الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 98، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع مفهوم البعث وأدلته من القرآن والسنة وإجماع الأمة، ويذكر الآيات الدالة على البعث. البعث يعني عودة الأرواح للأجساد بعد الموت.
يتناول المقطع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت قدرة الله على إحياء الموتى، وتشرح كيفية البعث يوم القيامة.
يشرح المقطع قدرة الله على جمع الأجساد بعد تفرقها، ويستدل بحديث نبوي يضرب فيه النبي مثلاً لإحياء الأرض بعد موتها.
المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام الإقرار بعلم الله تعالى.
تغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل البعث من القبور؟ مر معنى ما يتعلق بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، ثم بعد ذلك يتم استخراج هذه الجثث من قبورها، وهو ما يسمى بالبعث. فالمؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا الأدلة الدالة على حصول البعث ووقوعه. فقال رحمه الله تعالى: ما دليل البعث من القبور؟ وقد عرف العلماء البعث بأنه عودة الأرواح إلى الأجساد. عودة الأرواح إلى الأجساد؛ قد مضى معنى أنه في الموت مفارقة الأرواح للأجساد، لكن عند البعث فإن الله جل وعلا يعيد الأرواح إلى الأجساد، والأدلة كثيرة. دل عليها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فالأدلة عامة دلت على حصول البعث ووقوعه. بل قال ابن حزم رحمه الله تعالى: اتفقت جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة، وعلى تكفير من أنكر ذلك؛ لأن جميع الملل التي تنتمي للأمة كلها اتفقت على حصول البعث، وعلى تكفير من أنكر ذلك. وهذا سيأتي مسألة التكفير وحكمه من أنكر البعث في درس غد بإذن الله أو درس قادم بإذن الله. فهنا سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة على البعث، والبعث كذلك يسمى أحيانا بالنشور، ويقال: البعث والنشور، وهي بمعنى واحد. قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ بمعنى بعثه، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي وكذلك البعث، فيطلق على البعث كلمة النشور. قال رحمه الله تعالى: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾. سبحانه يبعث ربنا جل وعلا جميع الخلائق من قبورها، لا يستعصي على الله شيء جل في علاه. قال: وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وقال: وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾. قال: الآيات، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى آخر السورة. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وغيرها من الآيات. فالآيات كثيرة جدا يخبر ربنا سبحانه وتعالى أنه سيحيي العظام وهي رميم، ويعيد الأرواح إلى الأجساد، وأنه يبعث من في القبور. قال مؤلف رحمه الله: وكثيرا ما يضرب الله تعالى لذلك مثلا بإحيائه الأرض بالماء، فتصبح تهتز مخضرة بالنبات بعد موتها بالجدب، إذ كانت قبلها مدة. وهذه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى، وهو من باب الاستقراء، أنك تجد أن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يضرب مثلا بإحياء الأرض، وذلك بإحياء الموتى من قبورهم ثم بعثتهم عند رب العالمين. سرعان ما يقرن هذا الواقع بمثال يضربه الله للناس، وهو واقع ملموس، وهو إحياء الأرض بعد موتها، كهذه الآية التي في أيدينا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾. فربنا سبحانه وتعالى جعلنا آية مبصرة، وهذه الآية ينزل الأمطار، كما يقول العلماء: فيها رحمة، وفيها قدرة، وفيها حكمة. الشاهد من ذلك القدرة؛ إذ أن بهذا الواقع الملموس، وهو إنزال الماء من السماء، ثم إنبات الأرض بالنبات، هذا يا عبد الله يعطيك دلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الأرض، وعلى إحياء الموتى من قبورهم. