شرح أعلام السنة المنشورة  130

شرح أعلام السنة المنشورة 130

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 130، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التقدير العمري وأدلته

التقدير العمري يشمل تقدير عمر الإنسان عند الميثاق وعند تخليق النطفة، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هذا التقدير يحدد عمر الإنسان منذ بداية خلقه.

مراحل تكوين الجنين

الجنين يمر بمراحل النطفة، العلقة، والمضغة، ثم تنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر. كتاب عمري للجنين يسجل رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته.

أهمية السلوك الحسن في استغلال الأرزاق والآجال

الإنسان يجب أن يسلك سلوكًا حسنًا لاغتنام الأرزاق المكتوبة لأن الآجال والأرزاق محددة مسبقًا. الخواتيم نتيجة للسوابق، فالسابقة الخير تنتهي بخير والعكس صحيح.

خاتمة الدرس والدعاء

الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الخير، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. هذا الدعاء يعبر عن أمل في تطبيق ما سمع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: ما دليل التقدير العمري الذي يكون عند أول تخليق النطفة؟ مر معنا ما يتعلق بهذا، في مسألة الكتابة المتعلقة بقدر الله جل وعلا، إذ أن ما من شيء يعمله الإنسان إلا وقد كتب. ومن خلال النظر في أدلة ونصوص الكتابة، وجد أن العلماء ذكروا أن هناك عدة كتب، منها الكتابة الأولى، والتي قد مرت معنا، وهي الكتابة الأزلية التي كتب ربنا فيها كل شيء في اللوح المحفوظ، وهو أوسع وأعظم كتابة، فما من شيء إلا وقد كتبه الله في اللوح المحفوظ. ثم هناك التقدير العمري، والتقدير العمري -إخواني في الله- هو التقدير المتعلق بأعمار الآدميين، بأعمار المكلفين، فهو أخص من اللوح المحفوظ العام لجميع الخلائق والكائنات. أما التقدير العمري فهو تقدير متعلق بعمر الإنسان. المؤلف رحمه الله تعالى جعل التقدير العمري على قسمين: تقدير عمري عند الميثاق، وهذا قد مر معنا في درس أمس، وتقدير عمري عند أول تخليق النطفة، كما هو مبين هنا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال الله تعالى: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾»، وفي الصحيحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة». النطفة هي الماء الدافق، ماء الرجل. ونبينا صلى الله عليه وسلم عبر في هذا الحديث بالجمع «إن أحدكم يجمع خلقه»؛ وذلك لأن الإنسان ماءه يكون نطفة في الرحم، ويكون متفرقًا، فيجمعه ربنا في رحم المرأة، وهي الأم، في مدة أربعين يومًا في حال النطفة، وهو الطور الأول. قال: «ثم يكون علقة مثل ذلك»، أي نفس المدة، يتحول هذه النطفة إلى علقة، والعلقة بمعنى الدم المتجمد. وهل معنى ذلك أن الماء إذا ما استمر أربعين يومًا نطفة، ثم مباشرة يتحول إلى العلقة؟ لا، فهو في أثناء نطفته يبدأ منه التغير إلى الاحمرار، حتى يصل إلى مرحلة العلقة، فيستمر على ذلك أربعين يومًا. قال: «ثم يكون مضغة مثل ذلك»، والمضغة هي مقدار ما يمضغه الإنسان من طعام. وهذا الطور الثالث الذي يمر عليه الجنين. ومن علم نبينا صلى الله عليه وسلم بمثل هذه التعاليم هو ربنا سبحانه وتعالى، فهذه الأشياء خافية على الناس، وكان الناس قديمًا يظنون أن الإنسان في أول حياته عبارة عن إنسان صغير جدًا ثم ينمو. قال: «ثم يرسل إليه الملك»، وهذا ملك خاص موكل بالنفخ في الروح، يرسله ربنا عز وجل بعد تمام الأربعة أشهر. قال: «فينفخ فيه الروح»، وبين هنا استفاد العلماء على أن الجنين إذا خرج من بطن أمه بعد مروره بالمراحل الثلاث، بمعنى بعد مرور مئة وعشرين يومًا، بمعنى بعد مرور أربعة أشهر، فإنه يعامل معاملة الكبير. قال رحمه الله تعالى: «فينفخ فيه الروح»، وما هي الروح؟ الله أعلم، خلق من خلق الله، ينفخ ربنا الروح في الجنين في بطن أمه في هذه المدة. ولا تزال سارية معه إلى أن تقبض روحه في آخر عمره. قال: «ويؤمر بأربع كلمات»، الكلمات كما فسرها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، قال: هي القضايا المقدرة. قال: «فيكتب له أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». هنا الكتابة إذًا هي كتاب عمري متعلق بعمر الإنسان، لكنه مفصل، يكتب فيه رزقه، وأجله، وعمله. فما أنت عليه من عمل، عمل صالح أو سيء، فهذا علمه عند ربي سبحانه وتعالى. واعلم أن الأرزاق قد كتبت، فرغت، قضي أمرها، فلا تلهث ولا تندم على شيء فاتك. ويا ما أكثر الناس الذين يتلهفون على الدنيا الماضية. فلا تندم يا عبد الله على أمر فاتك من رزق، فهذا من تقدير الله. واعلم أن الله أراد بك منفعة، وأراد بك خيرًا، فصرف عنك الدنيا التي أنت تتقطع وتقاتل لأجلها، ما هي من مصلحتك. فارضَ يا عبد الله بقسمة الله لك، واعلم أن الله قد قدر ذلك لأمر أراده، علمه من علمه وجهله من جهله. ولهذا الإنسان في هذه الدار يجمل أن يسلك سلوكًا حسنًا في اغتنام الأرزاق. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فيا عباد الله اتقوا الله وأجملوا في الطلب». كن على حسن سيرة وسلوك في اغتنام الأرزاق. الآجال قضت، الآجال انتهت، وأنت في بطن أمك قد علم ربنا جل وعلا ماذا سيكون عمرك. فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الآجال مفروغ منها، لا تغير ولا تبدل. قال: «بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. والكتاب السابق دلالة على أن هذه الكلمات لا تغير، إن كتب عليك وأنت في بطن أمك أنك من أهل النار، فإن مآلك سيكون لأهل النار لا محالة، لا يغير ولا يبدل. ومن هنا نعلم أن هناك كتابات لا تغير، ما كتبه الله في اللوح المحفوظ لا يغير ولا يبدل. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». هذه اللفظة مهمة، «فيما يبدو للناس»، يحمل الحديث على أن هذا الرجل الذي نراه يعمل الصالحات، ثم ختم له بالنار، لماذا ختم له بالنار؟ نتيجة لعمله، ما هو عمله؟ أنه رجل منافق، يبطن الكفر ويظاهر بالصلاح. ففي نهاية أمره ينكشف أمره، فيعمل بعمل أهل النار، لماذا؟ لأن هذا هو حاله أصلا، رجل كاره لله ولرسوله، لكن ما يتجاسر على إبداء هذا. والعكس بالعكس، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، لكنه فيما بينه وبين الله له عمل صالح. فنعلم من هذا الحديث أن الخواتيم ما هي إلا ثمر للسوابق. كيف أنت سابقتك؟ إذا كانت على خير فسيختم لك بخير، وكيف أنت سابقتك إن كانت على شر فسيختم الله عليك بشر. الحاصل إخواني في الله أن هذا الحديث من الأحاديث العظيمة الدلالة على أن الله جل وعلا كتب أحوال العباد من عمل وأرزاق وآجال وهو في بطون أمهاتهم، وكل ذلك تبع لعلم الله السابق. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.