الدرس في شرح المنظومة البيقونية 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس الشروط الخمسة للحديث الصحيح وهي الاتصال، العدالة، الضبط، عدم الشذوذ، وعدم العلة. هذه الشروط هي أساس الحكم على صحة الحديث.
يفسر المقطع معنى الشذوذ بأنه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، ويوضح مفهوم العلة بأنها سبب خفي يضعف الحديث، وقد تكون ظاهرة أو خفية.
يتناول المقطع علل الحديث بأنها أسباب خفية تضعف الحديث، وتنقسم إلى قادحة وغير قادحة، وقد تنتج عن أوهام الثقات أو الضعفاء في الإسناد أو المتن.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أولها الصحيح، وهو ما اتصل إسناده ولم يشد أو يعل، يرويه عدل ضابط عن مثله، معتمد في ضبطه ونقله. ففي الدرس الذي مضى ذكرنا الاتصال، وكذلك العدالة والضبط. ذكرنا الاتصال والعدالة والضبط، وقلنا إن الحديث الصحيح يجمع خمسة أوصاف أو خمسة شروط: العدالة، والضبط، والاتصال، وكذلك عدم الشذوذ وعدم العلة. عدم الشذوذ وعدم العلة، فإذا توفرت هذه الخمسة الشروط في الحديث الصحيح، يكون حديثا صحيحا. فإذا اختل شرط من هذه الشروط، فيكون الحديث فيه ضعف. كما سيجد إن شاء الله وتعالى، هنا قال: «أو إسناده» أو قال: «ما اتصل إسناده ولم يشد أو يعلم». أشمعنا الشذوذ؟ الشذوذ هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، هذا يسمونه الشاذ. أشمعنا هذا الكلام؟ أنا يأتي حديث في إسناده رجل يقبل حديثه، ليس ممن يضعف، يقبل حديثه، ثم لكن هذا الشخص يخالف من هو أوثق منه، يخالف من هو أوثق منه، فهذا يسمونه الشاذ. على سبيل المثال، معنا المثال نأتي به. جاء عند أبي داود من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا صلى أحدكم ركعتين الفجر فليضطجع على شقه الأيمن». بالأمر هذا، عبد الواحد بن زياد الذي روى هذا الحديث عن الأعمش هو ثقة، لكن ليس بذاك الثقة، معنا هو مقبول، يقبل حديثه، لكن حديثه ليس من حديث الأثبات الحفاظ. وقد خالفه هنا من هو أوثق منه، خالفه سفيان الثوري وخالفه شعبة، فروى هذا الحديث من نفس الطريق عن الأعمش، وإنما كان من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. أن أبا هريرة يقول: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى ركعتين الفجر اضطجع على شقه الأيمن»، اضطجع على شقه الأيمن، ليس بالأمر. لكن عبد الواحد بن زياد جعله بالأمر، هذا الآن حديث عبد الواحد بن زياد الذي فيه الأمر يسمونه شاذا. يسميه العلماء هذا حديث شاذ، لماذا؟ لأن هذا عبد الواحد خالف الناس، خالف من هو أوثق منه، فيسمونه شاذا. فالحديث الشاذ لا يكون من الحديث الصحيح، الحديث الشاذ لا يكون من الحديث الصحيح، وإنما هو من الضعيف. ثم أيضا قال: «أو يعل»، أي لا يكون حديثا فيه علة. والعلة علتان: علة تسمى ظاهرة، علة ظاهرة أو جلية، نفس المعنى، ظاهر أو الجلي كله واحد. هذه العلة ظاهرة أو جلية، مثل الانقطاع، مثل الرجل الضعيف، الرجل المتروك، هذا تسمى علة ظاهرة. وهناك القسم الثاني: العلة الخفية، العلة الخفية، هذه العلة الخفية التي لا تظهر في ظاهر الإسناد، يسمونها علة خفية. وعرفها بعض العلماء فقال: هي سبب خفي يطرأ على الحديث فيوجب ضعفه. لكن هذا التعريف ينطبق على العلة القادحة، لأن أيضا كما هو معلوم أن العلة تنقسم إلى قسمين: العلة نفسها الخفية تنقسم إلى قادحة وغير قادحة. قادحة أي تقدح في الحديث، وغير قادحة، معنا هناك قد تكون علة لكنها غير قادحة. مثل العلة غير القادحة: إبدال ثقة بثقة، مثلا بدل ما يقول: «عمر بن دينار»، قال: «مالك بن دينار»، مثلا «عمر بن دينار عن أنس» أو عن ابن عباس، وقال: «مالك بن دينار عن ابن عباس»، كلاهما ثقة، سواء كان عمر بن دينار أو مالك بن دينار، هذا علة لكنها ما تضر الحديث. لكن هناك علة قادحة تضر الحديث تجعله حديثا ضعيفا، وهذه العلة يدخل فيها أشياء كثيرة، ولهذا هذا باب العلل باب واسع، معنى يدخل فيه أنواع كثيرة. من هذه الأنواع التي سندكرها: الشاذ يدخل في العلة، المضطرب يدخل في العلة، أيضا كذلك ما يكون مثلا في راويه ضعف لكن يعرف متى بالمخالفة، أيضا يدخل في العلة، وأشياء كثيرة: الوهم، والأصل أن العلة تأتي من أوهام