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وبذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في حديث العقيلي الطويل، حيث قال: «ولا عمر إلهك، ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت عنه القبر حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالسا». وهذا يخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام عن حال العبد كيف يبعث يوم القيامة. قال: «ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت عنه القبر حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالسا». وهذا منشأ النمو يبتدئ خلق الإنسان، وهو على هيئة الجلوس، ثم يستتم قائما عند ربه سبحانه وتعالى في ساحة الحشر. قال: «يقول ربك: مهيم، أي ما أمرك وما شأنك لما كان منه؟ فيقول: ربي أمس اليوم لعهدي بالحياة، يحسبه حديثا بأهله». ما معنى أمس اليوم؟ يقول علماء: أن هذا الرجل نسي المدة التي قضاها في قبره، يجد أنه أمس قد دفن، أو أنه اليوم دفن والآن بعث، وذلك يستقل استقلاله للأيام التي لبثها في الأرض. قلت يا رسول الله: كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلاء والسباع؟ أي: هذا الصحابي يسأل عن كيفية البعث، ونحن على هذه الحال تناثرت بنا الأجساد، إما جسد أصابه البلاء أصبح رفاتا، أو جثة أكلتها السباع ونهشتها الجوارح، أو كذلك مزقت عن طريق الرياح، كيف هذا؟ فذكر نبينا عليه الصلاة والسلام بأن الله سيجمع هذه الأجساد مهما تناثرت ومهما اختفت. ويذكرنا هذا بحديث ذاك الرجل الذي خاف على نفسه أن الله إذا بعثه ليعذبه عذابا شديدا، فمن مخرج؟ أراد أن يهرب من البعث، فأمر أهله وأمر بنيه أن يحرقوه يحرقوا جثته بعد موته. وأنه يأتون برفاته، وهو الرماد الذي بقي منه، فيأخذ بشطره إلى يوم ريح، فيرمي جزء منه في البر وجزء منه في البحر، لماذا هذا كله؟ خشية أن لا يبعث، يرى في نفسه ويظن أنه إذا بعثرت جثته هنا وهنا وأصبحت رفات أصبحت رفات وأصبحت رماد تتلاعب بها الريح يمنة ويسرى، أن هذا ليس على قدرة الله على بعثه. فإذا بربنا عز وجل يجمع أمره ويجمع جثته، فإذا به ماذا يستوي قائما أمام رب العالمين سبحانه وتعالى. وبهذا إخواني في الله أن ما يكون في أذهان بعض الناس: كيف هذا رجل تقطع إربا إربا ومزقت جثته كيف يجمعه ربه؟ ربنا على كل شيء قدير جل في علاه. وكما جاء في هذا السؤال: قال: «كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلاء والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله». أن يجيب نبينا بالصحابي: أخبرك بكيفية الجمع لهذه الأجساد بمثل وبنعمة وآية من آيات الله. «الأرض أشرفت عليها وهي في مدرة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا. أي: هذا المثال يضربه نبي لهذا الصحابي: أرض أنت تراها هامدة ميتة، فإذا بنفسك تجزم بأن هذه لا تحيا أبدا، وهذا واضح. تذهب إلى بعض الوديان تقول: هذه قفر، كيف تنبت؟ كيف تعيش هذه الأرض؟ تستبعد أنها تحيا، وهكذا المثال. قال: فقلت: لا تحيا أبدا، فأرسل الله عليها السماء، فلم تلبث عنها إلا أياما حتى أشرفت عليها، فإذا هي شربة واحدة». أي: بعد أيام جئت إليها، فإذا بها ماذا؟ قد أخضرت وأصبحت ماذا؟ مليئة بالأزهار والحدائق والبساتين. قال: «فلم تلبث عنها إلا أياما حتى أشرفت عليها، فإذا هي شربة واحدة. ولعمر إلهك له أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض». فتخرجون من الأصواء من مصارعكم. ومن مصارعكم، وهذا الحديث بطول إخواني في الله رواه جماعة من أهل العلم كالإمام بن خزيمة رحمه الله تعالى. وقد انتصر ابن القيم رحمه الله تعالى انتصارا عظيما لهذا الحديث، حتى قال في زاد المعاد عندما ذكر هذا الحديث وقام بشرحه: «قال حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة». ثم سرد رحمه الله تعالى وكتب أسطرا كثيرة في حق من خرجه ومن رواه من الأمة، ومن صححه. وإن كان الحديث ما سلم من علّة في إسناده، إذ أن به مجاهيل، لكن كما قال علماء: أن هذا الحديث تلقى بالقبول لصحة معانيه، فمعانيه صحيحة لا غبار عليها، وفيها أن النبي مثل بمثال لقدرة الله على إحياء الأجساد بعد موتها، بما يكون من إحياء الأرض بالنباتات. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.