شرح أعلام السنة المنشورة  66

شرح أعلام السنة المنشورة 66

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 66، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإيمان بعالم الملائكة وأثره

الإيمان بعالم الملائكة له ثمرات عظيمة منها تعظيم الخالق والإيمان بالغيب. يعطي المؤمن حلاوة الإيمان ويجعله مؤمنًا بالغيب.

فوائد دراسة عالم الملائكة وعظمتها

دراسة عالم الملائكة تعرف المسلم على عظمة الخالق وتحصنه من الأفكار الباطلة. تزيد من محبته وتقديره للملائكة بسبب عبادتهم لله.

تتمة الكلام عن ثمرات الإيمان بالملائكة

الإيمان بالملائكة يعين على الصبر والثبات ويطهر المسلم من العقائد الوثنية. يعتبر من مسائل العقيدة التي تعود بالنفع في دين المؤمن ودنياه وآخرته.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع الختامي يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فكان السؤال الأخير، إخواني في الله، في هذا المبحث الذي تطرق فيه المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى ما يتعلق بعالم الملائكة، وكان في ذكر شيء من أعمالهم ووظائفهم، وبعد ذلك انتقل المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى ركن آخر من أركان الإيمان. وهنا، إخواني في الله، وقفة، وبها مبحث آخر، يستحسن أن نختم به مبحث الإيمان بالملائكة، وهو: ما هي ثمرة هذا الباب؟ ما هي الفائدة التي يستفيدها المسلم والمسلمة إذا تعرف إلى عالم الملائكة، عن أنه ركن من أركان الإيمان، وأنه يكون بالإيمان بوجودهم، بأعمالهم، ووظائفهم، وقدراتهم، إلى آخره؟ ما الذي يكون ذلك من ثمرة تعود على المسلم في دينه؟ أخرى الثمرة، إخواني في الله، كثيرة وكثيرة جدًا، ويمكن أن نذكر بعضها في هذا المقام. ومن أهم ثمرات الإيمان بعالم الملائكة: أولًا، أن ذلك من الإيمان بالغيب، وهذه منزلة من أعظم منازل الإيمان، الإيمان بالغيب هو كل ما غاب عنك تؤمن به وتذعن له وتصدق به. فربنا جل في علاه حدثنا عن ملائكته، وهكذا نبينا في سنته، مع أن الواحد منا لو عاش دهرًا كله ما سيرى ملكًا من الملائكة أبدًا، لكن تؤمن ونقربه ونجزم بوجودهم، معنى ما نراهم وما سنراهم إلا أن يشاء الله في الآخرة. لكن في هذه الحياة الدنيا، ما الذي يجعلك يا عبد المستمسك بوجودهم؟ الذي يجعلك ذلك يا عبد الإيمانك بالغيب، وهذه المنزلة، إخواني في الله، من أعظم المنازل، الذي فارق بها المسلمون الملاحدة والفلاسفة، الملاحدة والفلاسفة لا يؤمنون بالغيب. وقد مر معنا كيف أن الفلاسفة والملاحدة كيف أنهم أولوا عالم الملائكة بماذا؟ قيل: بأنها الأفلاك، قيل: بأنها الكواكب، قيل: بأنها كوامن الخير، لماذا وصل بهم الحال إلى هذا الحال؟ أوصلهم إلى ذلك الكفر والجحود وعدم الإيمان بالغيب، وما يمكن أن نسلم بوجود عالم بهذه الصورة وبهذه المثابة. قوم لهم أجسام ولهم خلقة، وهم هنا وهم هنا وهم هنا، ونحن لا نراهم، هذا لا يمكن أن نصدق به. وربنا سبحانه وتعالى عندما ذكر صفات المؤمنين قال: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾، أول صفة ذكرها ربنا عز وجل في أهل التقى وفي أهل الإيمان أنهم ممن يؤمنون بالغيب. فكونك يا عبد الله تعتقد وتقر بوجود الملائكة، هذا إيمان يعطيك ربنا جل وعلا حلاوة الإيمان في القلب، ناهيك عن الأجور العظيمة التي تنالها، فهذه من أعظم الثمرات التي يستفيدها المسلم من خلال إيمانه بالملائكة، أنه مؤمن بالغيب. كذلك مما يدل هذا المبحث، إخواني في الله، ويعود نفعه إلى المسلم والمسلمة في هذه الدار، أن الإيمان بعالم الملائكة يدل على عظيم الرب سبحانه وتعالى، عندما تتعرف على الملائكة وعلى خلقتهم وعلى هيئتهم وعلى ما وكلهم الله جل وعلا به. فحينها، عندما تعظم مثل هذه مخلوقات، إنما هو في الحقيقة تعظيم للخالق، للذي خلق سبحانه وتعالى. مر معنًا ما جاء في صفة جبريل عليه السلام، أن النبي رآه على هيئته، وله ستمائة جناح، وقد سد به الأفق، هذه الهيئة العظيمة الجليلة تجعلك يا عبد الله كما أنك تتعجب من هذه الخلقة، لكن بالمقابل تقول: سبحان الخالق، سبحان الذي خلق، سبحان الذي سوى. وعندما ذكرنا الأعداد الضخمة التي خلقهم الله من هذا العالم، فقد ذكرنا في درس أمس ما يتعلق بالذين يجرون جهنم، بلغت أعدادهم -كما على حساب بعض المعاصرين- وهذا استفادوه من حديث السنة، أن جهنم لها سبعون ألف زمام، ولكل زمام سبعون ألف ملك، بلغ إحصائية عدد الملائكة أنهم أربعة مليار وتسعمائة مليون، هؤلاء فقط خلقهم الله لجر جهنم، لجرها. فكيف بعظيم أعدادهم؟ وقد مر معنا أن البيت المعمور يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، ومن دخل ثم خرج لا يرجع أبدًا، ما يرجع، لماذا؟ لكثرة الازدحام من الملائكة، خلق عظيم، يا عبد الله، لربما تنقطع الأذهان والأفكار في تخيل هذا العالم، هذا ماذا يجرك إلى تعظيم الخالق؟ سبحان الخالق، سبحان الذي خلق جل في علاه. وقد جاء كذلك من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». والحديث ذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع. العقل ما يمكن يتصور، تخيل فقط هذه الهيئة، تخيل مساحة شحمة الأذن، وهذه العاتق، وهو أصل العنق، تخيل هذه المسافة، يقول نبينا في حال الملك، والله أعلم بهيئته، لكن هذه المسافة التي نراها شبر ودون الشبر، هذه تقطع في سبعمائة سنة، تقطع في سبعمائة سنة، يعني يأتيك جيل جيل الأجداد، ثم الآباء، ثم الأبناء، ثم الأحفاد، جيل بعد جيل، جيل بعد جيل، وكل هذه الأجيال السبعمائة سنة إنما يقطعون هذه المسافة. أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، سبعمائة سنة، الذي لو قلنا لك مسيرة يوم -مثلًا- يعني تسير 24 ساعة، مسيرة يوم، حسب الكيلوات كم؟ ليس بيوم، مسيرة يومين، مسيرة أسبوع، تمشي يا عبد الله أسبوع، كم ستقطع؟ تخيلت شهر، كم ستقطع؟ سنة، كم ستقطع؟ ما الشيء لو قد سنتين، ثلاث سنين، خمسين سنة، مئة سنة، ما وصلت لشيء، كيف لو قد مئتين سنة؟ فكيف إذا وصلت إلى سبعمائة سنة؟ وهذا في ماذا؟ ما بين شحمة الأذن إلى العاتق فقط. كم ما يمكن للعقل أن يتصور هذا الخلق العظيم؟ لربما الأذهان قد تطيش بك، ما يمكن أن تتخيل هذا خلق واحد ممن خلقه الله، فإذا دل المسلم التعلم مثل هذه المسائل، إخواني في الله، يكون فيه عنده عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فهذا من أعظم ثمرات هذا الباب، يا عبد الله، أنك ماذا تتعرف على عظمة الرب سبحانه وتعالى فيما خلق من مخلوقاته، كهذا العالم العظيم. وهكذا قال علماء: من فوائد هذا الباب التعرف على هذا العالم العظيم على حقيقته، تتعرف على الملائكة على حقيقتها، لأن هذا الباب، إخواني في الله، قد طاشت به أقلام، طاشت به أقلام، فكم من أناس كتبوا في هذا الباب بحق وبباطل، وبما يعرفون وبما لا يعرفون. فكم أتت لنا روايات وقصص وحكايات تنسج حول الملائكة، فالذي ما عنده علم بهذا الباب، لربما يأخذ بمثل هذه الأفكار، وهي باطلة ما تصح، لكن كيف تدفع هذه الأفكار؟ وهذه التخيلات تدفع يا عبد الله بالتعرف على عالم الملائكة كما مرت، تتعرف على صفات ما يكون من تعبدهم، ما يكون من خضوعهم وخشوعهم وخوفهم من ربهم، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم يفعلون ما يؤمرون، إلا غير ذلك. إذا درست هذا الباب ستعرف هذا العالم على حقيقته، لكن الذي يجهل هذا الباب، لربما تدخل عليه الترهات، وتدخل عليه كذلك الأغلوطات، مثاله ما نسج حول قضية الملكين، على مذهب جمهور المفسرين في قصة هاروت وماروت، جاءت بعض الروايات المكذوبة الذي يدفعها ويأباها العقل، فضلًا عن الشرع. حيث أن من تلك الروايات المنسوجة أن الملائكة عندما رأوا أن الله عز وجل أراد أن يخلق آدم ويخلق ذريته في الأرض، قالوا: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟»، وأن هؤلاء البشر سيعيثون في الأرض فسادًا، وهذا الحاصل. فقال ربنا عز وجل: إذا أردتم أن تعرفوا قوة آدم وما عليه ذريته من الصلاح، وخاصة الأخيار منهم -يعني- اختاروا اثنين منكم ينزلان في الأرض وينظر عظم البلاء الذي يتعرض له آدم وذريته، فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهم الله إلى الأرض، وجعل فيهم الشهوة، لأن الملائكة لا شهوة لهم، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون. فلما أنزل الله هاروت وماروت -قد اختيرا على الرواية المزعومة من قبل الملائكة لأنهم كانوا من أعبدهم- نزل على الأرض، وجعل الله فيهم الشهوة، وحينها بدأت الفتن تدب إليهم، ومن ذلك تلك المرأة الحسناء الجميلة التي جاءت إليهم وعرفت بأنهم يصعدون إلى السماء ويعرجون منها، وذلك بكلمات يدندنون بها فيصعدون وينزلون. وأنها أرادت أن تأخذ منهم هذه الكلمات حتى تصعد، فإذا بهم أبوا، فأرادت أن تغريهم، فدخلت عليهم وهي متجملة متزينة، وعندها صبي صغير، فأمرتهم بأن يقتلوا الصبي، فأبوا، فأمرتهم أن يقعوا بها، فأبوا، حينها أمرتهم أن يشربوا الخمرة، فتساهلوا في الخمرة، فشربوها حتى سكروا، فلما سكروا ماذا فعلوا؟ قتلوا الصبي وفعلوا الفاحشة بالمرأة، وأن حلال سكرهم تلفظوا بكلمة السر الذي تصعد لهم إلى السماء، فأخذتها المرأة الحسناء وأرادت أن تصعد بهم، فلما صعدت مسخها الله إلى كوكب الزهرة، كوكب من الكواكب معروفة يسمى بالزهرة. قالوا: هذه هي الزهرة، هي عبارة عن امرأة فاتنة أغوت هاروت وماروت، هذا باطل، إخواني في الله، هذا موجود في كتب التفاسير، يوجد في كتب الأحاديث، يوجد هذا كتب عن طريق بعض العلماء وبعض من يتتبع مثل هذه الأحاديث، لكنها باطلة موضوعة، هذا من يدخل فيها يدخل فيها الذي ما يتعمق بها وما عنده علم بهذا الباب. لكن الذي عنده اطلاع يأبى هذا، يدفع، يقول: ملائكة تزني؟ ملائكة تشرب الخمر؟ حاشا وكلا. ولهذا، إخواني في الله، التعرف على هذا الباب يدفع عنك الكثير والكثير من التخرصات والأغلوطات التي انقدحت في كثير من الأذهان، ولا تنقدع إلا في حق من جهل هذا الباب. ولهذا، إخواني في الله، من ثمرة معرفة باب عالم الملائكة أنك بالتعلم تحصن نفسك من أن تنخرط بهذه الأفكار المخلة، والذي تخدع في جنسهم وفي عالم هذا الباب، أو في عالم الملائكة الأبرار. وأيضًا، إخواني في الله، مما يستفاد من التعرف على هذا الباب -كما قال علماء المحبة- أنك تحب هذا العالم من العو، تحبهم وتجلهم وتقدرهم لما كان من أمرهم ومن عبادتهم ومن تعبدهم لله جل وعلا، وهذا له آثاره. من هنا قال علماء: أن من استهزأ بهم أو ضحك عليهم أو أنه سخط منهم، فإنه يكفر، ويقام عليه الحد، إما تعزيرًا إذا كان له سبب، وإما رده إذا كان في ذلك الجحود والاستهزاء بهم، فهم عالم حقه أن يعظم، وحقه أن يحب، وأن يجل، لأنه من عباد الله الأخيار، بل عباد مكرمون، وصفهم ربنا جل وعلا بهذا الوصف. وهم قد مر معنا أنهم الذين يتعبدون: ﴿لو إنا لنحن المسبحون لا يفترون﴾ أبدًا عن عبادة الله ولا عن طاعته، والمؤمن إنما يكون معظمًا محبًا لمن تقرب إلى ربه، وهذه عقيدة الولاء والبراء، الولاء أن توالي كل من كان من والى الله، ومن كان من عباده الأخيار، وعلى رأسهم الملائكة، فإنهم يحبون لموقفهم وما كان من عبادات مطاعاتهم لله سبحانه وتعالى. وأيضًا، كذلك، إخوانًا في الله، مما يستفاد من هذا العالم، التعرف على عالم الملائكة، الصبر، الصبر يا عبد الله عند الفتن، الصبر عند المحن، وخاصة عندما يكون المؤمن غريبًا، وعندما يكون مفتونًا بزمن، لربما يبتل فيه في جنب الله، فلا يجد أحدًا من يعاونه، ولمن يمد له يد العون ويعينه على الثبات. فحينها، يا عبد الله، لك الحق أن تستأنس بهذا العالم، تعلم أنك لست الأوحد في الطريق، إن لم يكوناك أحد من جنس البشر في قريتك أو في بلدتك أو في بيتك، حتى إذا ما عندك أحد يؤانسك ويواسيك على هذا الثبات، وعلى هذا الطريق الذي أنت تسلكه، تريد أن تلقى الله وهو عنك راض. يا عبد الله، فما وجدت أحد، وإن بالعكس وجدت الابتلاءات من كل حوب وصوف، فعليك تستأنس تستأنس بهذا العالم الضخم الموجود هنا وهنا، تستشعر بهم في بيوت الله، تستشعر بهم في الطرقات، تستشعر بهم أنه في كل مكان، خلق من خلق الله بعثه الله للناس كافة. قد مر معنا أين هم؟ في كل مكان، بل كما قال القيم: «ما من حركة من حركات السماوات والأرض إلا كان عن طريق هؤلاء ممن وكلهم الله سبحانه وتعالى». فتستأنس، عبد الله، بهذا العالم، هذا يقول علماء: من هنا كانت حكمة الله جل وعلا ما جاء في قضية الإسراء والمعراج. قال علماء: كانت من حكمة هذا الباب التثبيت لرسول الله -عليه الصلاة والسلام- عندما تعرض الذي تعرض له في مكة من الهجران ومن الاعتداء والعدوان، ومن الإعراض عنه وعن دعوته، حتى شق ذلك على نبينا -عليه الصلاة والسلام-، فكان من حكمة الله جل وعلا أن فرض على نبينا رحلة الإسراء والمعراج. فحينها رأى من آيات ربه الكبرى، شرح صدره، علماء: أنه ليس الأوحد، عالم السماوات الطباق مليئة بالملائكة، فكان هذا مما ساعده على الثبات وعلى المضي قدمًا في دين الله جل وعلا، وهكذا يا عبد الله أنت، فإذا استوحشت عليك الطريق وأحسست بغربة، وما هناك أحد ممن هم على شاكلتك في ثباتك ودينك. فاستأنسي، عبد الله، بمثل هذا العالم الكبير، فهذا عامل من أهم العوامل، يا عبد الله، الذي يعينك على الصبر والثبات على دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا قال علماء: من ثمرة هذا الباب أن يتطهر المسلم من العقائد الوثنية التي تلبست عند كثير من الناس، عندما يظنوا أن هناك كائنات خيالية موجودة في الكون، وأنها تفعل وتفعل. لا يعرض، ليس هناك كائنات خيالية، ما عند إلا الملائكة، هم الذين وكلهم الله سبحانه وتعالى، فهذا يبعد عنك قضية التخمين، وقضية كذلك الادعاء أن هناك كائنات موجودة في الأكوان تتحكم في الكون، وليس ذلك إلا ما كان من أمر الملائكة. وهكذا، يا عبد الله، تستفيد، ومن ثمرة هذا الباب، أن تعلم أن الملائكة هم في الأخير خلق من خلق الله، خلق من خلق الله، لا يدفعون عن أنفسهم ولا يضرون، فضلًا عن غيرهم، فهم ليسوا أربابًا، وليسوا آلهة، ﴿ولم يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾، ما يأمرنا ربنا بأن تتخذ الملائكة أربابًا، لأنها مخلوقات مخلوقات. وإن الله عز وجل إذا أتكلم بالوحي ماذا؟ خضعت الملائكة جميعًا، خضعت الملائكة جميعًا، فما رفع أحد رأسه عند كلام الرب سبحانه وتعالى، وهم من هم في خلقتهم وفي عددهم، لكنهم عند الله جل وعلا مخلوقات ذليلة، مخلوقات ذليلة، لا تملك لنفسها دفعًا ولا ضرًا. فمن خلال تعرفك، يا عبد الله، إلى هذا العالم الجليل، تعلم مقدار أنفسهم، وما ينبغي أن يعبدون، وأن يتخذوا آلهة من دون الله جل في علاه، هذا، إخواني في الله، بعض من يذكر في هذا الباب، وإلا فإن من العلماء من استفاض في ذكر هذا المبحث في بيان أهم الثمرات الذي يجنيها المسلم والمسلمة في إيمانه بعالم الملائكة. وهذا الذي ذكر يعتبر من أظهرها، وهناك بقية، لكن هذا الذي يضحى وبه نعلم، إخواني في الله، أن التعلم هذا الباب ليس فقط هي معلومات ثقافية -كما يدعيها البعض- حتى أصبح هذا التعرف على عالم الملائكة أصبح من فضول الأعمال، لا، يا عبد الله، بل هذه مسائل عقدية تعود عليك بالنفع في دينك ودنياك وأخراك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.