهل قراء، هذا قول الشافعي. مع أن أهل العوالي، العوالي قريب من المدينة، العوالي الذين رخص لهم عثمان بن عفان كما في البخاري، رخص لهم، ولم يذكر أهل المدينة. ما ذكر عثمان أهل المدينة، ذكر أهل العوالي، أنه يرخص لهم. وهذا لا يدل على أن المدينة لا يرخص لهم. حتى لو قلنا هم استدلوا بحديث عثمان، أو بأثر عثمان، هذا وهو في البخاري، كما قلنا: أنه صلى، اجتمع عيد وجمعة، فصلى بهم العيد، ثم قال لأهل العوالي: من شاء أن يذهب ولا يرجع فليذهب، فقد أذنت له، فقد أذنت له. فهذا الكلام لا يدل على أنه لا يرخص لأهل المدينة؛ لأنه لم يذكر أهل المدينة، وإنما ذكر أهل العوالي، حتى يفهمهم أنه لا يجب عليهم أن يرجعوا للجمعة. أراد أن يفهمهم هذه المسألة. فهذا ليس فيه تعارض مع أقوال السلف الآخرين. وإنما أراد عثمان رضي الله عنه أن يعلم هؤلاء، لأنهم ما يعلمون. أما أهل المدينة فأكثرهم قد علموا هذه المسألة، وصارت عندهم شيء معروف. فلذا قال: من كان من أهل العوالي فأراد أن يذهب ولا يرجع فقد أذنت له. وانظروا أيضًا إلى أن العوالي ليست بعيدة من المدينة. الآن العوالي الذي في المدينة، ممكن أن من برع السدة إلى هنا... معنى: يستطيعون أن يأتوا. ليس العوالي بعيدة. أنس رضي الله عنه في الصحيحين يقول: كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويذهب أحدنا إلى العوالي، ويرجع والشمس لازالت حية. معنى: يرجع ولازالت الشمس حية، معنى: عادة بيضاء، الشمس مصفرة. ولو قلنا مثلًا أنه يمشي إلى العوالي نصف ساعة ويرجع نصف ساعة، معنى: ساعة. هذا بالكثير نعطيها ساعة. معنى: بعد صلاة العصر قال يخرج... قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله، فيخرج أحدنا إلى العوالي، وقال مالك: إلى قباء، قال: ويرجع، لكن الصحيح الذي عليه أكثر من روى الحديث قالوا: العوالي، يذهب إلى العوالي ويرجع من العوالي، قال: والشمس لازالت حية بيضاء. وهذا كما قلنا يدل على أن العوالي قريبة. وهو الآن المعروف: العوالي الآن معروف، عوالي المدينة قريبة من المدينة. معنى: ممكن يمشي الماشي ثلث ساعة وأقل إلى المسجد النبوي. فلذا كما قلنا: فهو لم يرخص لأناس بعيدين جدًا. لكن كما قال بعض العلم: عثمان رضي الله عنه أراد أن يبين لهم، لأن أهل العوالي غالبًا أعراب لا يعرفون شيئًا كثيرًا من الأحكام، فأراد أن يبين لهم عثمان أنهم إن أراد أحدًا يذهب ويترخص، يذهب ولا يرجع، فقد أذنت له. هكذا قال عثمان رضي الله تعالى عنهم. فخلاصة المسألة كما قلنا: لا خلاف بين السلف، رحمة الله عليهم، أولي الأمر، صحابة، كلهم: عمر، وابن عمر، وابن الزبير، وعثمان. ولم يعرف واحد من الصحابة أنكر هذه المسألة. زد أيضًا مع الحادثة التي ذكرناها، فهي في قيد الصحة والحسن. يعني ليست حديث باطلة أو حديث موضوعة، بل يقبل كثير من أهل العلم. بل هؤلاء أهل المذاهب أكثرهم يقبلون ما هو أضعف من هذا. فلذا فهذه الأحاديث صحيحة، ومع كلام الصحابة، فهل يبقى بعد ذلك شك في هذه المسألة؟ فكما قلنا: وإنما أنكرت التهويل الذي حصل من هؤلاء، وتجهيلهم لمن يخالفهم في هذه المسألة. وهذا يعتبر جهل، جهل بالمسائل. وإلا لو عرفوا أن الصحابة أو هؤلاء الصحابة كانوا يقولون بهذا، لما تفوهوا بمثل ما يقولونه الآن. لكن القضية هي تعصب: هذا مذهبي، خلاص، أنا أتعصب لهذا المذهب، ولو كان خطأ، ويرد القول الصحيح بأشياء واهية، وأعذار واهية. فنسأل الله عز وجل أن يسلمنا من التعصب ومن غيره. نسأله سبحانه وتعالى أن يهدي ضال المسلمين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويصلح ذات بينهم، ويجمع كلمتهم على الحق والدين. والحمد لله رب العالمين، وزاك الله خير.