الثقات أو أوهام الرواة. العلة تعرف من أوهام الرواة، وغالبا الثقات، معنى يكونون ثقات لكن يهمون. وهذا الوهم معنى ما من إنسان إلا وهو يهم، ما من إنسان إلا ويدخله الوهم، الإنسان عقله ناقص، ليس هناك عقل كامل يحفظ كل شيء. بل حتى كبار الأئمة، كبار الأئمة المتقنين، كمالك وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك، وكذلك غيرهم من أولئك الأئمة، مع إتقانهم الشديد إلا أنهم وقعوا في أوهام، وقعوا في أوهام. فهذا علم العلل غالبا يتكلم على أوهام الثقات التي وهموا فيها وأخطأوا فيها، أنه خطأ الثقات. وأحيانا يدخل أيضا في أوهام الضعفاء، أحيانا هذه الأوهام تكون في الإسناد، وأحيانا تكون في المتن. مثلا على سبيل المثال، المثال في المتن: مالك بن أنس رضي الله عنه رحمه الله، إمام دار الهجرة، هو من أفضل متقنين في الحديث، لكن غلط في بعض الأشياء. مثلا في حديث أنس، قال في قول أنس: «كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي، ثم يرجع والشمس لازالت حية». أنس يقول: «نصلي العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي - العوالي لما كنا مرتفعة في المدينة - ثم يرجع ولازالت الشمس حية». فما نستفيد من هذا الحديث؟ المراد به يريد أن يبين أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل بالعصر، يعجل بصلاة العصر. فشهدنا الآن أن أكثر الذين رووا هذا الحديث قالوا: «العوالي»، مالك وهم، بدل ما يقول: «العوالي»، قال: «قبا». قال في حديث أنس: «كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذهب أحدنا إلى قبا ثم يرجع والشمس حية». فالعصر، أن هذا وهم من مالك، لكن هل يؤثر على الحديث؟ ممكن يؤثر في الاستدلال، لأن قبا قريبة، والعوالي بعيدة، أن قبا مسافتها من المسجد النبوي قريب، أقرب من العوالي، العوالي أبعد. لكن الغلط هنا والوهم في هذه الكلمة، الناس يقولون: «العوالي»، وهو قال: «قبا»، هذا يسمى وهم، هذا علّة، يعتبرونها، وإن كان ما تقدح في الحديث. الحديث واحد، أيضا كذلك بعض العلماء أو بعض هؤلاء الأئمة أحيانا يهمون في أسماء بعض الرواة، مثل مثلا «عمر بن سعيد الشعتي»، كان مالك يخطأ في اسمه، يقول: «عمر» هو «عمر»، ويقول: «عمر»، وكذلك «عمر بن عثمان»، هو «عمر بن عثمان»، ومالك يقول: «عمر بن عثمان»، هذا خطأ بسيط، لكن يعتبرون أنه العلماء علّة وخطأ. فالمهم أن هذه العلّة يقصد بها أوهام وأخطاء الرواة للحديث، وغالبا الثقات. وخلاصة الأمر كما نقول: إن الحديث الصحيح هو الذي يجمع خمسة شروط، هو الذي يجمع خمسة شروط أو أوصاف: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وكذلك عدم الشذوذ وعدم العلّة. إذا وجدت هذه الأوصاف كما قلنا صار الحديث صحيحا، إذا تخلف شيء من هذه الأوصاف يكون الحديث ضعيفا. إذا تخلف شيء من هذه الأوصاف، إما في الاتصال، وإما في العدالة، وإما في الضبط، وإما كذلك أنه شاذ أو أن فيه علّة قادحة. فهذه إذا وجدت شيء من هذه الأمور فيكون الحديث ضعيفا. وأحيانا يختلف العلماء في وجود هذه الشروط، ليس يكون الاختلاف دائما في الأحاديث، هذا صحح وهذا ما صحح. أحيانا الغلط أو الاختلاف ليس في الحديث، وإنما في توفر هذه الشروط، هل توفرت هذه الشروط؟ هل كل الرجال عدول ومعنى ثقات؟ العدل الضبط يسمى ثقة، يجمعونه في كلمة ثقة، فهل توفرت هذه الشروط في الحديث أو لم تتوفر؟ يختلفون. مثلا في الرجل هل هو عدل أو ليس بعدل؟ بحسب ما يرونه منه، بعضهم يحكم بملازمته، يحكم مثلا عليه أنه يعرف قد لازمه أو شيخه. وبعضهم يحكم عليه بجمع حديثه، يعني الآن تجد مثلا النساء يتكلم في أناس قد سبقوه بمائتي سنة مثلا أو أقصد بمائة سنة أو ما أدركه. لكن تجد يتكلم عليهم، يقول: هذا ضعيف، وهذا متروك، وهذا كذا، من أين عرف هذا؟ جمع حديثه، يجمعون حديث هؤلاء الرواة ويرون هل أصابوا معناه؟ يقابلونها بأحاديث الثقات، يقابلونها بأحاديث الثقات. وهذا إن شاء الله تعالى نأخذه في درس لاحق أو في دروس قادمة إن شاء الله. أما الآن نحن نفهم أن الحديث الصحيح إذا اجتمعت فيه هذه الأوصاف الخمسة يكون حديثا صحيحا، وإن تخلف وصف واحد من هذه الأوصاف فإنه يكون حديثا ضعيفا. هذا الذي يذكر في هذا الدرس، والله تعالى أعلم.